
ضجة العامرات وقراءة مفهوم التسامح والهوية في العصر الرقمي
الاثنين ٠٣/نوفمبر/٢٠٢٥ ١٥:٤٧ م
العامرات… عندما تتحول واحة التسامح إلى مرآة لأزمات المجتمع
الثلاثاء ١٨/نوفمبر/٢٠٢٥ ١٨:٢١ م
لم يكن احتفال الجالية الهندية في حديقة العامرات إلا مجرد فعالية ثقافية عابرة، ومع ذلك نجح في إشعال نقاش وطني واسع امتد لأيام. فما الذي جعل مشهدًا ثقافيا يتحول بهذه السرعة إلى عاصفة رقمية هزّت المزاج العام؟
الجواب أن حادثة العامرات لم تكن أزمة دينية ولا خلافًا مع جالية بعينها، بل كانت مرآة لعمق التوترات الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية والثقافية التي تراكمت عبر السنوات، ووجدت في تلك الواقعة منفذًا للتعبير عن خيبة وقلق واحتقان أصبح يصعب كبته.
الجمر تحت الرماد: اقتصاد مضغوط وجيل يعيش صدمة التحول.
على امتداد العقد الماضي، مرّت عمان بتحولات اقتصادية عميقة اعادت رسم توقعات جيل كامل.
فبعد عقود كان فيها القطاع الحكومي مظلة التوظيف والاستقرار، بدأت قدرة الدولة على استيعاب الخريجين تتراجع بفعل أزمات المالية العامة وتذبذب أسعار النفط ، إضافة إلى تشبع الوحدات الحكومية بالوظائف.
وفي الوقت ذاته، واجهت الأسر العمانية ارتفاعًا ملحوظًا في تكاليف الحياة مع تطبيق الضرائب المختلفة وسحب الدعم التدريجي عن الخدمات لايجاد توازن بين المصروفات والإيرادات حسبما ذكرتها الحكومة.
هذه التحولات لم تكن “قرارات مالية” فحسب، بل تغييرًا جذريًا في نموذج الأمان الاجتماعي الذي نشأ عليه جيلان كاملان.
ومع ضرورة الإصلاح الاقتصادي، بقي الأثر المباشر على الناس قاسيًا:
زيادة في الالتزامات الشهرية، تراجع في القوة الشرائية، وتقلص في فرص العمل المناسبة.
أربعة عقود من الخطط… ونتيجة واحدة.
التحولات الحالية لم تنشأ من فراغ، بل هي امتداد لمسار طويل.
فمنذ عام 1976، دعت الخطط الخمسية المتتالية إلى:
• تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على النفط،
• زيادة الاستثمار في القطاعات المنتجة والموفرة للوظائف،
• تعزيز دور القطاع الخاص والتنافسية،
• وتطوير أنظمة التعليم والتدريب لإحلال العمالة الوطنية.
لكن التنفيذ على أرض الواقع لم يواكب طموح تلك الخطط.
ظل النفط المصدر الرئيسي للدخل، وبقي القطاع الخاص هشًا في بنيته، بينما لم تخلق منظومات التعليم المهارات اللازمة لاقتصاد رقمي حديث.
النتيجة: جيل يدخل سوق عمل لا يشبه ما أعدّته له المدارس والجامعات.
الجالية الهندية: شريك تاريخي أم منافس اقتصادي؟
للجالية الهندية حضور عميق ومتجذر في عمان، ومساهمة واضحة في التنمية.
لكن ضخامة حجمها وانتشارها في قطاعات رئيسية، في ظل بطالة شبابية متنامية ،خلقت تصورًا لدى البعض بأنها “شبكة مغلقة” تهيمن على فرص العمل.
مشكلة هذا التصور أنه:
• ناتج عن نقص التواصل الثقافي والاجتماعي المباشر،
• ويغذيه الفراغ المعلوماتي حول طبيعة سوق العمل،
• ويُضخّم عبر منصات التواصل التي تفضل المحتوى العاطفي على الحقائق.
هكذا أصبح أي احتفال أو تجمع هندّي يبدو — في عين بعض المتابعين — “استعراضًا للنفوذ”، رغم أنه غالبًا مجرد نشاط ثقافي طبيعي يمارسه مئات الآلاف من المقيمين منذ عقود.
الظرف الإقليمي… وتأثير الإعلام.
لم يكن المزاج الديني المحيط بعيدًا عن الصورة.
فالتغطيات الإعلامية في السنوات الأخيرة حول التوترات الدينية في الهند خلقت حساسية عالية تجاه أي رمز هندوسي، حتى لو كان بعيدًا تمامًا عن السياسة.
ثم جاءت الحرب على غزة وما رافقها من ألم وغضب وتعبئة عاطفية، لتجعل الشارع أكثر توترًا تجاه كل ما يلامس الهوية والدين.
في هذه الحالة المشحونة، يصبح أي اختلاف بسيط قابلًا للتأويل المبالغ فيه.
منصات التواصل: وقود العاطفة وسرعة الاشتعال.
وسائل التواصل الاجتماعي لم تكن مجرد مرآة، بل كانت مسرّعًا.
فالخوارزميات تدفع نحو المحتوى الأكثر إثارة، بينما يضعف المحتوى التحليلي والهادئ.
هكذا تحوّلت الحادثة الصغيرة في حديقة العامرات إلى موجة وطنية، ليس لأن المشهد كان خطيرًا، بل لأن المجتمع كان أصلًا محمّلًا بالأسئلة والضغوط.
درس التاريخ: الانفتاح قوة لا تهديد.
في وسط الانفعال، يبرز درس من تاريخنا:
الحضارات القوية لا تخشى الاختلاف، بل تستثمره.
في العصر العباسي الأول، لم تكن بغداد قلعة مغلقة، بل مركزًا لترجمة علوم الإغريق، واستيعاب خبرات الفرس، والاستفادة من المعارف الهندية في الرياضيات والفلك والطب.
هذا الانفتاح لم يُضعف الهوية الإسلامية بل جعلها أكثر نضجًا وثراءً.
وهذا بالضبط ما تحتاجه عمان اليوم: ثقة بالذات تسمح بالتفاعل دون خوف، وبناء لا بردّات فعل.
خاتمة حاسمة: ماذا يجب أن نفعل الآن؟
لكي لا تتكرر أحداث مشابهة، ولتستعيد واحة التسامح توازنها الطبيعي، نحن بحاجة إلى خطوات واضحة لا شعارات عامة:
- إصلاح اقتصادي حقيقي يولّد وظائف حقيقية.
عبر تنمية قطاعات إنتاجية (الصناعة، اللوجستيات، التكنولوجيا، الطاقة المتجددة)، وتقليل الاعتماد على العمالة منخفضة التكلفة.
- إصلاح تعليمي وتدريبي جذري.
يركز على المهارات الحديثة: الرقمية، التقنية، الابتكار، والتفكير التحليلي — حتى يصبح العماني قادرًا على المنافسة في سوق يتغير بسرعة.
- حوار وطني شفاف
يوضح للناس مسار الإصلاح وأهدافه، ويعالج فجوات المعلومات التي تتحول إلى تصورات خاطئة وتوترات اجتماعية.
- بناء جسور مع الجاليات المقيمة.
عبر برامج ثقافية وتطوعية وتربوية تخلق تفاعلًا إنسانيًا مباشرًا، وتكسر الصور النمطية من الطرفين.
حادثة العامرات لم تكن أزمة… بل “إنذارًا”.
إنذارًا يذكّر بأن التحديات الاقتصادية والاجتماعية إن تُركت دون معالجة، ستبحث عن منفذ تعبّر من خلاله — ولو كان احتفالًا صغيرًا في حديقة عامة.
والقوة ليست في تجنب العواصف، بل في معالجة أسبابها وبناء مجتمع قادر على تحويل اختلافه إلى ثراء لا صراع.
سقوط النظام الإيراني… زلزال جيوسياسي يعيد تشكيل الشرق الأوسط
الأربعاء ١٤/يناير/٢٠٢٦ ٢١:١٦ م
لا تشير الاضطرابات الحالية في ايران بالضرورة إلى ثورة وشيكة على غرار ثورة 1979. فالنظام الحالي أكثر تماسكاً أمنياً.
ولكن التحركات الأمريكية والاسرائلية جارية بالفعل وتهديدات ترامب مستمرة بالتدخل إذا استمرت عملية قتل المتظاهرين والمتعاونين مع الولايات المتحدة وإسرائيل سوف يحاولون قتل مزيد من المتظاهرين وقوات الامن كما سيحاولون تدمير بعض المرافق او الاستيلاء عليها
والخطوات الأمريكية قد تتراوح بين عمليات التضليل والتأثير، والهجمات الإلكترونية، والعمليات الخاصة، أو حتى الحرب المفتوحة،وذلك تبعا
للتطورات. وهناك انباء عن قرار الحرب تم اتخاذه اثناء اجتماع ترامب مع نتنياهو في فلوريدا في نهاية الشهر الماضي.
، وعلى أثر ذلك قامت بعض الدول بإجلاء رعاياها واغلاق سفاراتها في تل ابيب. وستكون الاحتجاجات الجارية الذريعة لإعلان الحرب فترامب قال قبل ايام، ان بلاده مستعدة لتقديم المساعدة للمحتجين،
إن “سيناريوهات كانت تعتبر مستبعدة في السابق باتت واردة الحدوث الآن”.
في كل الاحوال سوف يظل سقوط النظام الحالي في إيران سيناريو افتراضي، لكن تحليل تداعياته المحتملة يعد ضرورة استراتيجية لفهم ديناميكيات المنطقة الهشة. هذا الحدث الجسيم لن يكون مجرد تغيير في حكومة طهران،بل سيكون زلزالاً جيوسياسياً هائلاً، بل ستنتقل هزاته الارتدادية من الداخل الإيراني إلى أقاصي المحيط الإقليمي، حاملاً معه مخاطر عنف عابر للحدود وفرصًا لإعادة رسم التحالفات.
تبدأ التداعيات من قلب طهران نفسها. المجتمع الإيراني، رغم تجانسه النسبي تحت مظلة الهوية الوطنية والقومية الفارسية، يحوي تناقضات عميقة: انقسامات سياسية بين إصلاحيين ومحافظين ومقاطعين، وتمايزات عرقية (أذريون، أكراد، عرب، بلوش)، وصراع بين دولة عميقة (الحرس الثوري) ومجتمع مدني متعطش للتغيير. قد تؤدي لحظة السقوط إذا ما حدثت إلى فراغ سلطة تتنازعه هذه القوى. الاحتمال الأرجح ليس حربًا أهلية بالشكل التقليدي (جيش موحد ضد متمردين)، بل “فوضى منظمة” أو حروب أهلية مصغرة في الأطراف، حيث تسعى القوميات للاستقلال أو الحكم الذاتي، بينما تتصارع الفصائل في المركز على تركة النظام.
مصير مؤسسات النظام، وخاصة فيلق القدس التابع للحرس الثوري، سيكون حاسمًا. فقد تلجأ هذه المؤسسات، ذات المصلحة في البقاء، إلى التحالف مع قوى إقليمية أو دولية لضمان وجودها، أو قد تتفكك إلى جماعات مسلحة تزيد الطين بلة. المشهد سيتحدد بشكل كبير بطريقة السقوط: هل هو ثورة شعبية سريعة؟ أم عملية تغيير تدريجي؟ أم انهيار داخلي؟ هل ستنجح ؟ كل سيناريو ينتج ديناميكيات عنف مختلفة.
ستكون دول الجوار المباشر لإيران هي أول من يتحمل وطأة التصدعات.
· العراق: حيث النفوذ الإيراني متغلغل في الدولة والميليشيات. قد يؤدي اختفاء الداعم الإيراني إلى صراع شرس على السلطة داخل التحالف الشيعي ذاته (بين قوى موالية لإيران وأخرى وطنية)، وإلى محاولات من السنة والأكراد لاستعادة مكاسب سياسية، وسط صراع خفي أو معلن من الدول المجاورة
· لبنان: القلب النابض للأزمة. حزب الله الذي ما زال قوي نسبيا ويعتمد على تسليحه ودعمه ماليا سيواجه أزمة وجودية مع فقدان تمويله وتسليحه وتدريبه من إيران. السيناريوهان الأساسيان هما: إما انهيار سلمي نسبي يقوده إلى طاولة المفاوضات تحت ضغط داخلي وإقليمي هائل لنزع سلاحه، أو انزلاق البلاد إلى حرب أهلية جديدة إذا قرر جزء من الحزب أو حلفاؤه القتال للبقاء، مستخدمًا ترسانته الكبيرة من الصواريخ.
الخليج العربي: بين القلق والفرصة
ستواجه دول مجلس التعاون الخليجي موقفًا معقدًا يجمع بين المخاطر المباشرة والفرص الاستراتيجية.
· المخاطر قصيرة المدى: احتمال تدفق لاجئين، وتصاعد أنشطة تخريبية من قبل وكلاء إيرانيين سابقين يحاولون إثبات وجودهم، أو حتى تمردات محتملة في بعض المناطق في ظل غياب القبضة الإيرانية واندفاع هذه المجتمعات للمطالبة بحقوق أوسع.
· الفرص طويلة المدى: تراجع “العدو الإقليمي التقليدي” يشكل نقلة استراتيجية كبرى. سينحسر التهديد الصاروخي والبحري المباشر من الحوثيين وحزب الله على المدى البعيد، ويفتح المجال لبعض الدول لقيادة ترتيب إقليمي جديد. لكن هذا سيتطلب منهم دبلوماسية دقيقة لإدارة العلاقة مع إيران الجديدة ومنعها من الانزلاق لفوضى تهدد الجميع
سقوط النظام الإيراني.. زلزال جيوسياسي يعيد تشكيل الشرق الأوسط (الجزء الثاني)
بعد انقضاء موجة الصدمة الأولى لسقوط النظام الإيراني، تبدأ التداعيات الأعمق بالظهور، لتعيد رسم خريطة النفوذ والتحالفات في الشرق الأوسط من جديد. فغياب لاعب إقليمي مركزي دام حضوره أربعة عقود لا يعني نهاية الصراعات، بل دخول المنطقة في مرحلة سيولة استراتيجية مفتوحة على احتمالات متناقضة.
مصر وتركيا: أدوار متباينة في مرحلة انتقالية
ستتأثر مصر بصورة غير مباشرة ولكن عميقة. تراجع النفوذ الإيراني سيخفف الضغوط الأمنية المرتبطة بغزة والبحر الأحمر، ويمنح القاهرة هامش حركة أوسع لاستعادة دورها التقليدي كركيزة للاستقرار العربي ووسيط إقليمي، خاصة في ظل حاجة الخليج إلى توازن عربي مقابل تمدد قوى إقليمية أخرى.
في المقابل، ترى تركيا في الفراغ الإيراني فرصة للتوسع. من سوريا والعراق، وربما داخل الجغرافيا الإيرانية ذاتها، قد تسعى أنقرة لتعزيز نفوذها القومي والجيوسياسي، وهو ما يفتح الباب أمام احتكاكات محتملة مع إسرائيل في شرق المتوسط، ومع دول الخليج في العراق، ويخلق بؤر توتر جديدة بدل إنهاء القديمة.
إسرائيل: تفوق بلا خصم أم مأزق جديد؟
بالنسبة لإسرائيل، يبدو السيناريو للوهلة الأولى انتصارًا استراتيجيًا غير مسبوق. اختفاء التهديد الإيراني، النووي والإقليمي، يعني زوال الخصم الوجودي الذي شكّل أساس عقيدتها الأمنية لعقود. غير أن هذا “الانتصار” يحمل في طياته مفارقة خطيرة.
ففي ظل تفوق عسكري مطلق، قد تميل إسرائيل إلى سياسات توسعية أكثر جرأة، سواء عبر فرض وقائع دائمة في غزة والضفة الغربية وسوريا ولبنان أو توسيع دائرة نفوذها الإقليمي. لكن المعضلة الديمغرافية تظل القيد الأكبر: الفلسطينيون في فلسطين التاريخية باتوا يقتربون، بل يتجاوزون عدديًا اليهود، ما يهدد الأساس الديمغرافي لما تسميه إسرائيل “يهودية الدولة”.
كما أن غياب “الخطر الوجودي” الخارجي قد يفتح المجال لظهور جماعات فلسطينية أو إقليمية أكثر تطرفًا، لا تخضع لمنطق الردع التقليدي، ما يخلق فوضى أمنية مزمنة بدل استقرار حاسم.
الخلاصة: فوضى انتقالية ومعادلة جديدة
السيناريو الأرجح هو دخول المنطقة في مرحلة انتقالية مضطربة، تتصارع فيها القوى الإقليمية والدولية – الولايات المتحدة، روسيا، الصين، وأوروبا – لملء الفراغ الذي خلّفه سقوط النظام الإيراني. هذه المرحلة قد تمتد لسنوات من عدم الاستقرار والعنف العابر للحدود.
لكن على المدى المتوسط، إذا انبثقت في إيران دولة أقل عدائية لاسرائيل والغرب وأكثر انشغالًا بإعادة بناء الداخل، فقد تتهيأ فرصة نادرة لخفض حدة صراعات الوكالة، وفتح نقاش إقليمي حول الأمن والطاقة والنفوذ، وربما إعادة الصراع العربي–الإسرائيلي إلى مساره الثنائي بعيدًا عن الاستقطاب الديني. .
سيناريو الضربة الأمريكية: نصر معلن أم فشل مؤجل؟
أما إذا اقتصر التدخل الأمريكي على ضربات جوية وصاروخية محدودة دون اجتياح بري، فإن التاريخ يؤكد أن هذا النمط لا يحسم الحروب ولا يسقط الأنظمة. بل قد يمنح السلطة في طهران غطاءً لتشديد قبضتها ، والرد عبر استهداف المصالح الأمريكية وحلفائها في المنطقة.
وفي حال قررت واشنطن التراجع عن الضربة – كما توحي بعض تصريحات الرئيس ترامب – فإن ذلك لا يعني نهاية الأزمة، بل استمرار حالة الردع الهش، مع بقاء المنطقة معلّقة بين التصعيد والانفجار المؤجل.
الشرق الأوسط بعد إيران لن يكون أكثر هدوءًا بالضرورة، بل مختلفًا جذريًا… وأكثر خطورة في مرحلته الانتقالية
لماذا تراجع ترامب عن الخيار العسكري.. ايران بيّن كلفة الحرب واستحقاقات الاقتصاد
الاثنين ١٩/يناير/٢٠٢٦ ١٩:١٧ م
في ذروة التوتر بين واشنطن وطهران، بدا العالم وكأنه على أعتاب مواجهة عسكرية مفتوحة قد تعيد رسم خريطة الشرق الأوسط. إلا أن قرار ترامب بالتراجع عن توجيه ضربة عسكرية لإيران فتح الباب واسعاً أمام تساؤلات أعمق: هل كان التراجع قراراً سياسياً ظرفياً، أم قراءة واقعية لتوازنات القوة، أم اعترافاً ضمنياً بأن الأزمة مع إيران لم تعد عسكرية بحتة، بل اقتصادية وسياسية مركّبة؟
أولاً، لا يمكن فصل هذا القرار عن المخاوف الإقليمية والدولية من حرب شاملة. دول الخليج، رغم خلافاتها العميقة مع طهران، كانت من أكثر الأطراف قلقاً من اندلاع مواجهة مباشرة، لما تحمله من تهديدات للبنية التحتية الحيوية، من منشآت نفطية وموانئ وممرات بحرية، استثمرت فيها هذه الدول مئات المليارات. أي صراع مفتوح كان سيحوّل المنطقة إلى ساحة استنزاف طويلة، بلا منتصر واضح.
ثانياً، الحسابات الأمنية الأمريكية نفسها لعبت دوراً حاسماً. القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في الخليج والعراق وسوريا، إضافة إلى المصالح الاقتصادية الكبرى، كانت أهدافاً محتملة لرد إيراني واسع. التقارير الاستخباراتية أشارت إلى امتلاك إيران قدرات صاروخية وتقنية قادرة على توسيع نطاق الصراع إقليمياً، ما يرفع كلفة أي مغامرة عسكرية إلى مستويات غير محسوبة.
ثالثاً، حتى الحليف الإسرائيلي، ورغم خطابه المتشدد تجاه إيران، يدرك أن أي حرب شاملة ستجعل مدنه وبنيته التحتية تحت تهديد مباشر. فالصراع، إن اندلع، لن يبقى محدوداً أو مضبوط الإيقاع، بل قد يتحول إلى مواجهة إقليمية مفتوحة تتجاوز قدرة السيطرة السياسية والعسكرية
لكن خلف هذه الاعتبارات العسكرية، يبرز عامل غالباً ما يُهمل في التحليل: الاقتصاد الإيراني نفسه. فإيران اليوم تواجه أزمة اقتصادية هيكلية خانقة، تفاقمت بفعل العقوبات الدولية، والفساد المؤسسي، وسوء الإدارة المزمن. التضخم المرتفع، تراجع قيمة العملة، وتآكل القدرة الشرائية، كلها مؤشرات على أن الضغوط الاقتصادية باتت تشكّل التحدي الأكبر للحكومة الإيرانية، وربما أداة ضغط أكثر فاعلية من الخيار العسكري.
هنا تكمن المفارقة: واشنطن ربما أدركت أن الاقتصاد، لا الصواريخ، هو ساحة المعركة الحقيقية. فإيران تحتاج اليوم إلى إصلاحات داخلية عميقة تبدأ بإصلاح النظام المصرفي المتهالك، ومعالجة القروض المتعثرة، وتعزيز الشفافية. كما أن تقليل الاعتماد على النفط بات ضرورة وجودية، عبر تنويع مصادر الدخل في الصناعة والزراعة والسياحة، وهي قطاعات قادرة على خلق وظائف وتخفيف الضغط الاجتماعي.
كذلك، لا يمكن السيطرة على التضخم دون سياسات نقدية ومالية صارمة، تشمل استقلالاً حقيقياً للبنك المركزي، وضبط عرض النقود، وإصلاح نظام سعر الصرف الذي يعاني من ازدواجية قاتلة بين السوق الرسمية والموازية. أما دعم الطاقة، فقد أثبت بصيغته الحالية أنه يستنزف المالية العامة، ويحتاج إلى إعادة توجيه ذكية تحمي الفئات الأضعف دون تشويه الأسعار.
في البعد الخارجي، تظل الدبلوماسية الاقتصادية خياراً لا غنى عنه. فإحياء الاتفاق النووي، أو على الأقل فتح قنوات تواصل مع الغرب، قد يخفف من وطأة العقوبات. كما أن تعزيز العلاقات مع دول الجوار، والانخراط في أطر اقتصادية إقليمية، يمكن أن يفتح نوافذ محدودة لكنها مهمة للتنفس الاقتصادي.
التحدي الأكبر، مع ذلك، يبقى سياسياً داخلياً. فالإصلاحات الحقيقية تصطدم بمصالح شبكات مستفيدة من الوضع القائم، وبثقافة إدارة الأزمات بالحلول المؤقتة لا بالمعالجات الجذرية. كما أن الثقة الدولية المفقودة لا تُستعاد بقرارات إعلامية، بل بسلوك اقتصادي وسياسي متراكم.
في الخلاصة، لم يكن تراجع واشنطن عن الضربة العسكرية تعبيراً عن ضعف، بقدر ما كان اعترافاً بأن الحرب مع إيران، إن اندلعت، ستكون بلا أفق واضح. وفي المقابل، فإن أمام إيران فرصة تاريخية، وإن كانت ضيقة، لتحويل الضغوط إلى مدخل لإصلاح اقتصادي حقيقي. لا حلول سحرية هنا، بل خيارات صعبة تتطلب شجاعة سياسية وتحمّلاً اجتماعياً مؤقتاً، أو استمرار الدوران في حلقة الأزمات… إلى إشعار آخر
الرابحون والخاسرون من مذكرة التفاهم الأمريكية–الإيرانية
الاثنين ٢٩/يونيو/٢٠٢٦ ١٢:٤٠ م
من يعيد رسم خريطة الشرق الأوسط؟
إذا كُتب لمذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران أن تدخل حيز التنفيذ، فإنها لن تكون مجرد اتفاق ثنائي، بل محطة قد تعيد تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط لعقود مقبلة. فمثل هذه التفاهمات لا تُقاس فقط بما تتضمنه من بنود نووية أو اقتصادية، وإنما بما تُحدثه من تحولات في الأمن الإقليمي، وأسواق الطاقة، والتحالفات الدولية.
إيران… الرابح الأكبر
تبدو إيران، وفق بنود الاتفاق المقترحة، المستفيد الأكبر على المستويين الاقتصادي والاستراتيجي. فمن الناحية الاقتصادية، يعني رفع العقوبات النفطية والمصرفية والإفراج عن الأصول المجمدة وتوفير تمويل بمبلغ 300 مليار دولار لإعادة الإعمار تدفقاً مالياً ضخماً يعيد تنشيط الاقتصاد الإيراني بعد سنوات طويلة من الضغوط.” ليس واضحا لحد الان من اين سيأتي هذا المبلغ الهائل “
أما سياسياً، فإن الاتفاق يمنح طهران اعترافاً عملياً بدورها الإقليمي، مع احتفاظها ببرنامج نووي مدني يخضع للرقابة الدولية، وهو ما يكرسها لاعباً رئيسياً في معادلات أمن الخليج، ويقلل في الوقت ذاته من احتمالات المواجهة العسكرية المباشرة مع الولايات المتحدة.
الولايات المتحدة… مكسب استراتيجي طويل الأمد
في المقابل، تحقق واشنطن هدفاً استراتيجياً طال انتظاره، يتمثل في احتواء الملف النووي الإيراني عبر آليات رقابة دولية بدلاً من المواجهة العسكرية المستمرة.كما يتيح المجال للشركات الامريكية من الاستفادة من السوق الإيرانية الكبيرة.
كما يتيح الاتفاق للإدارة الأمريكية تقليص انخراطها العسكري في الشرق الأوسط، والتفرغ لأولوياتها الكبرى المتمثلة في المنافسة مع الصين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، ومع روسيا في أوروبا، وهو تحول يتماشى مع الاستراتيجية الأمريكية خلال السنوات الأخيرة.
دول الخليج… فرصة للاستقرار
أما دول الخليج، فإن مكاسبها تعتمد على نجاح الاتفاق واستمراره. فإذا التزمت الأطراف بخفض التصعيد، فإن المنطقة ستشهد تراجعاً في الحروب بالوكالة والهجمات على المنشآت الحيوية وطرق الملاحة، وهو ما يوفر بيئة أكثر استقراراً للمشروعات التنموية الكبرى، مثل رؤية السعودية 2030 ورؤية عُمان 2040، إضافة إلى تعزيز أمن الملاحة في الخليج ومضيق هرمز واستقرار أسواق الطاقة. وربما تشهد ايران سباقا بين الدول الغربية وغيرها للتقرب من ايران وكسب ودها.
في المقابل، قد تواجه الجماعات المسلحة المرتبطة بما يُعرف بمحور المقاومة تحدياً كبيراً، إذ إن أي اتفاق يفرض وقف العمليات العسكرية والتدخلات الإقليمية سيؤدي إلى تراجع دورها العسكري.
الرابحون والخاسرون من مذكرة التفاهم الأمريكية – الإيرانية (1)
الأربعاء ٠١/يوليو/٢٠٢٦ ١٦:١٦ م
من يعيد رسم خريطة الشرق الأوسط؟
إذا كُتب لمذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران أن تدخل حيز التنفيذ، فإنها لن تكون مجرد اتفاق ثنائي، بل محطة قد تعيد تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط لعقود مقبلة. فمثل هذه التفاهمات لا تُقاس فقط بما تتضمنه من بنود نووية أو اقتصادية، وإنما بما تُحدثه من تحولات في الأمن الإقليمي، وأسواق الطاقة، والتحالفات الدولية.
إيران… الرابح الأكبر
تبدو إيران، وفق بنود الاتفاق المقترحة، المستفيد الأكبر على المستويين الاقتصادي والاستراتيجي. فمن الناحية الاقتصادية، يعني رفع العقوبات النفطية والمصرفية والإفراج عن الأصول المجمدة وتوفير تمويل بمبلغ 300 مليار دولار لإعادة الإعمار تدفقاً مالياً ضخماً يعيد تنشيط الاقتصاد الإيراني بعد سنوات طويلة من الضغوط.” ليس واضحا لحد الان من اين سيأتي هذا المبلغ الهائل “
أما سياسياً، فإن الاتفاق يمنح طهران اعترافاً عملياً بدورها الإقليمي، مع احتفاظها ببرنامج نووي مدني يخضع للرقابة الدولية، وهو ما يكرسها لاعباً رئيسياً في معادلات أمن الخليج، ويقلل في الوقت ذاته من احتمالات المواجهة العسكرية المباشرة مع الولايات المتحدة.
الولايات المتحدة… مكسب استراتيجي طويل الأمد
في المقابل، تحقق واشنطن هدفاً استراتيجياً طال انتظاره، يتمثل في احتواء الملف النووي الإيراني عبر آليات رقابة دولية بدلاً من المواجهة العسكرية المستمرة.كما يتيح المجال للشركات الامريكية من الاستفادة من السوق الإيرانية الكبيرة.
كما يتيح الاتفاق للإدارة الأمريكية تقليص انخراطها العسكري في الشرق الأوسط، والتفرغ لأولوياتها الكبرى المتمثلة في المنافسة مع الصين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، ومع روسيا في أوروبا، وهو تحول يتماشى مع الاستراتيجية الأمريكية خلال السنوات الأخيرة.
دول الخليج… فرصة للاستقرار
أما دول الخليج، فإن مكاسبها تعتمد على نجاح الاتفاق واستمراره. فإذا التزمت الأطراف بخفض التصعيد، فإن المنطقة ستشهد تراجعاً في الحروب بالوكالة والهجمات على المنشآت الحيوية وطرق الملاحة، وهو ما يوفر بيئة أكثر استقراراً للمشروعات التنموية الكبرى، مثل رؤية السعودية 2030 ورؤية عُمان 2040، إضافة إلى تعزيز أمن الملاحة في الخليج ومضيق هرمز واستقرار أسواق الطاقة. وربما تشهد ايران سباقا بين الدول الغربية وغيرها للتقرب من ايران وكسب ودها.
في المقابل، قد تواجه الجماعات المسلحة المرتبطة بما يُعرف بمحور المقاومة تحدياً كبيراً، إذ إن أي اتفاق يفرض وقف العمليات العسكرية والتدخلات الإقليمية سيؤدي إلى تراجع دورها العسكري، ويدفعها تدريجياً نحو العمل السياسي المحلي بدلاً من النشاط العابر للحدود، مع انخفاض الحاجة إلى التمويل العسكري مقارنة بمشروعات التنمية وإعادة الإعمار.
كما قد تمثل عودة إيران إلى الاقتصاد العالمي خسارة غير مباشرة لروسيا. فزيادة صادرات النفط الإيرانية قد تضيف كميات جديدة إلى الأسواق العالمية، بما يضغط على الأسعار ويؤثر في إيرادات موسكو النفطية، فضلاً عن احتمال تراجع اعتماد طهران على شراكتها الاستراتيجية مع روسيا إذا تحسنت علاقاتها مع الغرب.
إسرائيل… الخاسر الأكبر
تبقى إسرائيل الطرف الأكثر تضرراً من أي اتفاق يمنح إيران شرعية دولية للاحتفاظ ببرنامج نووي مدني تحت الرقابة. فمن منظورها الأمني، لطالما قامت استراتيجيتها على منع أي قوة إقليمية من امتلاك قدرات نووية متقدمة، حتى وإن كانت لأغراض سلمية.او قوى صاروخية بالستية قادرة على قصف اسرائيل.
كما أن التزام الولايات المتحدة بالحلول الدبلوماسية سيقيد إلى حد كبير خيار العمل العسكري الإسرائيلي ، ويجعل أي تحرك منفرد أكثر كلفة سياسياً ودبلوماسياً. وإلى جانب ذلك، فإن رفع العقوبات قد يتيح لإيران تعزيز قدراتها الاقتصادية والتكنولوجية، بما يعيد تشكيل ميزان القوى الإقليمي ويزيد من تعقيد البيئة الاستراتيجية التي تواجهها إسرائيل.
المشهد الجديد
إذا تحقق هذا الاتفاق، فإن الشرق الأوسط قد ينتقل تدريجياً من مرحلة الصراع المفتوح إلى مرحلة التنافس الاقتصادي والجيوسياسي، حيث تصبح الاستثمارات والممرات التجارية والطاقة أدوات النفوذ الأساسية بدلاً من المواجهات العسكرية المباشرة.
لكن نجاح هذا التحول سيظل مرهوناً بقدرة الأطراف على الالتزام ببنود الاتفاق، وبمدى استعداد القوى الإقليمية والدولية لتغليب المصالح الاقتصادية على حساب الصراعات التقليدية التي هيمنت على المنطقة طوال العقود الماضية
أنيث مدارس الذكور..بين الإكراهات التخطيطية والخصوصية الاجتماعية
الأحد ١٢/يوليو/٢٠٢٦ ١٨:١٨ م
أثار قرار وزارة التربية والتعليم بتعيين معلمات في مدارس الطلبة الذكور (خاصة في المراحل التعليمية المبكرة أو الأساسية) موجة واسعة من الجدل في الأوساط المجتمعية والتربوية.
فبينما يرى البعض في الخطوة حلاً عملياً لأزمات قائمة، ينظر إليها آخرون بكثير من التحفظ والتوجس، نظراً لطبيعة البيئات المحافظة التي تنشد دائماً الموازنة بين متطلبات التحديث والحفاظ على الهوية والقيم الاجتماعية.
الأبعاد التربوية والاجتماعية والإيجابيات والسلبيات:
في البيئات المحافظة، تكتسب هذه الخطوة أبعاداً حساسة؛ حيث تبرز في جانب الإيجابيات قدرة المعلمات العالية على التعامل النفسي والتربوي مع الأطفال في السنين الأولى من الدراسة (الحلقة الأولى). فالمرأة، بطبيعتها وفطرتها، تمتلك صبرًا وقدرة أكبر على احتواء الطلاب الصغار وتيسير مرحلة انتقالهم من البيئة المنزلية إلى البيئة المدرسية، وهو ما ينعكس إيجاباً على التحصيل العلمي والسلوك النفسي للطفل.
في المقابل، تتلخص السلبيات والمخاوف المجتمعية في انعكاسات هذا القرار عند تطبيقه على فئات عمرية أكبر (بداية المراهقة)، حيث يرى التربويون أن الطلاب الذكور في هذه المرحلة يحتاجون إلى القدوة الرجالية والتعامل الحازم الذي يتوافق مع طبيعتهم السلوكية.
فضلاً عن ذلك، فإن غياب الفصل التقليدي في بيئة محافظة قد يخلق حرجاً اجتماعيًا لدى أولياء الأمور والمعلمات أنفسهن، ويولد ضغوطاً إضافية في ضبط البيئة الصفية.
أزمة “الفائض” وسوء التخطيط التعليمي:خلف هذا الجدل الاجتماعي، تكمن حقيقة اقتصادية وتخطيطية لا يمكن إغفالها؛ فالكثير من المراقبين يربطون هذا القرار مباشرة بوجود فائض كبير من الخريجات المعلمات، يعود سببه إلى محدودية مدارس البنات وعدم قدرتها على استيعاب الأعداد المتزايدة سنوياً. وهنا يثور تساؤل جوهري حول كفاءة التخطيط الاستراتيجي ومواءمة مخرجات التعليم مع حاجة السوق الفعلية.
يطرح الشارع تساؤلاً مشروعاً: ألم يكن من الأنسب للوزارة والجهات المعنية بالتخطيط وضع كوابح أو سياسات توجيهية منذ البداية؟
إن السماح بفتح باب القبول على مصراعيه في كليات إعداد المعلمين والمعلمات، دون النظر إلى السعة الاستيعابية لمدارس الإناث مستقبلاً، يمثل هدراً للموارد البشرية والمالية. وكان الأجدر بالسياسات التعليمية تنويع المسارات الأكاديمية والمهنية للنساء، وعدم تشجيعهن على الانخراط الكثيف في قطاع التدريس ما دامت المؤشرات الرقمية تؤكد مسبقاً أن السوق سيصل إلى حالة التشبع، مما يضطر الوزارة لاحقاً إلى ابتكار حلول التفافية مثل “تأنيث مدارس الذكور” لمعالجة أزمة التوظيف.
نحو رؤية تكاملية لحل الأزمة
إن علاج هذه المعضلة يتطلب تجاوز الحلول المؤقتة التي تصطدم بالبنية الاجتماعية، والذهاب مباشرة نحو إصلاح منبع المشكلة عبر خطوات حاسمة: إعادة صياغة سياسات القبول: تقنين أعداد المقبولين في كليات التربية وفقاً للحاجة الفعلية التفصيلية لكل جنس وكل تخصص لسنوات قادمة. تنويع المسارات المهنية: توجيه الطاقات النسائية نحو تخصصات حديثة ومتجددة يتطلبها الاقتصاد الوطني (مثل التقنية، والابتكار، والإدارة المالية، واللوجستيات) بدلاً من حصر خياراتهن في قطاع التدريس.
مراعاة التدرج السني: في حال الاضطرار للاستعانة بالمعلمات في مدارس الذكور، يجب حصر ذلك بدقة في الصفوف الدنيا (التمهيدي والحلقة الأولى) لتفادي الصدامات التربوية والاجتماعية في الصفوف الأعلى.
إن المواءمة بين تطلعات المرأة في العمل والمساهمة التنموية، وبين الحفاظ على استقرار البيئة التعليمية وخصوصيتها، يتطلب تخطيطاً مرناً يستشرف المستقبل، حتى لا يظل نظامنا التعليمي يدير الأزمات بردود أفعالٍ يدفع ثمنها الطالب والمعلم والمجتمع على حد سواء.
السيد بدر وأوهام الاحتواء وأمن الخليج: مسقط تقول ما يجب أن يُقال
الأربعاء ١٥/يوليو/٢٠٢٦ ٢٣:٣٣ م
هناك مقالات تُقرأ ثم تُنسى، وهناك مقالات تتحول إلى وثائق سياسية تكشف كيف ترى الدول العالم من حولها. ومن هذا النوع جاء مقال معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي، وزير الخارجية العُماني، الذي نشرته صحيفة لوموند الفرنسية في 14 يوليو 2026، بعد أسابيع من التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإيران، وهو التصعيد الذي حاولت سلطنة عُمان، حتى اللحظات الأخيرة، أن تمنع انزلاق المنطقة إليه.
أهمية المقال لا تكمن في توقيته فحسب، بل في لغته أيضاً. فمن يعرف الدبلوماسية العُمانية يدرك أنها نادراً ما تستخدم خطاباً مباشراً أو تصدر أحكاماً حادة. لكن هذه المرة تحدثت مسقط بوضوح لافت، وكأنها تقول إن ما جرى لم يعد يحتمل المجاملات الدبلوماسية، وإن الوقت قد حان لتسمية الأشياء بأسمائها.
فالرسالة الأولى في المقال أن الحرب لم تكن قدراً، بل كانت نتيجة فشل سياسي دولي متراكم، حيث تُركت أزمات المنطقة تتفاقم، وتم التعامل مع جذورها باعتبارها ملفات قابلة للتأجيل، بينما جرى الاكتفاء بإدارة الأعراض لا معالجة الأسباب. ومن هنا جاء توصيف سياسة “الاحتواء” بأنها وهم؛ إذ لم تحقق استقراراً دائماً، بل كرّست أزمات مؤجلة تنفجر بصورة أعنف كلما تأخر الحل، في ظل تجاهل الحقوق المشروعة والاعتماد المفرط على موازين القوة العسكرية.
وفي قضية أمن الخليج، يقدم المقال رؤية مختلفة عن الخطاب الأمني السائد في كثير من العواصم الغربية. فبينما يربط البعض أمن الملاحة بزيادة الأساطيل العسكرية وتوسيع التحالفات الدولية، ترى سلطنة عُمان أن الأمن الحقيقي يبدأ من الإقليم نفسه، وأن الممرات البحرية لا يمكن حمايتها بصورة مستدامة إذا بقيت الدول المطلة عليها خارج معادلة الأمن.
وهنا تبرز الفلسفة السياسية العُمانية في أوضح صورها: الجغرافيا ليست خياراً سياسياً يمكن تغييره، وإنما حقيقة استراتيجية يجب البناء عليها. إيران ستظل على الضفة الأخرى من الخليج، تماماً كما ستظل دول مجلس التعاون على هذه الضفة، ولذلك فإن الأمن المستدام لا يُبنى ضد الجيران، بل معهم. أما التحالفات العسكرية الخارجية، مهما بلغت قوتها، فهي بطبيعتها متغيرة، تخضع لتبدل المصالح والانتخابات وتغير الإدارات، بينما تبقى الجغرافيا والتاريخ أكثر ثباتاً من جميع التحالفات.
ولعل أكثر ما يميز مقال السيد بدر هو شجاعته في تحديد مصدر الخطر الحقيقي على أمن الخليج. فلم يلجأ إلى اللغة الدبلوماسية التقليدية التي تتحدث عن “التوترات الإقليمية” بصورة عامة، بل أشار بوضوح إلى أن كثيراً من التهديدات التي تواجه الخليج تنبع من قرارات تُتخذ خارج حدوده، وتحديداً في تل أبيب. وهذا ليس انحيازاً سياسياً بقدر ما هو توصيف لواقع أثبتته السنوات الأخيرة؛ فكلما اتسعت دائرة المواجهة الإسرائيلية في المنطقة، ارتفعت احتمالات انزلاق الخليج إلى أزمات لم يكن طرفاً فيها.
إن هذه الرسالة تعكس تحولاً مهماً في التفكير الاستراتيجي العُماني. فدول الخليج لم تعد تنظر إلى الأمن باعتباره قضية عسكرية فحسب، بل باعتباره شرطاً لازماً للتنمية. فالمليارات التي استثمرت في التنويع الاقتصادي، والموانئ، والمناطق الحرة، والطاقة النظيفة، والسياحة، يمكن أن تتعرض للاهتزاز بسبب قرار عسكري يتخذ على بعد مئات الكيلومترات من الخليج، لكنه ينعكس فوراً على أسواق الطاقة، وحركة الملاحة، وثقة المستثمرين، وكلفة التأمين، واستقرار الاقتصاد العالمي.
ولذلك، فإن الرسالة التي أرادت مسقط إيصالها تتجاوز الأزمة الحالية، لتؤكد أن الأمن لا يُستورد من الخارج ولا يُفرض بالقوة، بل يُبنى عبر معالجة جذور الصراع، وإنهاء الاحتلال، وإقامة منظومة إقليمية قائمة على الحوار والمصالح المشتركة. لقد قالت مسقط، بوضوح غير مسبوق، إن أوهام الاحتواء قد سقطت، وإن الاستمرار في إدارة الأزمات بالأدوات القديمة لن ينتج سوى دورات جديدة من التصعيد، يدفع ثمنها الجميع دون استثناء
لغز الأجور والإنتاجية: الموازنة الحرجة في الاقتصاد العماني
الاثنين ٢٠/يوليو/٢٠٢٦ ١٩:٢٥ م
بين فترة وأخرى، يطفو على السطح نقاش مجتمعي واقتصادي محتدم حول الأجور؛ إذ ينادي فريق بضرورة رفع الرواتب لمواكبة التضخم وغلاء المعيشة المستمر، مدفوعاً بنظرية أن زيادة الدخل ترفع القوة الشرائية وتنعش الأسواق المحلية. هذا المنطق يبدو مثالياً في الاقتصادات الإنتاجية والمصنّعة التي تصدّر أكثر مما تستورد.
أما في الاقتصادات التي تعتمد على الاستيراد وتواجه عجزاً في ميزانها التجاري، فإن ضخ الأموال دون إنتاجية موازية يتحول سريعاً إلى استنزاف للموارد وفخ للتضخم المنفلت، مما يفقد العملة الوطنية قيمتها الشرائية كما تؤدي إلى تسريح الموظفين.
على المقلب الآخر، يرى المحللون الاقتصاديون أن أي زيادة في الأجور لا تقابلها طفرة في الإنتاجية تؤدي إلى نتائج عكسية وخيمة. فالقطاع الخاص، الذي يُراد له أن يكون المحرك الأساسي للتشغيل، لا يزال في الجزء الاكبر منه قطاعاً خدمياً يعتمد على السوق المحلي. ورفع تكلفة العمل دون جدوى إنتاجية حقيقية يرفع التضخم ويقلص القدرة التنافسية للاقتصاد العماني، ويضعف جاذبيته للاستثمارات الأجنبية المباشرة، بل وقد يدفع الشركات إلى تقليل من اعداد الموظفين، اي تسريحهم وتخفض التكاليف.
وتشير بعض الدراسات إلى ان زيادة الأجور بنسبة 10% دون تحسن في الإنتاجية قد تدفع قطاع الأعمال إلى الاستغناء عما يتراوح بين 3% إلى 5% من القوة العاملة، والاعتماد على التقنيات المتطورة كبديل.
إن قضية الأجور ترتبط بـ “مثلث حرج” تشكل الإنتاجية والأسعار ضلعيه، بينما تقف الأجور على قاعدته. ولا يمكن حصر مفهوم الأجر في تلبية متطلبات الغلاء فقط، بل هو منظومة دائرية تتأثر بأربعة عناصر متشابكة: النمو، الإنتاجية، الأسعار، والتنافسية.
تاريخياً، واجه الاقتصاد العماني هذا التحدي بشكل ملموس؛ إذ تضاعف بند الرواتب الإجمالية في الجهاز الإداري للدولة بشكل قياسي من 2.5 مليار ريال عماني في عام 2010 ليصل إلى حوالي 6.1 بليون ريال عماني في عام 2017، مما جعل الرواتب عبئاً ثقيلاً على الخزينة العامة، واضطرت الدولة في تلك الفترة إلى الاقتراض لتمويل هذا البند الاستهلاكي، وهو مسار محفوف بالخاطر لأي اقتصاد يسعى للاستدامة. هذا الترهل جاء نتيجة تضخم التوظيف الحكومي بمعدلات تفوق الحاجة الفعلية وغياب آليات قياس الأداء الحقيقي، ليصبح “الأمن الوظيفي” في بعض الأحيان مرادفاً لتدني الإنتاجية وغياب مبدأ الثواب والعقاب.
إن مستويات الرواتب ينبغي أن ترتبط طردياً بالمهارات، والمؤهلات، والإنتاجية الفعلية للعامل، وليس بمجرد سجلات الحضور والانصراف. ولعل نقطة البدء الحقيقية لإصلاح هيكل الأجور وتلبية تطلع
فخ “إدمان الاستشارات”.. هل تتحول مؤسساتنا إلى مكاتب تنسيق؟
الثلاثاء ٢١/يوليو/٢٠٢٦ ١٩:٠٥ م
فتحت الأكاديمية العُمانية المختصة في الدراسات والتميز المؤسسي، الدكتورة رحمة البلوشية، قبل ايام قليلة فترة، نافذة لنقاش إداري وتنموي بالغ الأهمية والحساسية، وذلك في مقالها الرصين المعنون بـ: “هل ستتحول المؤسسات إلىمكاتب تنسيق للشركات الاستشارية؟ قراءة في آثارالاعتماد المفرط على عقودالاستشارات والخدمات”. هذا الطرح لم يكن مجرد قراءة عابرة في المشهد الإداري، بل مثل صيحة تحذير عقلانية تضع الإصبع على جرح غائر في جسد الكثير من مؤسساتنا الحديثة -سواء في القطاع الحكومي أو الخاص- التي انقادت وراء إغراء الاستعانة المفرطة بالشركات الاستشارية وبيوت الخبرة الخارجية.
ولئن كانت الاستعانة بالخبير الخارجي ممارسة مشروعة، بل وضرورية في بعض المحطات الاستثنائية لنقل المعرفة وتجاوز العقبات التخصصية، إلا أن الإشكالية الخطيرة – كما تفضلت الدكتورة – تكمن في تحول هذا “الدواء المؤقت” إلى “نمط تشغيلي دائم”، يعيد صياغة هوية المؤسسات ووظيفتها الجوهرية. إن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل نحن أمام مؤسسات تصنع المعرفة والحلول، أم أننا بصدد تحويل مؤسساتنا إلى مجرد “مكاتب تنسيق” وسكرتارية تنفيذية تدير عقود الشركات الاستشارية؟
تآكل الذاكرة التنظيمية وفرص التعلم
إن القيمة الحقيقية لأي مؤسسة لا تُقاس بحجم الميزانيات التي تنفقها، ولا بعدد التقارير الأنيقة والمزينة بالرسوم البيانية التي تتسلمها من الشركات الاستشارية، بل تُقاس بقيمتها المعرفية وقدرتها على توليد الحلول من داخل هياكلها التنظيمية.
وكما حذرت الدكتورة رحمة البلوشي في مقالها، فإن إسناد الأعمال الجوهرية والخطط التشغيلية إلى أطراف خارجية بشكل مستمر، يؤدي حتماً إلى “تآكل الذاكرة التنظيمية” تدريجياً. إن الموظف الداخلي يُحرم هنا من أهم أدوات التطور المهني وهي “التعلم بالممارسة” bm{Learning} bm{by} bm{doing}). وبمرور الوقت، يتحول الكادر الوطني من مبدع، وصانع سياسات، ومبتكر للحلول، إلى مجرد مراقب عقد (Contract Manager) تنحصر مسؤوليته في متابعة التزام الشركة الاستشارية ببنود الاتفاقية ومواعيد التسليم.
الاغتراب الوظيفي وضبابية الصلاحيات
لا تقف آثار هذا الاعتماد المفرط عند الجانب المعرفي والمالي فحسب، بل تمتد لتضرب البيئة الاجتماعية والنفسية داخل المؤسسة. وفي هذا السياق، تضيء الكاتبة على نقطة بالغة الحساسية، وهي حالة “تداخل الصلاحيات وضبابية المسؤوليات” التي تنشأ عندما يمارس متعاقدون مؤقتون أدواراً تشغيلية أو إشرافية داخل بيئة العمل.
عندما يجد الموظف الثابت والمثابر نفسه يتلقى التوجيهات أو الإشراف من أفراد لا ينتمون إلى الهيكل الوظيفي للمؤسسة، ولا يخضعون لمنظومة المحاسبة والمساءلة الإدارية ذاتها، ينشأ نوع من الاغتراب الوظيفي. هذا الوضع يضعف الإحساس بالاستقرار، ويزعزع الولاء المؤسسي، ويخلق بيئة عمل رمادية تتوزع فيها المسؤوليات وتضيع فيها خطوط المحاسبة عند حدوث أي إخفاق.
قلب المنطق الاقتصادي للاستشارة
تسوق العقود الاستشارية دائماً على أنها “استثمار طويل الأجل في الجودة والكفاءة”. هذا المنطق يكون صحيحاً في حالة واحدة فقط: إذا غادرت الشركة الاستشارية المؤسسة وقد تركت وراءها كادراً بشرياً قادراً على إدارة العمل بنفس الكفاءة دون حاجة إليها مستقبلاً.
أما عندما تتحول هذه العقود إلى بنود ثابتة وتكاليف تشغيلية متكررة تجدد تلقائياً مع كل مشروع جديد، فإننا نكون أمام تبديد مالي وفشل إداري. تصبح المؤسسة رهينة للاستشاري؛ فانتهاء العقد يعني حرفياً خروج المعرفة والخبرة من الباب الخلفي، لتبدأ المؤسسة رحلة البحث عن استشاري آخر ليفك شفرات ما بناه الاستشاري الأول، بدلاً من تقليص الحاجة إليهم.
بوصلة التنمية الوطنية ورؤية عُمان 2040
لقد كان ربط الدكتورة رحمة لهذا التحدي الإداري بأولويات التنمية الوطنية ربطاً ذكياً وموفقاً؛ فرؤية عُمان 2040 تؤكد في جوهرها على “بناء القدرات الوطنية، وتوطين المعرفة، وتطوير رأس المال البشري” كركائز أساسية لاقتصاد المعرفة والابتكار.
إن شراء المعرفة والحلول الجاهزة من السوق دون اشتراطات حازمة لنقل المعرفة (bm{Knowledge} bm{Transfer}) هو استنزاف للموارد وتأجيل مستمر لتمكين الكفاءات الوطنية. الاستشاري الناجح ليس من يجعل نفسه عنصراً لا يمكن الاستغناء عنه، بل هو – كما لخصت الكاتبة بدقة- من يغادر المؤسسة وقد نقل خبرته وأدواته، وجعل المؤسسة أكثر قدرة على الاستغناء عنه في المستقبل.
خاتمة وتوصيات: نحو حوكمة رصينة للاستشارات
إن تفكيك فخ “إدمان الاستشارات” الذي حذر منه مقال الدكتورة رحمة البلوشية لا يعني إعلان الحرب على الشركات الاستشارية أو إلغاء أدوارها بالكامل، بل يعني إعادة تعريف دور الاستشاري وضبط حوكمته ليكون شريكاً في بناء القدرات لا بديلاً عنها. ولتحقيق ذلك، يجب على المؤسسات تبني استراتيجية واضحة تقوم على:
الزامية نقل المعرفة: ألا يُغلق أو يُسدد أي عقد استشاري مالم يتضمن مؤشرات أداء قياسية (bm{KPIs}) تثبت تدريب وتمكين فريق وطني موازٍ داخل المؤسسة على الأدوات والمنهجيات المستخدمة.
حظر إسناد الأعمال السيادية: إبقاء المهام الإدارية الجوهرية، والوظائف الفكرية، وصناعة القرارات الاستراتيجية في يد الكوادر الداخلية، وحصر الاستشارات في القضايا الفنية التخصصية جداً.
إعادة توجيه الإنفاق: توجيه جزء من ميزانيات الاستشارات الضخمة نحو برامج التدريب المتقدمة والتطوير المهني والنوعي للموظفين الدائمين.
إن بناء مؤسسات قوية ومستدامة لا يتحقق برصّ العقود الاستشارية الفاخرة على الرفوف، بل بتراكم الخبرات داخل عقول وسواعد أبنائها. ونختم بما ختمت به الدكتورة مقالها الملهم، بأن: “بناء القدرات الوطنية يبدأ من بناء وتمكين قدرات المؤسسة نفسها”.
بين المطرقة والسندان: الدروس الاستراتيجية التي لا مفر منها لدول الخليج
الثلاثاء ٢٨/يوليو/٢٠٢٦ ٢١:٢٠ م
تجد دول الخليج العربي نفسها اليوم في قلب معادلة جيوسياسية شديدة التوتر والتعقد؛ فهي تقع بين مطرقة إدارات أمريكية قد تندفع نحو التصعيد لحفظ نفوذها وتحمي مصالح اسرائيل وإعادة رسم قواعد اللعبة دون اعتبار كبير لتبعات التدمير الإقليمي، وبين سندان إيران التي تبدي استعداداً لاستخدام التهديد الشامل واستهداف البنى التحتية للمنطقة كأداة ردع وموازنة لأي خسائر تتعرض لها.
هذا الواقع الحرج يفرض على العواصم الخليجية وقفة مراجعة شاملة لتعريف “الأمن الوطني والإقليمي”، ويستوجب استخلاص دروس تاريخية لحماية مقدراتها واستقرارها المستقبلي.
هل تملك الخليج القدرة على إقناع واشنطن بوقف الحرب؟
تستطيع دول الخليج ممارسة ضغط دبلوماسي واقتصادي لا يُستهان به على واشنطن، من خلال:
الأوراق الاقتصادية وطاقة الأسواق: التذكير بأن استقرار أسواق الطاقة العالمية مرتبط أشد الارتباط بأمن منطقة الخليج.
الكلفة الجيوسياسية: إيقاف التمدد غير المحسوب للمواجهات المسلحة الذي يهدد المصالح الأمريكية الحيوية قبل غيرها.
ومع ذلك، يعلّمنا التاريخ القريب والبعيد أن المقاربة الأمريكية للأمن في الشرق الأوسط تخضع غالبًا لأولويات واشنطن الداخلية وسياساتها الحزبية؛ وهو ما يعني أن الركائز الدفاعية المعتمدة بالكامل على “الحماية الخارجية” تظل عرضة للتغيرات والتحولات السياسية المفاجئة.
جوهر الدروس: أبعاد الأمن المستدام
إذا كانت هذه الأزمة تعكس حقيقة كبرى، فهي أن الأمن الحقيقي يُبنى من داخل الإقليم ولا يُستورد من خارجه. ومن أبرز الدروس الاستراتيجية التي تفرض نفسها اليوم:
- الجغرافيا حقيقة أبدية وليس خيارًا سياسيًا
السياسات والتحالفات تتغير، لكن الحجم الجغرافي والجوار الجغرافي ثابتان.
حماية الممرات البحرية والتجارة المائية لا يمكن أن تكون مستدامة بوجود قوة بحرية أجنبية فقط، طالما أن الدول المطلة على هذه الممرات تُستثنى من المعادلة الأمنية أو تظل في حالة صراع دائم.
- الأمن يُبنى “مع” الجيران وليس “ضدهم”
أثبتت الأزمات المتعاقبة أن استراتيجيات الإبعاد أو المواجهة التصفوية تؤدي فقط إلى دورات متجددة من العنف.
التوصل إلى صيغة أمنية إقليمية جامعة (الإقليمية المشتركة) تضم كافة الأطراف المطلة على الخليج—وفق مبادئ احترام السيادة وعدم التدخل—هو السبيل الوحيد لخفض التصعيد وحماية البنى التحتية الحيوية.
- تنويع الشراكات وتحصين الجبهة الداخلية
الاعتماد على حليف أحادي لم يعد خيارًا آمنًا. الوعي الاستراتيجي المتزايد يفرض بناء علاقات متوازنة مع مختلف القوى الدولية (شرقًا وغربًا).
تعزيز القدرات الدفاعية الذاتية، والاستثمار في الأمن السيبراني، وتأمين سلاسل الإمداد والمياه والطاقة هي خطوط الدفاع الأولى ضد أي تهديد طارئ.
الخلاصة
إن الدرس الأكبر الذي يحتم على المنطقة استيعابه ليس فقط كيفية إدارة هذه الأزمة الحالية، بل كيفية الخروج من معادلة “الوكالة والوساطة الخارجية” إلى “الملكية الإقليمية للأمن”.
لن تكون الممرات البحرية آمنة، ولن تسلم المنشآت الحيوية من دمار الحروب، ما لم تدرك جميع أطراف المنطقة أن الاستقرار شباك واحد: إما أن ينعم به الجميع عبر الحوار والتفاهم، أو أن تلحق أضراره بالجميع دون استثناء.



تحوّل احتفال الجالية الهندية الذي أُقيم مؤخرًا في حديقة العامرات بمسقط إلى محور جدل واسع في السلطنة، بعدما انتشرت على منصات التواصل الاجتماعي مقاطع قيل عنها انها تُظهر طقوسًا هندوسية في الحديقة العامة.