
إلى الغارقين في أوهام القوة – السلام يمر عبر الحقوق لا الركام
السؤال الذي أطرحه هنا: ما الذي حققه هذا العدوان؟ الإجابة تأتي من داخل بيوت الصهاينة، ومن ألسنة قادتكم العسسكريين. يقول اللواء احتياط إسحاق بريك: “خسرنا أكثر من 2000 قتيل وعشرات الآلاف من الجرحى، ومئات المليارات، وخسرنا العالم أيضاً”
بصفتي كاتباً وإنساناً، لا يسعني إلا أن أشعر بالأسى لدموع الأمهات والزوجات والأطفال في مجتمعكم الذين فقدوا أحباءهم في هذه الحرب العبثية. لكن الحقيقة المرة التي يجب أن تدركوها هي أن دماء أبنائكم ليست ثمنًا للأمن، بل هي قربان قدمه نتنياهو وحكومته للبقاء في السلطة. هؤلاء هم المسؤولون الحقيقيون عن مأساتكم. إن مئات المليارات الضائعة قد يعوضها دافع الضرائب الأمريكي، لكن ما لا يمكن تعويضه هو خسارة العالم. لقد أصبحت إسرائيل اليوم معزولة أخلاقياً في نظر الشعوب المحبة للعدل.
يا دعاة الحرب! هل تظنون أن السلام يُبنى على إنكار حقوق الشعب الفلسطيني الأصيل؟ هل تعتقدون أن معارضة “حل الدولتين” ستجلب لكم الأمن؟ الحقيقة الراسخة هي أنه لن ينعم أحد بالسلام طالما بقي الفلسطيني محرومًا من أبسط حقوقه. وسيظل العنف هو اللغة السائدة في الشرق الأوسط ما لم تُحل القضية الفلسطينية جذرياً.
إلى المستوطنين الواهمين بنصر مؤقت، قد تنتصر القنابل في تدمير المباني، لكنها لا تهزم الشعوب. الفلسطينيون باقون، وسيعيدون بناء أنفسهم ومواصلة نضالهم من أجل الاستقلال كما يفعلون منذ عام 1948، عام النكبة.
إما اعتراف بالحقوق وحياة كريمة للجميع، أو استمرار في مقامرة دموية خاسرة لن تجني منها إسرائيل سوى مزيد من القتلى والعزلة الدولية.
ترامب وخططه ضد إيران
الخميس ١٩/فبراير/٢٠٢٦ ١٧:٢٨ م
سألني أحد إخواتي عن رأيي في المفاوضات النووية الجارية بين أمريكا وإيران، وعما إذا كانت أمريكا ستقصف إيران للمرة الثانية في المستقبل القريب. جوابي هو: في رأيي، إسرائيل، التي تُعد جزءًا لا يتجزأ من أمريكا، تريد من أمريكا:
أولاً: إنهاء النظام الإسلامي لأن وجوده يضمن استمرار القضية الفلسطينية ويمنع استسلام حركات المقاومة الفلسطينية واللبنانبة. بعبارة أخرى، بوجود إيران قوية، سيبقى محور المقاومة ويزداد قوة.
ثانياً: تدمير جميع القدرات الدفاعية الإيرانية، مثل مصانع الصواريخ والطائرات المسيرة، وغيرها من الصناعات التي تُغذي الاقتصاد الإيراني، ما يُعيد إيران إلى الوراء مئة عام.
لقد أبلغ ترامب إسرائيل أنه لا يستطيع القضاء على النظام، لكن أمريكا ستعمل على تدمير القدرات الدفاقية الإيرانية، وهو ما يدعي أنه أمر سهل بالنسبة لأمريكا.
المفاوضات النووية الحالية ليست سوى ذريعة لأمريكا لقصف إيران. ستدعي أن إيران ترفض الدخول في اتفاق، لذا فحن نقصفها الآن لإجبارها على التنازل عن مطالبها.
السؤال الصعب هو التنبؤ بالتدمير الكامل للقدرات الدفاعية الإيرانية، لأنني أشك أنها ستُعرض جميع قدراتها الدفاعية للهجوم. لذلك ستفشل أمريكا في خطتها الحربية القادمة، وفي رأئي، ستحقق 25% فقد من خطتها، وقد تدفع في المقابل 50% من خسائرها بسبب إسقاط إيران لطائراتها الهجومية والسفن التي تقلع منها.
هل ستغلق إيران مضيق هرمز؟ هل ستقصف جميع القواعد الأمريكية في غرب آسيا؟ هل ستشمل هجماتها إسرائيل؟ كله هذا وارد. لكن تأكدوا، العدوان الأمريكي حتمي، وستكون له عواقب وخيمة على المنطقة والعالم أجمع.
الشراكة بين المواطن والدولة .. قراءة في أرقام الصحة
السبت ٢١/فبراير/٢٠٢٦ ١٦:١٦ م
في قراءة متأنية لتقرير وزارة الصحة لعام 2024م المنشور في صحيفة “عمان ديلي أوبزرفر”، تتجلى أمامنا أرقام ليست مجرد إحصائيات جافة، بل هي دلالات تستوجب منا التقدير والتحليل العميق. إن قيام الدولة بضخ ما يقارب ملياراً وثلاثة ملايين ريال عُماني سنوياً لقطاع الصحة وحده، وهو ما يمثل 8.6% من إجمالي الميزانية العامة، يؤكد أن الاستثمار في “الإنسان العماني” يظل على رأس أولويات القيادة الحكيمة.
ولكي ندرك قيمة هذه الأرقام، علينا أن نستنطق الذاكرة، فأنا وممن عاصروا عُمان قبل عام 1970، ندرك تماماً ماذا يعني أن نعيش في وطن بلا مستشفيات، وبلا مدارس، وبلا طرق معبدة، أوحتى مياه شرب نقية تصل إلى البيوت. أتذكر جيداً تلك الأيام التي كان فيها الانتقال إلى “الداخلية” رحلة شاقة ومضنية تتم على ظهور الجمال، تستغرق أياماً وليالي تحت لهيب الشمس، بينما اليوم تقطعها السيارات في سويعات على طرق عالمية المواصفات.
لقد كان الحصول على “حبة دواء” أو “مقعد دراسي” حلماً بعيد المنال، بينما تتوفر اليوم منظومة صحية يديرها جيش أبيض قوامه 6117 طبيباً، و876 صيدلانياً، و32,200 ممرض وممرضة يعملون بتفانٍ في 50 مستشفى و215 مركزاً ومجمعاً صحياً موزعة في كل شبر من أرضنا الغالية. وهي أرقام تعكس حجم الجهد البشري واللوجستي الذي توفره الدولة لمواطنيها.
إن هذا التحول التاريخي من “العدم” إلى “الوفرة” لم يأت من فراغ، بل تطلب تضحيات وميزانيات هائلة. ومن هنا، يبرز تساؤل جوهري: إذا كانت وزارة واحدة تبذل كل هذا الجهد، فماذا عن بقية القطاعات الحيوية كالتعليم والأمن؟ إن التوجس من الضرائب – سواء كانت ضريبة القيمة المضافة أو الدخل – يتلاشى حين ندرك أنها أداة لضمان “ديمومة” هذه المنجزات. ففي دول العالم المتقدم، يساهم المواطن بضرائب متنوعة لضمان جودة حياته، ونحن في عمان لسنا بمعزل عن هذا النظام العالمي الذي يحمي المكتسبات الوطنية، بل إن بعض الدول تفرض ضرائب “خفية” كضريبة ترخيص التلفزيون.
إن الانتقال من مفهوم “الدولة الرعوية” إلى “دولة الشراكة” هو ضرورة تمليها متغيرات العصر. فالحكومة تدعم المواطن في كافة شؤون حياته، ومن واجب المواطن أن يدعمها بجزء يسير من دخله لضمان استمرار هذا الرخاء. نحن والحكومة كيان واحد بمسؤوليات مشتركة، فالدولة التي نقلتنا من “رحلة الجمل” إلى “عصر التكنولوجيا” و”الطب المتقدم” تستحق منا أن نكون شركاء في تحمل أمانة البناء.
ولكن هل نحن كمواطنين ندرك حجم هذه الخدمات؟ هل ندرك أن كل ريال يدخل خزينة الدولة هو استثمار في مستقبلنا ومستقبل أبنائنا؟ الإجابة تكمن في وعينا بأهمية المساهمة في بناء الوطن، وفي تقديرنا للجهود التي تبذلها الحكومة لخدمتنا.
إن الشراكة بين المواطن والدولة ليست مجرد شعار، بل هي واقع نعيشه. الوعي الحقيقي يبدأ حين ندرك أن كل مساهمة مالية نقدمها هي استثمار في مستقبلك ومستقبل أبنائك. لنكن شركاء حقيقيين في بناء عُمان، ممتنين لما تحقق، ومسؤولين عما سيأتي، لنحقق رؤية “عُمان 2040” بسواعدنا وعطائنا المتبادل.
إخفاق جديد لسياسة الرئيس ترامب
الخميس ٢٦/فبراير/٢٠٢٦ ١٣:١٦ م
منذ انسحابه الأحادي من الاتفاق النووي عام 2018، لا يزال نهج الرئيس ترامب تجاه إيران يثير الكثير من الجدل. وفي ظل التصعيد العسكري الأخير، نلمس تحولاً في دلالات التراجع الأمريكي وصعود لغة التفاوض، مما يطرح تساؤلاً جوهرياً عن الرابح الحقيقي من جولات الشد والجذب في مياه الخليج وبحرالعرب.
قد لا يتسنى للمراقبين العاديين للأحداث العالمية، ولا سيما تلك المتعلقة بصراعات الحرب والسلام، استقاء الأخبار مباشرة من مصادرها السيادية، فمن الصعب التواصل مع رئيس دولة لاستيضاح قراراته بشأن أزمة حشد لها ربع أسطوله البحري في بحر العرب، ونشر لأجلها عشرات الطائرات الشبحية بمواجهة إيران. ومع ذلك، يمكن للمراقب الحصيف استشفاف الحقيقة من خلال التصريحات الصادرة عن الدائرة الضيقة المحيطة بصناع القرار، وفي مقدمتهم نائب الرئيس.
لقد صرح نائب الرئيس “فانس” لقناة “فوكس نيوز” مؤخراً بأن الرئيس دونالد ترامب كان حازماً في موقفه بأن إيران لا يمكنها امتلاك سلاح نووي، مؤكداً أنه سيسعى لتحقيق هذا الهدف عبر المسار الدبلوماسي. فماذا يقرأ المرء خلف سطور هذا التصريح؟ إنه يعني بوضوح استبعاد خيار المواجهة العسكرية الشاملة، والتمهيد لدخول واشنطن وطهران في نفق المفاوضات لإنتاج اتفاقية جديدة في المستقبل القريب.
وفي سياق ذاته، يبدو أن الممثل الأمريكي في المباحثات غير مباشرة قد أذعن لأحد الشروط الإيرانية الجوهرية للعودة إلى طاولة المفاوضات، وهو تقديم ضمانات أمريكية بعدم الانسحاب من أي اتفاق مستقبلي، كما حدث في عام 2018. ووفقاً لموقع “أكسبوس”، أشار الممثل “ويتكوف” إلى أن أي اتفاق قادم يجب أن يكون “طويل الأمد”، مما يشير ضمنياً إلى التزام مشروط بديمومة الاتفاق.
لا شك أن هناك اعتبارات استراتيجية عديدة، قد لا تصب في مصلحة الولايات المتحدة، دفعت الرئيس ترامب للتراجع عن نبرة التهديد التي تبناها طوال الأسبوعين الماضيين حين كان يردد بأن “الحرب مع إيران باتت وشيكة”. ومن المرجح أن ذاك الحشد العسكري الضخم لم يكن سوى محاولة لـ”دبلوماسية الترهيب”، يهدف الضغط على القيادة الإيرانية وإرغامها على تقديم تنازلات تمس مبادئها الأساسية.
لكن يبدو أن ترامب أدرك أخيراً أن إيران لن تتنازل عن حقوقها السيادية تحت وطأة التهديد، وفي الوقت ذاته، وجد نفسه عاجزاً عن خوض مغامرة عسكرية يدرك جنرلات “البنتاغون” جيداً عواقبها الوخيمة. وهنا جاء دور “فانس” ليغلف هذا التراجع بغطاء سياسي، محاولاً تصوير عدم الهجوم كنجاح لترامب في كبح الطموح النووي الإيراني؟
بيد أن السؤال الجوهري يبقى: هل كانت إيران تسعى أصلاً لامتلاك السلاح النووي؟ الحقيقة التي أعلنته طهران مراراً وتكراراً هي أن عقيدتها السياسية والإنسانية ترفض امتلاك هذا السلاح الفتاك. لذا، فإن التساؤل الموجه للشعب الأمريكي وللمراقبين هو: هل نجح ترامب فعلياً في منع “خطر” غير موجود أصلاً، أم أنه يداري فشل استراتيجيته التي انتهجها منذ انسحابه الأحادي من الاتفاق النووي عام 2018؟
إننا ننتظر بنود الاتفاق الجديد، والتي أرجح أنها ستكون أكثر إنصافاً وفائدة لإيران من اتفاقية عام 2015، مما يثبت أن لغة الصمود هي التي تفرض شروطها في نهاية المطاف.
إغلاق مضيق هرمز: حقيقة أم حرب معلومات؟
الأحد ٠٨/مارس/٢٠٢٦ ١٧:٤٥ م
انتشرت في الأيام الأخيرة موجة من المعلومات المضللة عبر منصات التواصل الاجتماعي، تزعم أن إيران قامت بإغلاق مضيق هرمز، ودعمت هذه الادعاءات بصور لناقلات نفط متوقفة في عرض البحر، مع تداول تصريحات منسوبة لجنرالات إيرانيين توحي بحدوث صدام وشيك. لكن بالنظر إلى أرض الواقع، نجد أن هذا الأنباء عارية تماماً من الصحة.
الحقيقة التي لا تقبل التأويل هي أن مضيق هرمز مازال شرياناً مفتوحاً بالكامل، حيث تعبره سفن الشحن وناقلات النفط، لا سيما الإيرانية والصينية منها، بانتظام وعلى مدار الساعة. أما المشهد الذي يتم استغلاله لتضليل الرأي العام وهو تكدس الناقلات خارج المضيق، فلا يعود لوجود حواجز عسكرية، بل لتعقيدات قانونية ومالية مرتبطة بقطاع التأمين البحري.
المحرك الخفي للأزمة لفهم ما يحدث، يجب إدراك آلية عمل تأمين الشحن الدولي. عادة ما يؤمن مالك الناقلة سفينته لدى شركة تأمين محلية أو وسيط، واللذين بدورهم يعتمدان على شركات “إعادة تأمين” عالمية كبرى لتغطية المخاطر الضخمة. مؤخراً، اتخذت كبرى شركات إعادة التأمين العالمية قرارات حذرة، حيث رفضت تغطية الناقلات التي تعتزم دخول المضيق أو الخروج منه، معتبرة المنظقة “عالية المخاطر”. هذا القرار جعل بوالص التأمين الحالية لاغية مجرد اقتراب السفينة من الممر الملاحي، مما أجبر الربابنة على التوقف والانتظار تجنباً للمخاطر المالية الكارثية في حال وقوع أي حادث.
هذا الارتباك في قطاع التأمين لا يتوقف عند حدود المضيق، بل يمتد أثره لزلزلة الأسواق العالمية. فبمجرد إعلان شركات التأمين عن رفع يدها أو زيادة رسومها، ما يعرف بعلاوة مخاطر الحرب، تقفز أسعار النفط فوراً.
إن مجرد “الشائعة” بوجود عرقلة في المضيق كفيلة برفع سعر البرميل بعدة دولارات في ساعات قليلة. والسبب هو أن السوق يسعر “عدم اليقين”، فالمستثمرون يخشون من تعطل إمدادات تزيد عن 20% من استهلاك النفط العالمي. وبما أن الناقلات الصينية والإيرانية مستمرة في التدفق بفضل ترتيبات تأمين خاصة أو حكومية، فإن الارتفاع في الأسعار يخدم الأطراف المصدرة التي لا تزال سفنها قادرة على العبور، بينما تتحمل الدول المستوردة والمستهلك النهائي تبعات جشع شركات التأمين وحالة الذعر المفتعلة.
المفارقة هنا تكمن في أن إيران قد لا تحتاج إلى إطلاق رصاصة واحدة أو وضع لغم بحري لإغلاق المضيق، فشركات التأمين العالمية، مدفوعة بحسابات الربح والخسارة والحذر المفرط، تقوم بمهمة “الإغلاق الناعم” نيابة عن أي طرف سياسي.
بينما تظل السفن التي تمتلك غطاءً تأمينياً مستقلاً أو مدعوماً من حكوماتها قادرة على الحركة بحرية. يظل العالم أسيراً لقرارات غرف الاجتماعات في لندن ونيويورك. إن الأزمة الحالية ليست أزمة إرادة عسكرية، بل هي نتاج “تسييس المخاطر” وقلق أسواق المال العالمية التي تدفع الأسعار للتحليق بعيداً عن منطق العرض والطلب.
السودان.. أزمة إنسانية في مهبّ الصراع والجشع
الخميس ١٦/أبريل/٢٠٢٦ ١٢:٥٥ م
بعد مرور ثلاث سنوات على اندلاع الحرب، يواجه السودان اليوم أكبر أزمة إنسانية في العالم؛ إذ يحتاج 34 مليون شخص إلى مساعدات عاجلة، من بينهم ملايين يفتقرون للرعاية الصحية الأساسية. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل يعاني أكثر من 4 ملايين شخص من سوء التغذية الحاد، في ظل تعطل 37% من المرافق الصحية في البلاد.
تنتشر الأمراض والأوبئة، كالملا ريا والحصبة والكوليرا، بسرعة هائلة وسط تدهور الخدمات. وفي المقابل، لم تسلم المستشفيات من الاستهداف؛ فقد تم توثيق 217 هجوماً مسلحاً على مرافق صحية، مما أسفر عن آلاف الوفيات، سواء نتيجة انتشار الأوبئة أو بسبب الهجمات المباشرة. وتجد العائلات نفسها مُجبَرة على خوض رحلات طويلة ومحفوفة بالمخاطر، بحثاً عن بصيص أمل في العلاج.
من المسؤول عن هذا الوضع المأساوي؟ الإجابة واضحة ولا تحتاج إلى كثيرٍ من التحليل: فالمسؤولية تقع على عاتق ثلاثة أطراف رئيسية. أولاً وثانياً: الجنرال الحاكم والجنرال المعارض، وكلاهما يسعى للاستئثار بالحكم وثروات السودان. إنها ليست حرباً أهلية بالمعنى التقليدي كما يروّج البعض، بل هي «حرب جشع» بامتياز. أما الطرف الثالث: فهو القوى الخارجية التي تؤجج النيران، وتمدّ الأطراف المتحاربة بالمال والسلاح، بدلاً من السعي الجاد للصلح.
وهنا يبرز تساؤل مشروع: أين دور جامعة الدول العربية؟ هل وصلت المؤسسة العربية إلى مرحلة من الضعف تمنعها من فضّ نزاع بين جنرالين؟ ولماذا نرى غياباً تاماً للوساطات العربية الفاعلة لإنهاء هذه الحرب المدمرة؟
إن هذا الصراع لا يقوم على خلفيات طائفية أو إثنية، فكلا الجنرالين ينتميان إلى المرجعية ذاتها. إذن، لماذا كل هذه اللامبالاة تجاه دماء المسلمين ومقدراتهم؟ لعل أحداً من القراء يملك جواباً عمّا نعجز عن إدراكه.
التاريخ يُعيد نفسه: من ’حوار ميليان’ إلى سياسات القوة المعاصرة
الثلاثاء ٢١/أبريل/٢٠٢٦ ١١:١٦ ص
يقول الفيلسوف الإسباني جورج سانتايانا: “أولئك الذين لا يتذكرون الماضي محكوم عليهم بتكراره”. ويبدو أن المشهد السياسي العالمي اليوم يعيدنا قسراً إلى الوراء، وتحديداً إلى القرن الخامس قبل الميلاد، لنرى تشابهاً مذهلاً بين منطق القوة في اليونان القديمة وبين التوجهات التي تبناها الرئيس ترامب في إدارته.
منطق القوة: من أثينا إلى واشنطن
في كتابه “تاريخ الحرب البيلوبونيسية”، نقل لنا المؤرخ والقائد العسكري ثوسيديدس (Thucydides) تفاصيل “حوار ميليان” الشهير، حيث واجه الأثينيون سكان جزيرة ميلوس الضعيفة بمنطق مجرد من الأخلاق: “الأقوياء يفعلون ما في وسعهم، والضعفاء يتحمّلون ما يجب عليهم تحمّله”.
هذا المنطق التاريخي وجد صدىً واضحاً في لغة إدارة ترامب. ففي يناير، وعند الحديث عن التدخلات العسكرية الأحادية، وُصفت تلك التحركات بأنها انعكاس لـ “القوانين الحديدية” التي تحدد موازين القوى. ولم يكن ستيفن ميلر، مستشار البيت الأبيض، أقل صراحة حين صرّح بأننا نعيش في عالم “تحكمه القوة والإكراه والسلطة”.
حوار ميليان بروح العصر
لم يكتفِ ترامب بتبني هذا المنطق نظرياً، بل طبقه في تعامله مع الملفات الدولية:
غرينلاند والدنمارك: التعامل مع سيادة الدول بمنطق الاستحواذ والسيطرة.
كوبا وإيران: التهديد المباشر الذي وصل في السابع من أبريل إلى حد التلويح بـ “إبادة الحضارة الإيرانية بأكملها”، وهو خطاب يتجاوز الخلاف السياسي إلى منطق التدمير الشامل الذي واجهته ميلوس قديماً.
العزلة والمصير المحتوم
إن القوة العظمى، مهما بلغت سطوتها، لا يمكنها البقاء في فراغ. إصرار ترامب على مقولة “لسنا بحاجة إلى مساعدة أحد” هو وصفة للعزلة الدولية. فالولايات المتحدة التي ساهمت في بناء النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية، تخاطر اليوم بالبقاء وحيدة في نظام فوضوي بلا حلفاء أو أصدقاء.
الدرس الأخير
التاريخ يخبرنا أن الغطرسة السياسية والمبالغة في استخدام القوة كانت دائماً مقدمة للنهايات المأساوية. ثوسيديدس سجل لنا كيف أدى الطموح الزائد والتوسع غير المحسوب لأثينا إلى دمارها وضياع شعلة الحضارة اليونانية حينها.
فهل يقود ترامب الأمريكيين نحو مصير مماثل؟ وهل تتحول القوة العظمى الوحيدة إلى ضحية لنفس المنطق الذي حاولت فرضه على العالم؟ إن التاريخ يراقب، والإجابة تكمن في قدرة القادة على تعلم الدروس قبل فوات الأوان.
بين أطلال الجامعة العربية وخذلان غزة: هل انتهى زمن الكبار؟
الخميس ٣٠/أبريل/٢٠٢٦ ١١:١٢ ص
عندما نستعرض تاريخ السياسة العربية، لا يسعنا إلا أن نقف بحزن أمام المقارنة بين جيل زعماء رغم كل عثراتهم، كانت لهم “كلمة” قادرة على تغيير الموازين، وبين واقع اليوم الذي تحولت فيه قضايانا المصيرية إلى مجرد بنود مؤجلة على جداول أعمال لا تخدم إلا المصالح الخارجية.
لقد قامت “جامعة الدول العربية” لتكون بيتاً جامعاً، لكن التاريخ يخبرنا أنها لم تكن يوماً فاعلة بذاتها، بل كانت تستمد قوتها من “هيبة” الزعماء المحركين لها. في عام 1961م، لم يكن قرار الجامعة بحماية الكويت مجرد إجراء إداري، بل كان لصوت جمال عبد الناصر الذي أرعب الطموحات الضيقة بتهديد صريح بالتدخل. وفي لبنان، لم تحرك الجامعة ساكناً إلا عندما قررت دمشق التدخل بجيشها، ليرتدي ذلك التدخل عباءة الجامعة لاحقاً كـ”قوات ردع”.
وهنا تبرز الفجوة المؤلمة، فقد تحولت الجامعة من “ساحة للتنسيق” بين أقطاب عربية قوية، إلى “قاعة انتظار” اليوم لإملاءات القوى الدولية. في الماضي، كان للقرار العربي “ثمن” يُحسب له ألف حساب في واشنطن وموسكو وتل أبيب، ليس حباً فينا، بل خوفاً من اصطفاف عربي قد يغير قواعد اللعبة السياسية والاقتصادية. أما اليوم فقد تم تفكيك هذا الاصطفاف وتحويله إل جزر معزولة، تبحث كل واحدة منها عن نجاة منفردة، مما جعل من الجامعة جسداً بلا روح، تُدار بالريموت كنترول لإرضاء القوى التي لا تريد للعرب قائمة.
نقف اليوم أمام مشهد مغاير تماماً. انظروا إلى غزة الجريحة، وشعبها الصابر المسكين الذي يُذبح على مرأى ومسمع من الجميع. أين هي الأدوار “الفعالة” التي ننتظرها؟ لقد سقط القناع عن النظام الرسمي العربي الذي اكتفى بدور “المتفرج” أو “الناشد” للسلام، بينما تملك العواصم العربية من أدوات الضغط الاقتصادية والسياسية ما يكفي لزلزلة القرار الدولي، لكنها آثرت الصمت لضمان التحالفات الضيقة.
إن ما يدمى القلب ليس مجرد العجز العسكري، بل هو التخلي الأخلاقي والسياسي، فغزة اليوم لا تواجه العدوان وحدها، بل تواجه خذلان ذوي القربى الذين ارتضوا أن تكون الجامعة أداة لشرعنة الضعف وتمرير التنازلات تحت مسميات “الحكمة” و”الواقعية”. لقد أصبحت هذه الجامعة مجرد وسيلة لامتصاص الغضب الشعبي غطاءً لسياسات تهدف لتصفية القضية الفلسطينية إرضاءً لوعودٍ واهية.
إن الفرق بين الأمس واليوم يكمن في “الإرادة”. لقد رحل الكبار الذين كانت فلسطين بالنسبة لهم بوصلة لا تحييد، وجاء زمن يُقاس فيه النجاح السياسي بمدى التناغم مع الإملاءات الخارجية. إن ما يحدث في غزة اليوم ليس مجرد مأساة إنسانية، بل هو شهادة وفاة للعمل العربي المشترك بصيغته الحالية.
نكتب هذه الكلمات لا للمدح أو الثناء، بل لنورث أحفادنا الحقيقة كما هي: إن كرامة الأوطان لا تُحفظ ببيانات الاجتماعية، بل بوقفة عز ترفض الهوان، وتضع مصلحة الإنسان العربي فوق كل اعتبار.
من الشهادة إلى الأثر – فلسفة العمل الصالح في الإسلام
السبت ١٦/مايو/٢٠٢٦ ١٢:٢١ م
خصص البشر أيامًا معينة للمناسبات الاجتماعية كعيد الأم، وعيد الأب، وعيد الشجرة، وغيرها. إلا أنه لا يوجد يوم مخصص للأعمال الصالحة إلا في الإسلام. فقد خصص رسول الله صلى الله عليه وأله وسلم هذا اليوم بقوله: “ما من أيام أحب إلى الله من هذه الأيام” مشيرًا إلى العشر الأوائل من ذي الحجة. جاعلاً إياها أفضل أيام السنة للعبادة. ونحن إذ نعيش هذه الأيام العشر المباركة، أجد لزاماً علي أن أتوقف وقفة تأمل قصيرة عند مفهوم يُعد الركيزة الأساسية للأثر الباقي للإنسان في حياته وبعد رحيله، وهو “الأعمال الصالحة”. فما هي الأعمال التي حثنا عليها الخالق في محكم تنزيله، وجعلها قرينة الإيمان في آيات شتى؟
إن المتأمل في جوهر الدين يدرك أن هناك فرقاً دقيقاً بين “أركان الإسلام” وبين “العمل الصالح”. فأركان الدين من توحيد، وصلاة، وصوم، وزكاة، وحج، هي العبادات المفروضة التي تمثل صلة العبد بربه، وهي أركان لا يستقيم الدين إلا بها، وأجرها عند الله عظيم وفوائدها الروحية لا تُحصى. إلا أن “الأعمال الصالحة” بمفهومها الواسع تتجاوز حدود الشعائر التعبدية المحضة، فهي تلك الأفعال التي ينبري لها الإنسان بروح المبادرة والإنسانية خارج نطاق التكليف الديني المباشر، لتكون ثمارها ممتدة إلى الآخرين. العمل الصالح هو كل فعلٍ يخرج من ذات الإنسان ليضيء حياة غيره، كبناء مسكن يأوي فقيراً، أو كفالة يتيم تمسح عنه غبار اليتم، أو عقلٍ يسهر في مختبره ليطور لقاحاً ينقذ البشرية من وباء فتاك، أو يدٍ مخترعة تبتكر جهازاً يخفف أنين المرضى. باختصار كل منفعةٍ تتعدى الذات لتعم البشرية هي عمل صالح.
وهنا، تبرز قيمة العلم كأسمى صور النعم التي يمن الله بها على عباده. إن الشاب الذي نال أعلى الدرجات الأكاديمية، من دكتوراه أو هندسة أو غيرها، يجب أن يدرك أن شهادته ليست مجرد ورقة للتباهي الاجتماعي أو وسيلة لضمان عيش رغيد وراتب مرتفع فحسب، بل هي “أمانة” وهبة إلهية وضعت بين يديه لنفع الناس.
إن العلم الذي لا يثمر نفعاً للمجتمع وللوطن وللإنسانية هو علم ناقص الأثر. لذا، فليكن سعيك أيها المتعلم منصباً على أن تجعل من علمك غيثاً يهطل على جيرانك، ومجتمعك، وعامة الناس. لا تجعل الغاية هي المظاهر الزائلة، بل اجعل المعرفة التي اكتسبتها جسراً يعبر عليه المحتاجون نحو حياة أفضل.
يحزنني كثيراً حين أرى كوكبة من الشباب الذين تسلحوا بأرفع الشهادات، ومع ذلك يقفون في أماكنهم دون أن يتركوا بصمة تذكر، أو يقدموا إسهاماً حقيقياً بنهض ببلادهم أو يخدم البشرية. إن العالم لا يحتاج إلى مزيد من الشهادات المعلقة على الجدران، بل يحتاج إلى عقول مفكرة وأيادٍ عاملة تحول المعرفة إلى فعل وصلاح.
ليكن ختام قولي إن العمل الصالح هو تجلي الإيمان في واقع الحياة، وهو الرسالة التي تبقى حين يرحل الجميع، فازرعوا من الصالحات ما يجعل الأرض خلفكم أكثر اخضراراً ونوراً.
ستون عاماً…والجرح لم يلتئم
الخميس ١١/يونيو/٢٠٢٦ ١٠:٣٠ ص
يصادف اليوم الذكرى الستين لحرب السادس من يونيو 1967م المعروفة أيضاً بـ”حرب الأيام الستة”. انتهت الحرب بعد ستة أيام من اندلاعها، مني العرب فيها بالهزيمة، وخسروا المزيد من أراضيهم.
واليوم وبعد ستين عاماً، لاتزال مرتفعات الجولان والضفة الغربية ترزخ تحت الاحتلال، وتحولت غزة إلى ركام، يضم في طياته قصصاً من الصمود الأسطوري. وفي السنوات الثلاث الماضية وحدها، ارتكب المحتل الصهيوني مجازر وحشية أسفرت عن استشهاد أكثر من 75 ألف فلسطيني في غزة، معظمهم من الأطفال والنساء، في ظل صمت دولي مخزٍ.
لا أرغب في التعليق على حال حكامنا ومواقفهم الفاترة، خشية تجاوز حدود المسموح، فالصمت في مواطن الخذلان احتجاج في حد ذاته.
عشت هزيمة 1967 وعمري 24 عاماً، وشهدت بمرارة كيف تبدل وجه الوطن العربي وملامحه في ستة أيام فقط. واليوم، وأنا أنظر إلى حجم التضحيات، أدرك أن المؤأمرة لم تنته، لكن الإرادة الفلسطينية لم تنكسر كذلك.
أمسح دمعي بطرف ثوبي، وأخذ نفساً عميقاً، لم يندمل جرح الهزيمة بعد ستة عقود من عمري. لقد بقيت مع قضية فلسطين منذ شبابي، وسأبقى متمسكاً بها في المتبقي القليل من حياتي، مؤمناً بأن هذا الحق لن يموت، وأن الأمانة ستنتقل من بعدنا إلى الأحفاد ليظل الجرح حياً حتى يلتئم بالنصر.
النكسة – جرح الأمس وبوصلة اليوم
الأحد ١٤/يونيو/٢٠٢٦ ١١:٠٥ ص
بناء على طلب بعض القراء الأعزاء الذين لم يعايشوا “حرب الأيام الستة” أو “النكسة”، أكتب هذه المقالة في الذكرى الستين للحرب لهم ولجميع قرائي
تمر العقود وتتبدل الأجيال، وتظل حرب السادس من حزيران 1967، أو ما عرفت بـ”النكسة”، محطة فارقة أعادت تشكيل خارطة الشرق الأوسط، وتركت جرحاً عميقاً في الوجدان العربي لا يزال ينبض بالألم والأمل معاً. بالنسبة لجيل اليوم الذي لم يعاصر تلك الأحداث، فإن فهم هذه الحرب ليس مجرد تقليب في صفحات الماضي، بل هو مفتاح أساسي لفهم جذور الصراع العربي الإسرائيلي الحالي.
اندلعت الحرب في الخامس من حزيران عام 1967 بين جبهتين رئيسيتين:
الجبهة العربية – وضمت دول الطوق الأساسية المحيطة بفلسطين المحتلة. وهي مصر، بقيادة الرئيس جمال عبد الناصر. سوريا، بقيادة الرئيس نور الدين الأتاسي. والأردن، بقيادة الملك حسين بن طلال.
جبهة الاحتلال – ممثلة بالكيان الإسرائيلي، الذي كان رئيس وزرائه آنذاك ليفي إشكول، بينما تولى موشيه دايان وزارة الدفاع خلال الأزمة، وخلفهم يقف عملاق العصر وداعم الكيان الصهيوني منذ تأسيسه وحتى يومنا هذا وعلى مر العصور، الولايات المتحدة الأمريكية.
أسباب اندلاع الحرب – لم تكن الحرب وليدة يومها، بل سبقتها أجواء مشحونة وتوترات متصاعدة، من أبرز أسبابها:
- التحرشات الإسرائيلية المستمرة – تصاعدت الاشتباكات العسكرية على الحدود السورية، وتهديد الاحتلال المستمر للنظام في دمشق.
- اتفاقية الدفاع المشترك – وجود اتفاقية دفاع مشترك بين مصر وسوريا، مما دفع مصر للتحرك لحماية الجبهة السورية.
- إغلاق مضيق تيران – اتخذ الرئيس جمال عبد الناصر قراراً استراتيجياً بإغلاق مضائق تيران في البحر الأحمر أمام الملاحة الإسرائيلية، وإعلان حالة التعبئة العامة، وطالب بسحب قوات الطوارئ الدولية من سيناء، وهو ما اعتبره الاحتلال إعلان الحرب.
لعبت الولايات المتحدة الأمريكية، بقيادة رئيسها آنذاك ليندون جونسن، دوراً محورياً وخلفياً حاسماً في تغليب كفة الاحتلال خلال المعركة في تقديم الدعم الاستخباراتي والسياسي. قدمت إدراة الرئيس جونسون غطاءً سياسياً كاملاً للاحتلال في مجلس الأمن، ووفرت له معلومات استخباراتية دقيقة حول مواقع وتمركز القوات الجوية العربية.
أعطى جونسون الضوء الأخضر الضمني للاحتلال لشن ضربته الاستباقية مع التعهد الأمريكي الصارم بمنع أي تدخل دولي مباشر، خاصة من الاتحاد السوفيتي آنذاك، لصالح الدول العربية.
نتائج الحرب الكارثية – استمرت الحرب ستة أيام فقط، لكن نتائجها كانت زلزالاً مدمراً غير الموازين على الأرض. احتلال ما تبقى من فلسطين، سقطت القدس الشرقية والمسجد الأقصى المبارك، ومعها كامل الضقة الغربية التي كانت تحت الإدارة الأردنية. وقطاع غزة، الذي كان تحت الإدارة المصرية، ليقع كامل التراب الفلسطيني تحت الاحتلال.
احتل الكيان الإسرائيلي شبه جزيرة سيناء كاملة من مصر، وتمركز الجيش الصهيوني في الضفة الشرقية لقناة السويس، واستولت إسرائيل على آبار الغاز المصرية في البحر قبالة السويس. وهضبة الجولان الأستراتيجية من سوريا. وظلت إسرائيل تنهب هذا الغاز المصري حتى تم توقيع اتفاقية كامب دويد بين السادات والكيان المحتل.
تسببت الحرب في موجة نزوح وتهجير جديدة لمئات الآلاف من الفلسطينين ليتعمق اللجوء وتتضاعف معاناة الفلسطينيين.
تمكن الاحتلال في الساعات الأولى في صباح 5 يونيو من تدمير معظم الطائرات الحربية العربية وهي لا تزال على الأرض، مما حسم المعركة عسكرياً لصالحه مبكرا.
ما أشبه اليوم بالبارحة. في يونيو الماضي (2025) شن الكيان الصهيوني، بالتعاون مع الولايات المتحدة حربًا ضد إيران، حيث هاجموا المطارات الإيرانية ودمروا جميع طائراتها. وزعموا أن “إيران لا تملك سلاح الجو، لقد دمرنا جميع طائراتها وراداراتها ودفاعاتها الجوية” وأكدوا أن الحرب ستنتهي في غضون ثلاثة أيام باستسلام إيران. إلا أنه بعد 12 ساعة، اكتشفوا أنهم لم يدمروا سوى طائرات ورادارات خشبية (طائرات ورادارات وهمية). واعترفوا بأن الدفاعات الجوية الإيرانية بقيت سليمة، نفس الكذبة، نفس الغرور، نفس النهاية.
إن حرب 1967 لم تكن نهاية المطاف، بل كانت وقوداً للمقاومة والصمود. ورغم فداحة الخسارة الأرضية والعسكرية، إلا أنها رسخت في وعي الشعوب العربية حقاً لا يموت بالتقادم، وأثبتت أن بوصلة الأحرار ستظل متجهة نحو القدس، مهما بلغت التحديات ومهما اختلت موازين القوى
الورم السرطاني – ثلاث سنوات من الدم والطغيان.. ولا سلام بلا حقوق
السبت ٢٠/يونيو/٢٠٢٦ ١٣:٢٦ م
بمناسبة توقيع “مذكرة التفاهم”، يعتقد كثير من الناس ذوي الضمير الحي والمحبين للسلام أن هذا التفاهم بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية الإيرانية قد يكون بوابةُ للسلام دائم في الشرق الأوسط، ويأملون ألا تشهد المنطقة المزيد من الحروب. وهنا، أود أن أذكر أحد عشرات التصريحات التي صدرت في هذا الشأن، وهي كلمات قداسة البابا، لاون الرابع: “آمل أن يكون الاتفاق حلاً حقيقياً للحرب، وأن تكون الحرب قد انتهت فعلاً، وأن نتمكن من المضي قدماً”. مع ذلك، فإن كل من يتابع الأحداث والاضطرابات في إسرائيل التي أعقبت مذكرة التفاهم يدرك تماماً أن إسرائيل لن توقف حروبها، بل ستستغل الهدنة فرصة لتعزيز جيشها بمزيد من المعدات الأمريكية الفتاكة.
لا ترغب الولايات المتحدة في حلٍّ للقضية الفلسطينية لا تقبله إسرائيل؛ وهي غير مستعدة للضغط عليها تحت أي ظرف. إنها تريد بقاء إسرائيل، ولذلك نراها تدافع عنها كما لو كانت تدافع عن عاصمتها واشنطن. جميعنا نتذكر تصريح الرئيس السابق بايدن: “لو لم تكن إسرائيل موجودة، لاخترعناها”.
تمثل إسرائيل قاعدة عسكرية متنقلة للولايات المتحدة، والتي يمكنها نقلها متى وأينما تشاء.
لن يشهد الشرق الأوسط السلام والاستقرار ما دام الورم السرطاني الذي تمثله إسرائيل قائماً. على مدى السنوات الثلاث الماضية، شهدنا كيف أن إسرائيل قتلت 75 ألف فلسطيني، معظمهم من الأطفال والنساء، وقطعت المياه والدواء عن سكان غزة. خططت لتهجير من تبقى من سكان غزة، ربما إلى صحراء سيناء، لكن المقاومة الباسلة أحبطت هذه المحاولة. دمرت المستشفيات والمدارس والمساجد والكنائس. فعلت بسكان غزة ما لم يفعله هتلر في البلدان التي احتلها خلال الحرب العالمية الثانية.
قتلت 10 آلاف فلسطيني في الضفة الغربية، وهجرت آلافاً آخرين إلى الأردن. هاجمت لبنان، فقتلت أكثر من 5 آلاف لبناني وجرحت الآلاف. هدمت معظم المنازل في جنوب لبنان، تاركة السكان بلا مأوى. وأخيراً هاجمت إيران مرتين، الأولى لمدة اثني عشر يوماً (13 يونيو 2025-24 يونيو 2025). والثانية لمدة أربعين يوماً (28.2.2026-8.4.2026) فقتلت 15 آلاف مدني إيراني وجرحت الآلاف.
هذه الدولة الصهيونية، التي أسسها أوروبيون في فلسطين، لا تكتفي بالأرض التي استولت عليها عامي 1948 و1967، بل تطمع دائماً بالمزيد. عقيدتها قائمة على التوسع، وكل هدنة عندها هي استراحة محارب لإعادة ترتيب السلاح، وكل اتفاق سلام هو مجرد حبر على ورق ما دام ميزان القوة مختل.
لا خير في الكيان الصهيوني، ونتوقع استمرار الحروب إلى ما لا نهاية. فالحرب هنا ليست نزاع حدود، بل صراع وجود. شعب فلسطين يريد أن يعيش على أرضه، وكيان الصهيوني يرفض الاعتراف بوجوده أصلاً. والتاريخ يعلمنا أن الظلم إذا طال أمده، فلابد أن ينفجر بركان الغضب.
الحل الوحيد لوقف الصهاينة من شن المزيد من الحروب هو منح الفلسطينيين حقوقهم في أرضهم. لقد قبلوا ببنود اتفاقيات أوسلو، حل الدولتين: دولة فلسطينية ودولة صهيونية. قدموا التنازلات، ومدوا أيديهم للسلام، لكن المقابل كان مزيداً من الاستيطان ومزيداً من القتل.
المشكلة كما أراها، ليست إسرائيل، بل الولايات المتحدة الأمريكية. تلك التي تدعي أنها حامية الحرية وحرية التعبير، وتدعم حقوق الإنسان، ومع ذلك فهي في الوقت نفسه تدعم مالياً وعسكرياً دعاة الحرب في إسرائيل. ترسل الطائرات والصواريخ والقنابل، ثم تتحدث عن “حق الدفاع عن النفس”. أي دفاع هذا الذي يستهدف أطفالاً نيام في خيام؟
أسأل أصدقاءنا الأمريكيين: ألا يتمتع الفلسطينيون بأي حقوق إنسانية؟ هل نظر مسؤولوكم منذ عام 1948، إلى الفلسطينيين على أنهم حيوانات، كما تفعل إسرائيل؟ متى كانت كرامة الإنسان مشروطة بجواز سفر أو بلون عين؟ متى صار حق الحياة يُمنح ويُمنع بقرار من البيت الأبيض؟
إن صمت العالم اليوم على هذه المجازر، هو وصمة عار ستلاحق ضمير البشرية قروناً قادمة. والتاريخ لا يرحم المتواطئين. سيأتي يوم وتًسأل فيه كل دولة، وكل زعيم: أين كنتم حين كانت غزة تُباد؟ وماذا قدمت للحق غير بيانات الشجب؟
إن التوقيع على “مذكرة التفاهم” لا ينبغي أن يكون تخديراً لوعي الشعوب، أو غطاءً تُمرر من تحته صفقات السلاح الفتاك للكيان الغاصب، بل يجب أن يكون صرخة لإيقاظ الضمير العالمي الميت. فالسلام الحقيقي لا يصنع في الغرف المغلقة بوعود واهية، وإنما يبدأ بإنهاء الحصار الجائر عن غزة ومحاسبة مجرمي الحرب على فظائعهم، ورفع اليد الأمريكية الثقيلة عن القرار الدولي الذي طالما ارتهن لإرادة الطغيان والعدوان.
وفي النهاية، لتعلم أمريكا وحليفتها إسرائيل أن إرادة الشعوب الحرة لا تموت بالقنابل، ولا تمحى بالاتفاقيات الصورية. ستبقى الأرض لأصحابها الشرعيين، وسيزول هذا “الورم السرطاني” طال الزمان أم قصر، لأن دماء الأطفال والنساء التي روت أرض فلسطين ولبنان وإيران ليست مجرد أرقام في سجلات الحروب، بل هي وقود لثورة مستمرة لن تنطفئ نيرانها حتى يعود الحق كاملاً، وتشرق شمس الحرية فوق القدس الشريف.
السؤال الذي يتبادر إلى أذهان الجميع هو ما إذا كان الرئيس دونالد ترامب سيلتزم بالتعهدات التي قطعها في المذكرة أم أنه سيتجاهلها كالمعتاد؟
سقوط القناع عن الوجه الإنساني الزائف
الأحد ٢٨/يونيو/٢٠٢٦ ١١:٤٨ ص
لطالما أدعى الأوروبيون، ومنذ فجر التاريخ الحديث، أنهم حماة الفضيلة الإنسانية، وحملة مشاعل الحضارة، والمدافعون الأوائل عن قيم العدالة وحقوق الإنسان وحرية التعبير. ملأوا الدنيا ضجيجاً بشعاراتهم الرنانة، وأقاموا المنظمات الدولية والمعاهدات الأممية ليحاضروا على شعوب الأرض في كرامة الفرد وحريته، ولكن، ما أن تصطدم هذه “المنظومة الأخلاقية المزعومة” بالحق الفلسطيني المظلوم، وبشعب طُرد من أرضه وحُرم من أدنى مقومات وجوده، حتى تتبخر تلك القيم وتنكشف العورات السياسية.
لقد رأينا كيف يغض حكام أوروبا الطرف، بكامل إرادتهم، عن حرب الإبادة الجماعية والمجازر الوحشية التي ترتكبها إسرائيل في غزة وفي لبنان. يتعاملون مع المشهد بدم بارد، وكأن أشلاء الأطفال والنساء والقتلى في ديارنا ليسوا بشراً ينتمون إلى الجنس البشري، بل يتعاملون معهم بنظرة استعلائية عنصرية. وهنا يبرز السؤال الساخر والمرير الذي يفرض نقسه على ضمائرهم الميتة: إن كنتم لا ترون في أهل فلسطين ولبنان بشراً يستحقون الحياة، ألا توجد في قواميسكم وقوانينكم المتبجحة بنود تُعني، على أقل تقدير، بحقوق الحيوان، لتطبقوها على هؤلاء الأبرياء؟
لمدة عقود، صدعوا رؤوسنا بمحاكمات “جرائم الحرب” و”التطهير العرقي” حين ارتكبتها دول ضعيفة. أقاموا الدنيا ولم يقعدوها على صور لمجزرة هنا أو قصف هناك، كما في حالة عمر البشير في السودان. أما اليوم، والكاميرات تنقل المجازر لحظة بلحظة، والأطفال تُنتشل جثثهم من تحت الركام، فكل ما نسمعه هو “حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها”. أي دفاع هذا الذي يستهدف مستشفى؟ أي حق هذا الذي يبيح تجويع مليون ونصف؟ هنا سقط القناع، وانكشف أن القانون الدولي عندهم لا يطبق إلا على الخصوم.
من أعطى بريطانيا الحق في تسليم فلسطين لليهود؟ – إن جذور هذه المأساة تعود في الأصل إلى اللحظة التاريخية التي نصبت فيها القوى الاستعمارية نفسها وصية على مقدرات الأمم. فكيف سمح الضمير الدولي لبريطانيا أن تمنح أرض فلسطين العربية لليهود؟ نعم، لقد عانى اليهود معاناة شديدة واضطهاداً وحشياً على يد النازيين خلال الحرب العالمية الثانية في أوروبا. ولكن، هل من العدل والإنصاف، في أي منطق أخلاقي أو قانوني، أن يتحمل المسلمون والعرب وزر هذه الجرائم الأوروبية؟ وهل يعقل أن يُعوض اليهود عن ظلم النازية بتمكينهم من اغتصاب أرض شعب آخر وتشريده؟
اليوم، يخرج علينا السياسي الأوروبي ليحدثنا عن “القيم الأوروبية المشتركة”. أي قيم هذه التي تصمت أمام تجويع شعب كامل؟ أي قيم هذه التي تعتبر قصف مدرسة فيها نازحون “خطأ عملياتي”؟ لقد تحولت شعاراتهم إلى رماد، وتحولت منظماتهم إلى أبواق تبرر القتل. التاريخ لن ينسى من صمت، ولن ينسى من برر، ولن ينسى من شارك بالسلاح والمال والغطاء السياسي.
لقد أسقطت دماء الأبرياء في غزة والضفة الغربية ولبنان الأقنعة عن المنظومة الحقوقية الأوروبية. أن المحاضرات الطويلة التي القتها على مسامع العالم خلال العقود الماضية حول “حقوق الإنسان” و”حق الشعوب في تقرير مصيرها” تبخرت تماماً عندما اصطدمت بالواقع في فلسطين ولبنان. هذا التراجع القيمي يعيدنا بالضرورة إلى الجذور، فمن منح “وعد بلفور” في عام 1917 وتجاهل وجود شعب كامل، هو نفسه من يغطي اليوم الإبادة، مؤكداً أن الخلل ليس عارضاً، بل هو خلل بنيوي في النظرة الأوروبية للإنسان العربي وحقه في الحياة والحرية.
أما الإعلام الأوروبي فحدث ولا حرج. قنواتهم الكبرى وصحفهم العريقة التي تتبجح بـ”المهنية والحياد” انقلبت أبواقاً دعائية لا تختلف عن الناطق الرسمي باسم جيش الاحتلال. صارت كلمة “إرهابي” جاهزة لأي فلسطيني قُتل تحت الركام، وصارت كلمة “عملية دفاعية” جاهزة لأي صاروخ هدم مدرسة على رؤوس النازحين. يعرضون لك لقطة جندي إسرائيلي عطشان فيتعاطف العالم الغربي، ويحجبون عنك صورة طفل فلسطيني يبحث عن ماء لأمه الجريحة. يعدون قتلى إسرائيل اسماً اسماً وبكاءً وبكاءً، بينما يختصرون عشرات الآلاف من شهداء غزة في رقم بارد في شريط الأخبار. هكذا سقطت آخر ورقة توت عن “حرية الصحافة” عندهم، وانكشف أن القلم الأوروبي لا يسيل حبره إلا إذا كان الدم عربياً.
إسرائيل الكبرى – الخريطة التي ما قالوا لكم عنها
الأحد ٠٥/يوليو/٢٠٢٦ ١١:٣٩ ص
يتطلب الفهم الدقيق للصراع العربي الصهيوني تجريد الكيان الصهيوني من الشعارات الدبلوماسية الزائفة التي يروج لها بين الحين والآخر، والعودة إلى جوهر المشروع الصهيوني الأيديولوجي والتوسعي. لم تكن فلسطين قط الهدف النهائي في الفكر الصهيوني، بل كانت مجرد حجر الزاوية والنهج الجغرافي الأولي لبناء إمبراطورية إقليمية مهيمنة تُعرف في أدبياتهم باسم “إسرائيل الكبرى”
يبرز هذا المشروع نفسه استنادًا إلى روايات تاريخية وأساطير دينية تم التلاعب بها بدقة وبشكل خطير لأغراض سياسية وأطماع دنيوية. تعتمد الحركات الصهيونية ولا سيما اليمين الديني المتطرف الذي يمسك بزمام السلطة اليوم، على تفسيرات حرفية للعهد القديم، مدعية وجود “أرض موعودة” تمتد حدودها “من نهر النيل في مصر إلى نهر الفرات في العراق”. لا ينظر هذا البعد الأيديولوجي إلى الحدود كخطوط سياسية قابلة للتفاوض أو الترسيم الدولي، بل كواجب ديني للتوسع والسيطرة. فهم يعتبرون التنازل عن أي جزء من هذه الأرض خطيئة دينية، وهو ما يفسر رفضهم المطلق والثابت لفكرة إقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة.
عند دراسة هذه الطموحات على الخريطة السياسية للشرق الأوسط، نجد أن “إسرائيل الكبرى” تشمل ضم أجزاء كبيرة ذات سيادة من الدول العربية القائمة.
الأردن – في الأيدولوجية الصهيونية يُنظر إلى الأردن على أنه “الضفة الشرقية” التي يجب السيطرة عليها عسكريا أو سياسيًا.
مصر – تتركز الطموحات الصهيونية تجاه مصر في شبه جزيرة سيناء. بغض النظر عن الأبعاد التاريخية والدينية المزعومة، لا تزال سيناء، في الفكر الأمني الصهيوني، منطقة عازلة وغنيمة ثمينة يجب السيطرة عليها.
سوريا ولبنان – يمثل الجولان السوري المحتل وجنوب لبنان هدفين حيويين ودائميين وثابتين في هذا المشروع. فالسيطرة على هاتين المنطقتين لا تحقق أهدافًا توسعية فحسب، بل تضمن أيضًا السيطرة على موارد المياه الاستراتيجية، مثل نهري اليرموك والليطاني ومنابع جبل الشيخ، التي تشكل شريان الحياة البيولوجي والاقتصادي لمشروع الاستيطان. (منذ سقوط نظام بشار الأسد في عام 2024، تسيطر إسرائيل على جبل الشيخ).
العراق – يمتد الخط الجغرافي المرسوم في مخيلة اليمين المتطرف إلى غرب العراق. ويرتبط هذا الامتداد بتأمين السيطرة على خطوط أنابيب الطاقة وطرق التجارة، واضعاف أي كيان عسكري أو ثقافي في بلاد ما بين النهرين قد يشكل تهديدًا مستقبليًا للهيمنة الصهيونية.
ما يحدث اليوم في غزة والضفة الغربية من سياسات تجويع وإبادة جماعية ومحاولات تهجير قسري، ليس مجرد رد فعل عسكري مؤقت، بل هو التنفيذ العملي والتدريجي لهذه الخطة التوسعية، التي تهدف إلى إخلاء الأرض الواقعة بين النهر والبحر تمهيداً للتوسع في الدول العربية المجاورة التي ذكرتها.
إن أخطر ما في مشروع “إسرائيل الكبرى” أنه لا يعلن عن نفسه كغزو كلاسيكي، هو يعمل بمنطق “الشرائح”. يبدأ بتفريغ غزة، ثم يضغط على الضفة، ثم يبتز لبنان، ثم يروض سوريا. كل شريحة تُسلخ على حدة حتى لا يستيقظ الإقليم كله مرة واحدة. حولت إسرائيل مؤخراً اهتمامها إلى إيران، وشنت حربين ضدها بمساعدة الولايات المتحدة. كان الهدف هو تغيير النظام، أو إضعافه بشدة، أو إعادته إلى “العصر الحجري” حتى لا تتمكن إيران من الدفاع عن الأراضي العربية التي هي من المقرر ضمها.
إذا نزعنا البعد الديني من الخريطة، بقيت الجغرافيا الاقتصادية. نهر النيل، نهر الفرات، نهر اليرموك، نهر الليطاني، آبار الجولان، حقول غاز المتوسط، وأنابيب العراق. “إسرائيل الكبرى” ليست خرافة توراتية فقط، بل هي شركة مياه وطاقة كبرى. من يسيطر على الماء في صحراء الشرق الأوسط، يسيطر على السياسة دون أن يطلق رصاصة.
إن مشروع “إسرائيل الكبرى” لا يمكن أن يتحرك شبراً واحداً لولا وجود “مظلة دولية” تؤمن لإسرائيل ثلاث أشياء: السلاح بلا حساب، والفيتو بلا خجل، والرواية بلا مراجعة. فكلما تقدمت الدبابة كيلومتراً في الجولان أو سيناء أو جنوب لبنان، سبقها بيان غربي يتحدث عن “حق الدفاع عن النفس”. وهكذا يتحول القانون الدولي من سقف يحمي الجميع، إلى سجادة حمراء يمشي عليها الصهيوني.
من عام 1967 إلى 2026 – لماذا تأخر تنفيذ خطة إسرائيل الكبرى؟
السبت ١١/يوليو/٢٠٢٦ ١٨:٠١ م
في مقالنا السابق بعنوان “إسرائيل الكبرى – الخريطة التي لم يخبروكم عنها”، ناقشنا هذا الموضوع. واليوم نواصل نقاشنا من حيث توقفنا. أبدأ بسؤال قد يتبادر إلى ذهن العديد من القراء: لماذا اختار الصهاينة هذه الفترة الزمنية تحديدًا (2023-2026) علمًا بأن حربهم الأخيرة كانت عام 1967 عندما احتلوا فلسطين بأكملها؟ ولماذا انتظروا كل هذا الوقت؟ أقول إن السؤال وجيه، واليكم الإجابة الكاملة عليه.
إن اختيار بنيامين نتنياهو وحاشيته من غلاة المتطرفين والمستوطنين للفترة الممتدة بين عامي 2023 و2026 ليكون زمن الحسم وتسريع وتيرة خطة “إسرائيل الكبرى”، لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة قراءة دقيقة للمشهدين الإقليمي والدولي، حيث تقاطعت عدة عوامل شكلت في نظر الصهاينة “فرصة تاريخية ذهبية” قد لا تتكرر:
- رحيل قادة القومية العربية وفراغ الزعامة
يعيش النظام الإقليمي العربي في هذه السنوات حالة حادة من الفراغ القيادي، جراء غياب ورحيل القادة الكبار الذين حملوا لواء القومية العربية، وجعلوا من القضية الفلسطينية قضية وجودية مركزية لا تقبل المساومة. لقد افتقدت الساحة العربية الزعامات التاريخية التي كانت تؤمن بعمق بمعادلة القائد جمال عبد الناصر: “ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة”. هذا الغياب للفكر القومي الجامع أدى إلى تشرذم الهوية السياسية العربية، وتحول الاهتمام من الدفاع عن الأمن القومي المشترك إلى انكفاء كل دولة على قضاياها ومصالحها الضيقة، مما منح الكيان الصهيوني فرصة الاستفراد بفلسطين دون خوف من جهة عربية موحدة.
- ضعف وتواطؤ بعض الأنظمة العربية الحالية
تتزامن هذه الفترة مع وصول حالة الضعف الرسمي العربي إلى مستويات غير مسبوقة في التاريخ. فقد تهاوت المحرمات السياسية السابقة عبر هرولة بعض الأنظمة نحو “التطبيع المجاني” وإقامة تحالفات أمنية واقتصادية مع الكيان الصهيوني دون الحصول على أي تنازلات حقيقية لصالح الشعب الفلسطيني. والأخطر من ذلك هو حالة الصمت العاجز، أو التواطؤ المبطن من قبل حكومات أخرى، والتي تجلت في شلل مؤسسات العمل العربي المشترك وعلى رأسها جامعة الدول العربية، التي عجزت حتى عن فرض كسر الحصار عن غزة أو اتخاذ مواقف دبلوماسية واقتصادية صارمة ترقي لحجم المأساة. هذا التخاذل الرسمي أعطى الضوء الأحمر لنتنياهو وحلفائه بأن الجسد العربي في أضعف حالاته، وأن البيئة الإقليمية مهيأة تماماً لتمرير المخططات الكبرى دون عواقب حقيقية.
- الدعم الغربي غير المشروط والانحياز الأمريكي المطلق
يشكل الموقف الدولي الحاضنة الأساسية التي شجعت اليمين المتطرف على هذا التوقيت. تضمن لحكومة الاحتلال في الفترة الحالية شيكاً على بياض ودعماً مطلقاً من واشنطن والعواصم الأوروبية الكبرى بتجلي هذا الدعم في مستويات عدة:
- سياسيا ودبلوماسياً – الاستخدام العشوائي والمستمر لحق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن الدولي لإجهاض أي قرار يدعو لوقف إطلاق النار في غزة أو يدين الجرائم الصهيونية، مما عطل الإرادة الدولية تماماً.
- عسكرياً ومالياً – الجسور الجوية المفتوحة التي تمد الكيان بأحدث الأسلحة الفتاكة والذخائر الذكية، إلى جانب التمويل المليارات التي تضمن استمرار الآلة العسكرية الصهيونية دون توقف.
- قانونياً – ممارسة ضغوط هائلة وترهيب سياسي ضد المحاكم الدولية (كمحكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية) لتعطيل ملاحقة قادة الكيان كمجرمي حرب.
هذا التحالف الغربي الأعمى جعل حكومة نتنياهو تشعر بأنها تعيش في حصانة مطلقة وفوق كل القوانين والمواثيق الدولية، مما دفعها لاستغلال هذه الفترة (2023-2026) لفرض أمر واقع جدي ونهائي على الأرض، مستغلة الانشغال العالمي بصراعات دولية أخرى لتبتلع ما تبقى من الجغرافيا العربية.
وأخيرًا، وهذه نقطة جديرة بالذكر، كان هناك سابقًا حلف وارسو، الذي ضم دول أوروبا الشرقية التي اتحدت في دعمها للقضية الفلسطينية والقضايا العربية. ومع تفكك هذا الحلف، ولا سيما روسيا التي كانت تربطها علاقات وثيقة بقادة عرب بارزين رحلوا عن عالمنا، باتت روسيا الآن تواجه حربًا أوروبية. لم تعد في نفس الموقف الذي كانت عليه سابقًا، وإسرائيل تعلم أنها لن تتدخل لإحباط مخططاتها. وقد منح ضعف المكانة السياسية للدول العربية إسرائيل حافزًا أكبر لتنفيذ مشروعها “إسرائيل الكبرى”.
السؤال الذي يُؤرّق كل عربي ومسلم ذي ميول قومية هو: هل سيواصل نتنياهو وترامب حربهما ضد إيران بعد فشلهما في تحقيق أهدافهما في الحربين السابقتين؟ سنجيب على هذا السؤال في الحلقة القادمة.
باني نهضة عمان: السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور – الانتقال من الظلام إلى النور
الثلاثاء ٢١/يوليو/٢٠٢٦ ١٨:٥٩ م
بمناسبة الذكرى السابعة والخمسين لتوليه العرش يسرني أن أكتب عن قائد نهضة عمان، المعروف بـ”باني النهضة”، جلالة السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور. هذه عربون شكر وتقدير بسيط للسلطان، طيب الله ثراه، فقد عشنا في فترة عصبية قبل عهده. ولا يزال من الصعب علينا نسيان اليوم الذي انتقلنا فيه من الظلام إلى النور.
يمثل تاريخ 23 يوليو 1970 نقطة تحول حاسمة في تاريخ عُمان الحديث. فقبل هذا اليوم، كانت البلاد معزولة. لا تتجاوز شبكة طرقها المعبدة أربعة كيلومترات، ولا تضم سوى ثلاث مدارس. لم يكتف السلطان قابوس بجلب التكنولوجيا، بل جلب الأمل أيضًا. وكانت أولى أولوياته سد الفجوة بين المناطق الداخلية المعزولة والساحل. فأطلق حملة ضخمة لتطوير البنية التحتية، شملت بناء طرق عبر جبال الحجر الوعرة، وصولاً إلى كل قرية نائية ظلت منسية لقرون.
آمن السلطان قابوس بأن بناء الأمة يبدأ ببناء الفرد. وقد صرح قائلاً: “سنُعلم أبناءنا حتى تحت ظل الشجرة”. لم يكن هذا مجرد وعد، بل أصبح حقيقة واقعة. ففي غضون عقد واحد، قفز عدد المدارس من ثلاث إلى مئات، وبحلول عام 1986، فتحت جامعة السلطان قابوس أبوابها لتخريج جيل جديد من القادة العمانيين. بالتزامن مع ذلك، شهدت عُمان ثورة في مجال الرعاية الصحية. فقد أنشئت مستشفيات حديثة كالمستشفى السلطاني، ووصلت العيادات المتنقلة إلى أعمق الوديان وأعلى الجبال، قاضيةً على أمراض كالملاريا، وموفرة رعاية صحية عالمية المستوى لكل مواطن عُماني.
بصفتي جنديًا في أوائل الستينيات، شهدت التحول الهائل الذي طرأ على القوات المسلحة في عهد السلطان قابوس. فقد حول الجيش من وحدات صغيرة متفرقة إلى قوة احترافية متطورة للغاية. وباستثماره في التكنولوجيا الحديثة وأفضل التدريبات، ضمن حماية السلام الذي بنيناه بدرع منيع. لم تكن هذه القوة العسكرية يومًا للعدوان، بل لحماية السيادة التي حققتها السلطنة. واليوم، ونحن نستذكر خمسين عامًا من حكمه، نرى أمة آمنة ومحترمة، ممتنة إلى الأبد للقائد الذي كرس حياته لكل شبر من أرض عُمان.
لم تقتصر رؤية السلطان قابوس على العاصمة مسقط فحسب. كان يؤمن بأن كل عُماني، سواء أكان يعيش على قمة جبلية شاهقة في شبه جزيرة مسندم أو في صحراء الوسطى الشاسعة، يستحق المستوى نفسه من المعيشة. ومن خلال جولاته السنوية الشهيرة، كان يجوب البلاد للقاء الناس في مدنهم وقراهم. وقد أدى هذا التواصل المباشر إلى إنشاء مشاريع “التنمية الإقليمية”، التي وفرت الطرق المعبدة ومحطات تحلية المياه والمدارس لأكثر المناطق عزلة. وحول التضاريس الوعرة إلى مجتمعات مزدهرة صالحة للسكن. وألا يُترك أي مواطن متخلفاً عن ركب التطور نحو العصر الحديث.
كان التسامح الديني والاعتدال الفكري من ركائز عهد السلطان قابوس. أنشأ مراكز السلطان قابوس للثقافة الإسلامية لتعزيز فهم معتدل للدين، بعيدًا عن التطرف. جعل من عُمان نموذجًا يُحتذى به، حيث يعيش أتباع مختلف الأديان والمذاهب في وئام، وهو أمر نادر في العالم الحديث.
لم يكن المقياس الحقيقي لنجاح السلطان قابوس في حجارة وفولاذ المدن التي بناها فحسب، بل في الحب العميق والوحدة التي غرسها بين شعبه. وعندما وافته المنية في العاشر من يناير 2020، حزنت الأمة بأسرها كعائلة واحدة. ترك وراءه إرثًا من الاستقرار وانتقالا سلميًا للسلطة أذهل العالم. كان أبًا لكل عُماني، ومعلمًا لكل طالب، وقائدًا لكل جندي. تبقى ذكراه نورًا ساطعًا يُلهم مسيرتنا نحو التجديد، مُذكرًا إيانا بأن عظمة الأمة تكمن في كرامة مواطنيها وتعليمهم.
تجلت عظمة السلطان قابوس الحقيقية في لحظاته الأخيرة، في الانتقال السلمي والكريم الذي خططه للسلطة بدقة متناهية. في العاشر من يناير 2020، شاهد العالم بذهول كيف ودع العمانيون والدهم بالدموع والدعاء، لكنهم ظلوا متحدين وثابتين. لم يترك وراءه مجرد مبان وطرق، بل ترك “إرادة سياسية” ضمنت استقرار الدولة ووجهت الأمة نحو قائدها القادم. سلم الراية إلى جلالة السلطان هيثم بن طارق بن تيمور، واثقًا من أن الأساس الذي وضعه على مدى خمسين عامًا كان قويًا بما يكفي لدعم المستقبل. رحل السلطان قابوس، لكن روحه باقية في قلب كل عماني، كمهندس خالد لهويتنا
الحديثة.
تحت قيادة جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، فجرنا أبدي، وتقدمنا لا يتوقف. سنظل دائماً أمة الجبال الوعرة، والبحار الممتدة، والمستقبل الزاهر. وبينما نمضي قدماً، نحمل معنا حكمة أجدادنا وشجاعة قادتنا. قصة عُمان ما زالت تُكتب، وأجمل فصولها هي تلك التي لم تأت بعد
(مقتبس من كتاب “فجر التقدم – 250 عامًا من مجد البوسعيديين” للمؤلف صادق بن محمد سعيد اللواتي).
الشرق الأوسط في فخ التقسيم: قراءة في محطات التوسع الإسرائيلية
الأحد ٠٢/أغسطس/٢٠٢٦ ١٤:٣١ م
تسعى إسرائيل، بالتعاون العسكري مع أمريكا، إلى إقامة ما يسمى “إسرائيل الكبرى”، كما ورد في التوراة المحرفة التي كتبها اليهود، والتي لا تُمثل النسخة الأصلية التي أوحى بها الله.
لقد أشرت إلى طموحات إسرائيل في الأراضي العربية في العديد من مقالاتي، وذكرت أن الحرب على إيران التي بدأت عام 2025، تهدف إلى تغيير النظام الإسلامي أو إضعاف إيران، لأنه إذا بقيت إيران على قوتها الحالية، فلن تسمح بإقامة “إسرائيل الكبرى”.
لسوء الحظ، لا يحاول العرب فهم أهداف إسرائيل وأمريكا في حربهما الحالية على إيران، بل على العكس، يريدون من أمريكا القضاء على النظام الإسلامي في إيران.
بات من الواضح الآن أن ترامب ونتنياهو قد فشلا في تحقيق أهدافهما في الحربين اللتين فرضهما، وفي حرب الاستنزاف الحالية التي استمرت 15 يومًا. هل سيحاولان شن المزيد من الحروب؟ نعم، لا أعتقد أن نتنياهو سيتخلى عن خطته لإسرائيل الكبرى إلا إذا قال الشعب الأمريكي لترامب: كفى، لا مزيد من الحروب في الشرق الأوسط.
لا أعلم إن كان القارئ على دراية بحجم “إسرائيل الكبرى”. إليك خريطة لها: ستُبتلع الأردن ولبنان بالكامل، إلى جانب نصف سوريا، وربع مصر، وثلث العراق، وربع السعودية. وتشير الخريطة المرفقة أيضًا إلى أمكانية الاستيلاء على بعض الأراضي التركية.
هل ستدافع أمريكا عن الدول العربية الحليفة لها بينما هي متواطئة في كل ما تفعله إسرائيل لتوسيع أراضيها؟ من الواضح من السلوك الرئيس السابق بايدن والرئيس الحالي ترامب أنهما ينفذان خطة “إسرائيل الكبرى” كما تمليها وكالة المخابرات المركزية. لذلك، فإن مشاركة إسرائيل في إنشاء “إسرائيل الكبرى” هي خطة وضعت في غرف الولايات المتحدة السرية، ولا يستطيع ترامب الخروج عنها.
في هذه الحالة، ستشهد المنطقة المزيد من الحروب بين محور المقاومة وأمريكا وإسرائيل. نعيش في زمن يُبدي فيه القادة العرب اهتمامًا ضئيلًا بمحاولات التوسع الإسرائيلية ودعم أمريكا الكامل لها. ربما نكون بارعين بما يكفي في الاقتتال فيما بيننا، كما هو الحال في السودان وليبيا والصومال واليمن.
ما أخشاه هو اندلاع حرب أهلية في كل من العراق ولبنان، والتي تخط لها إسرائيل منذ عام 2000 وتصفها بأنها حرب بين السنة والشيعة. يتطلع عملاء أمريكا في العراق ولبنان إلى هذه الحروب الأهلية وهم على دراية بها. ولتسهيل اندلاع هذه الحروب الكارثية، تمكنت أمريكا من إقامة أنظمة في العراق ولبنان تُذعن طواعية لأوامر سيدها الأكبر في واشنطن.
إن أخطر ما في مخططات التوسع ليس الخرائط المعلنة ولا التصريحات السياسية، بل هو محاولة تفريغ المنطقة من وعيها الجمعي. فعندما تتحول قضية فلسطين من قضية تحرر وطني إلى صراع مذهبي أو طائفي، وعندما تُستنزف طاقات الشعوب في حروب داخلية كما أشرت في السودان وليبيا والصومال واليمن، يصبح تنفيذ أي مشروع تقسيمي أسهل. لذلك فإن المعركة الحقيقية اليوم هي معركة وعي: وعي الشاب بحقيقة أن أمن الأردن مرتبط بأمن لبنان، وأن استقرار العراق شرط لاستقرار الخليج، وأن أي تمزق للجسد العربي يخدم مشروعاً واحداً فقط.
إن فشل الحروب المباشرة في تحقيق أهداف سياسية كاملة، كما حدث في حرب 2025 على إيران وحرب الاستنزاف التي أشرت إليها، قد يدفع أصحاب المشروع التوسعي للانتقال من المواجهة العسكرية إلى أدوات أخرى: الحصار الاقتصادي، الحروب السيبرانية، تفكيك الدول من الداخل عبر العملاء، وتسويق “اتفاقيات التطبيع” كطريق للسلام بينما تستمر عمليات التوسع الاستيطاني على الأرض. وهذا يفرض على محور المقاومة والدول العربية التي ترفض الهيمنة أن تبتكر أدوات ردع جديدة، ليس بالسلاح فقط، بل بالتكامل الاقتصادي ووحدة الموقف السياسي، وإعادة الاعتبار نهضوي عربي يقوم على احترام إرادة الشعوب لا على إملاءات الغرف المغلقة.
إيران وعُمان وتفاهم هرمز – قراءة في مناورات ترامب الفاشلة
الأربعاء ٠٥/أغسطس/٢٠٢٦ ١٠:٣٤ ص
يمارس الرئيس ترامب ضغوطًا غير مباشرة على إيران لقبول إدارة مشتركة لمضيق هرمز مع عُمان. وبذلك، يُخرج نفسه من المأزق الذي نصبه لنفسه منذ عام 2025 عندما شن الحرب الأولى ضد إيران مع شريكه، مجرم الحرب نتنياهو.
سبق لإيران أن وافقت على الإدارة المشتركة لمضيق هرمز، ومن المرجح أن تفعل ذلك مجددًا نظرًا لمشاركة عُمان الجغرافية في المضيق. وقد أكد ذلك المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، بقائي، في 2 أغسطس 2026، قائلاً: “نحن بصدد التوصل إلى تفاهم مع عُمان بشأن مسار متفق عليه في مضيق هرمز”.
ومع ذلك، فإن إيران ليست في عجلة من أمرها. فهي تسعى لإغلاق المضيق لبضعة أسابيع حتى تتمكن الدول المستهلكة للنفط من إلقاء اللوم على الولايات المتحدة في نقص كميات النفط وارتفاع الأسعار وزيادة أقساط التأمين على السفن، نظرًا لأن المضيق كان مفتوحًا قبل حرب ترامب على إيران. من المؤكد أن ترامب يريد تجنب تحميله مسؤولية قضية مضيق هرمز.
لقد حشد قوة كبيرة، ليس لشن هجوم شامل على إيران، بل لترهيبها. وبطبيعة الحال، لا تخشى إيران ترامب أو قواته. يريد ترامب أن يظهر للعالم أنه أعاد فتح مضيق هرمز، مدعيًا أن إيران شعرت بالخوف من الحشد العسكري الذي أعده لهجوم واسع النطاق. إيران تدرك تمامًا الهدف الأمريكي من وراء هذا الحشد، ولن تمنح ترامب نصرًا سهلًا، بل ستُلحق به هزائم متتالية.
امتنع ترامب عن شن هجوم شامل على إيران لأن إيران هددت بالرد على جميع دول المنطقة، ولن تكون إيران الدولة الوحيدة المتضررة من هجوم ترامب. اقرأ ما قاله البقائي في هذا الشأن: (إيران: البقائي: على جميع الأصدقاء والجيران أن يعلموا أن تداعيات أي هجوم أمريكي على البنية التحتية الإيرانية ستؤثر على الجميع. (2 أغسطس 2026). وقد صدر تهديد مماثل من قائد الجيش الإيراني ووزير الخارجية الإيرانية.
إن إقحام عُمان في “الإدارة المشتركة” المقترحة لمضيق هرمز ليس صدفة. فموقع عُمان الجغرافي والتاريخي كدولة محايدة وصاحبة سيادة على جزء من المضيق يجعل منها الطرف الأنسب لأي تفاهم إقليمي. ولكن محاولة ترامب تسويق هذا التفاهم كـ”إنجاز لترامب” يعد فشل حربه ضد إيران، هو التفاف مكشوف. عُمان تدرك أن أمن المضيق لا يتحقق بالحشود العسكرية، بل بالتفاهم مع إيران وبدون إملاءات خارجية.
يريد ترامب أن يخرج من مأزقه بصورة “الرجل الذي أعاد فتح هرمز”، لكنه يتجاهل أن إغلاق المضيق حتى ولو لأيام قليلة سيكلف الاقتصاد العالمي مليارات الدولارات. شركات التأمين، وأسعار النفط، وأسواق الطاقة كلها ستضع اللوم مباشرة على واشنطن لأن المضيق كان مستقراً قبل قرارها بشن الحرب. هذا هو سبب امتناعه عن الهجوم الشامل.
ما قاله البقائي وقائد الجيش ووزير الخارجية الإيراني يحمل رسالة واضحة لدول الخليج والمنطقة: “من يفتح النار على إيران سيحترق معها”. هذه ليست تهديدات عبثية، بل إعلان بأن قواعد اللعبة تغيرت. لم تعد إيران تقبل أن تكون ساحة المواجهة الوحيدة. وهذا ما يفسر خوف ترامب الحقيقي. فهو لا يخشى الصواريخ الإيرانية بقدر ما يخشى فاتورة سياسية واقتصادية يدفعها وحده أمام شعبه والعالم.
ترامب هو الخائف، وليس إيران.
تحالفات جديدة وأسئلة مستحقة: قراءة في اتفاقية “الدفاع المشترك” الثلاثية
السبت ٠٨/أغسطس/٢٠٢٦ ١٠:٣٥ ص
تشهد المنطقة الإقليمية تحولات جيوسياسية متسارعة تعيد رسم خريطة التحالفات العسكرية والاستراتيجية. وتأتي التقارير الإخبارية التي تتحدث عن وصول الاتفاقية الثلاثية بين السعودية وتركيا وباكستان إلى مراحلها النهائية والمرتقب توقيعها في الرياض بحضور قادة الدول الثلاث، لتفتح باباً واسعاً من النقاش حول طبيعة هذه التحالفات وأبعادها المستقبلية.
إن مفهوم “الدفاع المشترك” القائم على التزام كل دولة بالدفاع عن الأخرى في حال تعرضها لأي هجوم خارجي، ينطوي على تعقيدات جيوسياسية متعددة، ويثير جملة من التساؤلات المشروعة التي تتطلب قراءة عميقة:
أولاً: عند النظر إلى المشهد الميداني، يبرز تساؤل جوهري حول طبيعة التهديدات المباشرة التي تستدعي هذا التحالف، فهل تشير هذه الخطوة إلى اتساع نطاق التحديات الأمنية في المنطقة (كالصراع في شمال اليمن) إلى حد يستدعي استدعاء حلفاء من خارج الإقليم، رغم ما تمتلكه القوات المملكة السعودية العربية المسلحة من ترسانة عسكرية حديثة وتغطية تسليحية متطورة؟
ثانياً: تطرح مشاركة باكستان وتركيا إشكاليات جيو-عسكرية معقدة، فتركيا عضو بارز في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وهو ما يثير الاستفهام حول مدى إمكانية توفيقها بين التزاماتها الأطلسية وتعهداتها في هذا الحلف الجديد في حال نشوب نزاع مع إسرائيل مثلاً. وفي المقابل، كيف سيتعامل هذا التحالف مع الصراع التاريخي بين باكستان والهند في حال تصاعد المواجهات بينهما؟
ثالثا: يطرح هذا التوجه الثلاثي علامة استفهام كبيرة حول مصير المبادرات والأطر الإقليمية السابقة، وعلى رأسها اتفاقية “الدفاع العربي المشترك”. وفي ظل تصاعد الاعتداءات والانتهاكات الصهيونية المتكررة في غزة والضفة الغربية ولبنان، وأمام حالة العجز والضعف التي تعتري المنظومة الدفاعية العربية، تبرز حاجة استراتيجية ملحة لتأسيس حلف إسلامي شامل وأكبر، حلف لا يقتصر على تفاهمات جزئية، بل يستجمع طاقات العالم الإسلامي ومقوماته للدفاع عن الدول الإسلامية، وحماية أراضيها ومصالحها العليا ضد التهديديات الخارجية.
رابعاً: يبقى خطر الصهيوني وتمدده في المنطقة التحدي الأكبر والأخطر على الأمن القومي الإقليمي، فكيف سيتصدى هذا التحالف الجديد إزاء الاعتداءات والتهديدات المستمرة التي يشكلها الكيان الصهيوني على استقرار المنطقة ودولها؟ وهل سيتضمن ذلك حماية ودفاعاً حقيقيين ضد هذا التهديد؟
خامسا: هل يمثل هذا التكتل الثلاثي نواة لحلف إقليمي وإسلامي أكبر قد يتسع ليشمل دولاً أخرى في المستقبل، أم أنه مجرد ترتيب أمني لمرحلة سياسية استثنائية؟
إن التحالفات العسكرية الكبرى لا تقاس فقط برصيد نصوصها عند التوقيع، بل بمدى قدرتها على الصمود أمام تضارب المصالح الاستراتيجية لأطرافها، وبمدى إجابتها الشفافة عن التهديدات الحقيقية التي تواجه شعوب المنطقة واستقرارها.
ختاماً: في ظل ما يجري اليوم من اعتداءات مستمرة على الشعب الفلسطيني الأعزل في غزة، وفي لبنان، يصبح الحديث عن “حلف إسلامي” ضرورة وليس رفاهية. لم يعد بمقدور أي دولة أن تواجه وحدها رياح التغيير وتحديات الأمن.
الأحداث الأخيرة أثبتت أن القوة الخارجية لا تتحرك إلا لمصالحها، وأن الدم الفلسطيني الذي يُسفك يومياً يحتاج إلى صوت موحد وسند حقيقي. لذلك، أي اتفاق للدفاع المشترك بين دول إسلامية يجب أن يبدأ من هنا، حماية المستضعفين، ومن صيانة الأمن القومي للأمة، لا من حسابات ضيقة. فالأمة التي توحدت في كربلاء بالدم، وفي القدس بالدموع، قادرة أن تتوجه اليوم بالسياسة والتنظيم.
تحالفات جديدة وأسئلة مستحقة: قراءة في اتفاقية “الدفاع المشترك” الثلاثية
السبت ٠٨/أغسطس/٢٠٢٦ ١٧:٣١ م
تشهد المنطقة الإقليمية تحولات جيوسياسية متسارعة تعيد رسم خريطة التحالفات العسكرية والاستراتيجية. وتأتي التقارير الإخبارية التي تتحدث عن وصول الاتفاقية الثلاثية بين السعودية وتركيا وباكستان إلى مراحلها النهائية والمرتقب توقيعها في الرياض بحضور قادة الدول الثلاث، لتفتح باباً واسعاً من النقاش حول طبيعة هذه التحالفات وأبعادها المستقبلية.
إن مفهوم “الدفاع المشترك” القائم على التزام كل دولة بالدفاع عن الأخرى في حال تعرضها لأي هجوم خارجي، ينطوي على تعقيدات جيوسياسية متعددة، ويثير جملة من التساؤلات المشروعة التي تتطلب قراءة عميقة:
أولاً: عند النظر إلى المشهد الميداني، يبرز تساؤل جوهري حول طبيعة التهديدات المباشرة التي تستدعي هذا التحالف، فهل تشير هذه الخطوة إلى اتساع نطاق التحديات الأمنية في المنطقة إلى حد يستدعي استدعاء حلفاء من خارج الإقليم، رغم ما تمتلكه بعض دول المنطقة من ترسانة عسكرية حديثة وتغطية تسليحية متطورة؟
ثانياً: تطرح مشاركة باكستان وتركيا إشكاليات جيو-عسكرية معقدة، فتركيا عضو بارز في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وهو ما يثير الاستفهام حول مدى إمكانية توفيقها بين التزاماتها الأطلسية وتعهداتها في هذا الحلف الجديد في حال نشوب نزاع مع إسرائيل مثلاً. وفي المقابل، كيف سيتعامل هذا التحالف مع الصراع التاريخي بين باكستان والهند في حال تصاعد المواجهات بينهما؟
ثالثا: يطرح هذا التوجه الثلاثي علامة استفهام كبيرة حول مصير المبادرات والأطر الإقليمية السابقة، وعلى رأسها اتفاقية “الدفاع العربي المشترك”. وفي ظل تصاعد الاعتداءات والانتهاكات الصهيونية المتكررة في غزة والضفة الغربية ولبنان، وأمام حالة العجز والضعف التي تعتري المنظومة الدفاعية العربية، تبرز حاجة استراتيجية ملحة لتأسيس حلف إسلامي شامل وأكبر، حلف لا يقتصر على تفاهمات جزئية، بل يستجمع طاقات العالم الإسلامي ومقوماته للدفاع عن الدول الإسلامية، وحماية أراضيها ومصالحها العليا ضد التهديديات الخارجية.
رابعاً: يبقى خطر الصهيوني وتمدده في المنطقة التحدي الأكبر والأخطر على الأمن القومي الإقليمي، فكيف سيتصدى هذا التحالف الجديد إزاء الاعتداءات والتهديدات المستمرة التي يشكلها الكيان الصهيوني على استقرار المنطقة ودولها؟ وهل سيتضمن ذلك حماية ودفاعاً حقيقيين ضد هذا التهديد؟
خامسا: هل يمثل هذا التكتل الثلاثي نواة لحلف إقليمي وإسلامي أكبر قد يتسع ليشمل دولاً أخرى في المستقبل، أم أنه مجرد ترتيب أمني لمرحلة سياسية استثنائية؟
إن التحالفات العسكرية الكبرى لا تقاس فقط برصيد نصوصها عند التوقيع، بل بمدى قدرتها على الصمود أمام تضارب المصالح الاستراتيجية لأطرافها، وبمدى إجابتها الشفافة عن التهديدات الحقيقية التي تواجه شعوب المنطقة واستقرارها.
ختاماً: في ظل ما يجري اليوم من اعتداءات مستمرة على الشعب الفلسطيني الأعزل في غزة، وفي لبنان، يصبح الحديث عن “حلف إسلامي” ضرورة وليس رفاهية. لم يعد بمقدور أي دولة أن تواجه وحدها رياح التغيير وتحديات الأمن.
الأحداث الأخيرة أثبتت أن القوة الخارجية لا تتحرك إلا لمصالحها، وأن الدم الفلسطيني الذي يُسفك يومياً يحتاج إلى صوت موحد وسند حقيقي. لذلك، أي اتفاق للدفاع المشترك بين دول إسلامية يجب أن يبدأ من هنا، حماية المستضعفين، ومن صيانة الأمن القومي للأمة، لا من حسابات ضيقة. فالأمة التي توحدت في كربلاء بالدم، وفي القدس بالدموع، قادرة أن تتوجه اليوم بالسياسة والتنظيم.
نائب الرئيس الأمريكي يخدع نفسه – هل الحرب على إيران لخفض أسعار النفط؟
السبت ١٥/أغسطس/٢٠٢٦ ١٠:٢٦ ص
طالعنا تصريحاً لنائب الرئيس الأمريكي جيه.دي. فانس يقول فيه: “الهدف الرئيسي من الحرب على إيران هو إبقاء أسعار النفط منخفضة”. فهل هذا التصريح صحيح؟ دعوني أوضح للقارئ الكريم، أنه ليس كذلك.
أولاً: إيران دولة مصدرة للنفط، وقد منعت الولايات المتحدة جميع الدول من شراء النفط الإيراني، وفرضت عقوبات اقتصادية على كل من يفعل ذلك. فهل منع إيران من بيع نفطها يؤدي إلى خفض سعره في الأسواق العالمية؟ المنطق يقول العكس تماماً. كلما قل المعروض ارتفع السعر.
ثانيا: قامت الولايات المتحدة بالاستيلاء على عدد من ناقلات النفط الإيرانية بحجة أنها خاضعة للعقوبات في حصار أحادي الجانب.
ثالثاً مضيق هرمز مغلق اليوم أمام جميع السفن. فمن المسؤول عن ذلك؟ أليست أمريكا هي التي تشن حروباً متتالية ضد إيران؟ وهل قطع النفط عن المستهلكين يؤدي إلى خفض سعره؟
رابعاً: إن الحديث عن خفض الأسعار عبر الخيار العسكري يتجاهل كلفة الحروب الباهظة في أصلها، فتحريك الأساطيل، وتأمين الطرق البديلة لنقل الطاقة، وتعويض النقص الحاصل في الإمدادات، كلها أموال تُقتطع من اقتصاد الدول دون أن تقدم حلولاً مستدامة. أليس من الأجدى اقتصادياً وتجارياً استثمار هذه الموارد المهدورة في دعم استقرار الأسواق وتنمية حقول الطاقة بدلاً من إحراقها في نيران النزاعات؟
خامساً: أما عن أمن الملاحة، فإن سلطنة عمان الصديقة للجميع ظلت على الدوام صوت الحكمة والدعوة إلى الحوار وحرية الملاحة الدولية. فمضيق هرمز شريان حياة للعالم أجمع، وليس ساحة لتصفية الحسابات السياسية. إن تهديد هذا الشريان الحيوي لا يضر إيران وحدها، بل يضرب الاقتصاد العالمي ويرفع فاتورة الطاقة على المواطن البسيط في كل مكان.
سادساً: فضلاً عن ذلك، فإن المستهلك الأمريكي الذي يُراد إقناعه بهذه الذرائع هو أول من سيكتوي بنار هذه السياسات المتهورة، فعندما تقفز أسعار المحروقات في محطات الوقود وتتضاعف تكاليف الشحن، سينعكس داخل الولايات المتحدة نفسها، ليجد المواطن هناك أنه يدفع ثمن مغامرات واشنطن من جيبه الخاص.
سابعاً: فإن أي مصادمات في المنطقة ستؤدي حتماً إلى قفزات جنونية في أسعار النفط والتأمين البحري، وستدفع بالعالم نحو ركود تضخمي جديد. فأي منطق هذا الذي يربط بين إشعال الحروب وبين انخفاض الأسعار؟ إنها معادلة مقلوبة لا يصدقها إلا من أراد أن يخدع نفسه قبل أن يخدع الآخرين.
يبدو أن الرئيس ترامب ليس وحده من يتحدث بدون تفكير، فقد بدأ نائب الرئيس، الذي يصغره بنصف عمر، في تقليد سلوكه الخاطئ.
من البيت الأبيض إلى عربة الفواكه – سقوط الهيمنة الأمريكية
الأربعاء ١٩/أغسطس/٢٠٢٦ ٠٩:٢٨ ص
عندما يهرب رئيس “أكبر وأقوى دولة في العالم” مستخفياً في عربة فواكه بمطار إسطنبول، متخفياً من أعين الناس وهو في طريقه للعودة إلى واشنطن، فأعلم أننا أمام مشهد لم تكتبه أفلام هوليوود.
الموساد الإسرائيلي لم يكتف بالاختراق السياسي والاستخباراتي، بل هو يخترق الهيبة. يلعب بأكبر رأس في العالم ويجعله مادة للسخرية.
إن المشهد لا يعكس مجرد اختراق أمني أو هفوة بروتوكولية عابرة، بل يختصر تحولاً عميقاً في معادلات النفوذ الدولي، حيث التحقت الإدارة الأمريكية بمقعد التابع الذي يُملي عليه السلوك. إنها اللحظة التي تتكشف فيها القوة العظمى عارية من مهابتها التقليدية، حين يصنع القرار، وحتى سيناريوهات الحركة والهروب، في أروقة تل أبيب، بينما تكتفي واشنطن بتمثيل دور المنفذ المطيع دون أدنى مراعاة لمكانة الدولة وإرثها السياسي.
ترامب الذي يهدد ويتوعد، الذي يفرض العقوبات ويتحدث عن “أمريكا أولاً”، انتهى به المطاف يتهيأ للرجوع في صندوق خضار. هذه ليست نكتة. هذه الرسالة.
السؤال الذي يفرض نفسه، هل اتخذ البيت الأبيض أي إجراء ضد إسرائيل على هذه المهزلة؟ هل سمعنا استدعاء سفير، أو بيان احتجاج، أو حتى تغريدة غاضبة؟ ماذا لو كانت إيران هي من فعلت ذلك؟ ماذا لو كان خصم آخر هو من أجبر رئيس أمريكا على الاختباء؟ كنا سنرى أساطيل وجيوش تتحرك، وعقوبات تحاصر الدنيا. لكن الفاعل هو إسرائيل، فالصمت سيد الموقف.
الرسالة واضحة وهي أن الأقوياء حين يخضعون لإرادة أخرى يصبحون اضحوكة. وحين تتحكم إسرائيل بالقرار الأمريكي، فلا تسأل عن كرامة ولا عن عربة. وهنا تكمن الخطورة على المنطقة كلها. فدولة تُهان بهذه الطريقة في عقر دارها، كيف لها أن تضمن أمن الخلفاء؟ كيف لها أن تتحدث عن “ردع” وهي لا تملك ردع نفسها من الإذلال؟
العالم اليوم يعيد حساباته. والقاصي والداني يرى أن ميزان القوى لم يعد كما كان. نحن في المنطقة نعرف هذا المشهد جيداً. نعرف معنى أن تُدار القرارات من غرف مغلقة. لكن لا يصل الأمر برئيس أمريكا أن “يضحك عليه” الموساد بهذه الطريقة. فهنا الخطر.
العالم يتغير، والهيبة التي بنتها أمريكا لعقود تتساقط في مطار، داخل عربة فواكه. يبقى السؤال من يحكم من؟ ومن يضحك على من؟
ولعل الأشد خطورة في هذه المهزلة هو التحول الهيكلي في الوعي الجمعي العالمي، فقد سقطت اسطورة “الحليف الضامن” الذي لا يقهر، وظهرت واشنطن ككيان يُدار بالابتزاز والضغط الداخلي. هذا الانكشاف العاري يضع القوى الإقليمية والدولية أمام حقيقة ساطعة، أن الاعتماد على مظلة أمنية تُدار إرادتها من الخارج هو مجرد رهان على سراب، وأن الهيبة التي تُسلب في الممرات الخلفية لا يمكن ترميمها بالخطابات التهديدية أو استعراض القوة الجوفاء.


