صادق حسن اللواتي: مقالات الشبيبة

أسطول الصمود وثقافة الصمود

:صادق حسن اللواتي – الشبيبة

الاثنين ٠٦/أكتوبر/٢٠٢٥ ١٦:١٣ م

 
أسطول الصمود وثقافة الصمود لن أبالغ إذا قلت: إن أمة المليار مسلم تواجه تحديات جمّة في عالم مليء بالتحديات والصراعات، تواجه ثقافة الاستسلام وثقافة الصمود الأولى، تمثل العجز والقبول بالواقع، حيث تكتفي المجتمعات بالجلوس والنظر إلى ما يحدث في فلسطين. إن قضية فلسطين قضية غير مجدية ، كم منّا يتجنّب الخوض في هذه المسألة ؟ وكم منّا لا يرغب بسماع أي خطاب حول فلسطين في وقت نصرف أوقاتاً في الاهتمام بقضايا في البلدان أخرى، ولكن لا نفعل شيئاً من ذلك عندما يتعلق الأمر بفلسطين والفلسطينيين،

وفي الثانية تبرز ثقافة الصمود كفلسفة حياة تعتمد على الفعل الواعي، إنها ثقافة تدعو إلى مواجهة التحديات بشجاعة، وتعزيز روح التضامن والتعاون بين الأفراد . وهذا التعاون والتضامن تجلى في أسطول الصمود الذي انطلق في لحظة صفاء ترعاه عناية الله، إن هذا الأسطول عبّر عن إرادة الشعوب في النضال من أجل حقوقها وكرامتها وقد مثلت قيمة ثقافة اللاعنف، وهذا ما شاهدناه كيف مثلت إمامة اللواتية وغيرها الثبات والصمود أمام التحديات التي واجهوها عندما حاصرتهم القوة البحرية الإسرائيلية وهم يرددون: “الحرية لفلسطين”.

 

إن هذا الإيمان العميق بأن التغيير ممكن ولو في أحلك الظروف، إن هذه العبارات ليست ردّة فعل على الأزمات، بل هي فلسفة الحياة تتضمن مجموعة من القيم والممارسات التي تهدف إلى الوعي الجمعي، وتحفز الآخرين على اتخاذ خطوات فعالة، وأن كل فرد يستطيع أن يمارس ثقافة اللاعنف وفي أشدّ الظروف قسوة في شدّ الروابط الاجتماعية، وتحقيق أهداف تصب في مصلحة قضية فلسطين .

 إن أسطول الصمود نسخة متطورة من ثقافة المقاومة بصيغته اللاعنفية ، هناك رسالة في سياق الصمود أن روح التعاون والعمل الجماعي في دعم القضية الفلسطينية يعتبر خطوة أساسية نحو تغيير إيجابي يعزّز كرامة الإنسان ويعيد الأمل. إن النصر آتٍ آتٍ وأن لا أحد يستطيع الوقوف أمام إرداة الشعوب، وأن الأمة الإسلامية تستطيع أن تُعيد مكانتها وتتحرر من الهزائم النفسية.

إن أسطول الصمود أوضح في رسالته أن ثقافة الصمود باللاعنف ليس عجزاً أو ضعفاً أو هروباً من النزاع وتجاهله، بل الهدف منه إبراز ظلم المحتل الصهيوني من جهة، وتأليب الرأي العام على هذا الظالم الذي أراد بالقوة التدميرية إلحاق الأذى بالشعب الفلسطيني وتقويض روح الصمود من جهة ثانية.

 من هنا يجب أن ندرك أن رسالة أسطول الصمود أعادت الأمل في تحقيق التغيير وفي بناء مجتمع قوي قادر على مواجهة التحديات من أجل مستقبل أفضل.

المواطنة في نظرية ولاية الفقيه رؤية حضارية معاصرة

الاثنين ١٨/مايو/٢٠٢٦ ١١:٤٤ ص

يشهد مفهوم المواطنة في الفكر السياسي المعاصر تحولات متسارعة نتيجة التطورات السياسية والاجتماعية والثقافية التي فرضتها العولمة والتغيرات الدولية الحديثة، الأمر الذي جعل المواطنة تتجاوز معناها التقليدي بوصفها رابطة قانونية بين الفرد والدولة، لتتحول إلى مفهوم شامل يرتبط بالهوية والانتماء والمشاركة والحقوق والواجبات والمسؤولية الاجتماعية. وقد دفعت هذه التحولات العديد من المدارس الفكرية إلى إعادة قراءة مفهوم المواطنة وفق مرجعياتها الحضارية والثقافية، ومن بين هذه المحاولات ما طرحه الفكر السياسي الإسلامي المعاصر من خلال نظرية ولاية الفقيه، التي سعت إلى تقديم رؤية تجمع بين المرجعية الإسلامية ومتطلبات الدولة الحديثة ضمن إطار حضاري وأخلاقي متكامل .
تنطلق المواطنة في نظرية ولاية الفقيه من تصور يرى الإنسان كائنًا يحمل بعدًا أخلاقيًا وحضاريًا، وليس مجرد فرد تربطه بالدولة علاقة قانونية أو إدارية. فالفرد في هذا النموذج يُنظر إليه بوصفه جزءًا من مجتمع قائم على منظومة من القيم المشتركة التي تستند إلى العدالة والكرامة الإنسانية والتكافل والمسؤولية الجماعية. ولذلك فإن المواطنة لا تُختزل في حدود الجغرافيا السياسية أو في مفهوم الجنسية فقط، بل ترتبط أيضًا بالانتماء إلى أمة تمتلك هوية ثقافية وحضارية تسعى إلى تحقيق الخير العام والاستقرار الاجتماعي .
وقد ارتبط مفهوم المواطنة في الفكر الغربي الحديث بظهور الدولة القومية التي قامت على أساس السيادة الوطنية والمساواة القانونية بين المواطنين، حيث أصبح الفرد يتمتع بحقوق مدنية وسياسية مقابل التزامه بمجموعة من الواجبات تجاه الدولة. غير أن هذا النموذج واجه تحديات عديدة مع تصاعد قضايا الهوية والتعددية الثقافية والدينية، مما دفع كثيرًا من المفكرين إلى البحث عن نماذج أكثر قدرة على تحقيق التوازن بين الخصوصية الثقافية ومتطلبات الدولة الحديثة. وفي هذا السياق، حاولت نظرية ولاية الفقيه تقديم تصور مختلف للمواطنة ينطلق من المرجعية الإسلامية، مع الاستفادة من مؤسسات الدولة الحديثة وآلياتها التنظيمية .
وتقوم هذه النظرية على مبدأ أن الشريعة الإسلامية تمثل المرجعية العليا للحياة السياسية والاجتماعية، وأن الدولة ينبغي أن تسعى إلى تحقيق العدالة وصيانة كرامة الإنسان وحفظ النظام العام. ومن هنا، فإن المواطنة في هذا التصور تكتسب بعدًا أخلاقيًا وحضاريًا يتجاوز الإطار الإداري أو القانوني، حيث يصبح المواطن شريكًا في بناء المجتمع وتحقيق أهدافه الحضارية، وليس مجرد تابع للسلطة السياسية. كما أن الدولة لا تُبنى على أساس الهيمنة أو السلطة المطلقة، وإنما على أساس المسؤولية والرعاية وتحقيق المصلحة العامة .
ويُعد مبدأ العدالة من أهم الأسس التي تقوم عليها المواطنة في نظرية ولاية الفقيه، إذ تُعتبر العدالة أساس شرعية النظام السياسي وغاية مؤسساته المختلفة. فالعدالة هنا لا تقتصر على تطبيق القانون بصورة شكلية، بل تشمل مختلف الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بما يضمن حفظ حقوق الإنسان وتحقيق التوازن داخل المجتمع. ولذلك تُرفض أشكال التمييز القائمة على العرق أو القومية أو الطبقة الاجتماعية، ويُنظر إلى الإنسان باعتباره كائنًا مكرمًا يمتلك حقوقًا أساسية يجب احترامها وصيانتها .
كما ترتبط المواطنة في هذا التصور بفكرة الهوية الحضارية المشتركة، حيث لا يُنظر إلى الانتماء الوطني بوصفه متعارضًا مع الانتماء الإسلامي، بل باعتباره جزءًا من إطار حضاري أوسع ينتمي إلى الأمة الإسلامية. وبهذا المعنى، تحاول نظرية ولاية الفقيه التوفيق بين مفهوم الدولة الوطنية الحديثة وبين مفهوم الأمة، من خلال اعتبار أن الانتماء الوطني يمثل مستوى مشروعًا من مستويات الانتماء، ما دام لا يتحول إلى أداة للتعصب أو الإقصاء أو الصراع الثقافي. ومن ثم فإن المواطنة تصبح وسيلة للحفاظ على الخصوصية الحضارية والثقافية، وفي الوقت نفسه إطارًا للتفاعل مع العالم الحديث والانفتاح على منجزاته .
ومن الجوانب المهمة في هذه الرؤية أيضًا التأكيد على المسؤولية الجماعية، إذ لا تقوم المواطنة على المطالبة بالحقوق فقط، بل تشمل كذلك الالتزام بالواجبات تجاه المجتمع والدولة. فالفرد في هذا النموذج مسؤول عن المساهمة في بناء المجتمع والدفاع عن استقراره والمشاركة في تحقيق التنمية والعدالة الاجتماعية. ولذلك تؤكد نظرية ولاية الفقيه على أهمية المشاركة السياسية والاجتماعية، وعلى ضرورة حضور المجتمع في عملية صناعة القرار، باعتبار أن الشرعية السياسية لا تنفصل عن إرادة الأمة وقبولها .
وفي البعد الاجتماعي، تسعى هذه النظرية إلى تعزيز قيم التكافل والتضامن وتحقيق العدالة الاجتماعية، انطلاقًا من قناعة مفادها أن الاستقرار السياسي لا يمكن أن يتحقق في ظل التفاوت الحاد والفقر والتهميش. ومن هنا تتحمل الدولة مسؤولية حماية الفئات الضعيفة، وتوفير مقومات الحياة الكريمة، وتحقيق التوازن الاقتصادي والاجتماعي بما يرسخ شعور الفرد بالانتماء والاستقرار. فالمواطنة الحقيقية لا تتحقق إلا عندما يشعر المواطن بأنه شريك فعلي في المجتمع، وأن حقوقه وكرامته مصانتان ضمن إطار من العدالة والمساواة .
أما في بعدها الحضاري، فإن نظرية ولاية الفقيه تسعى إلى تقديم نموذج أخلاقي وإنساني يواجه النزعات المادية التي هيمنت على كثير من النظم المعاصرة، حيث ترتبط المواطنة ببناء الإنسان الواعي بهويته الحضارية والقادر على التفاعل مع العالم من دون أن يفقد خصوصيته الثقافية والدينية. ولذلك تؤكد هذه الرؤية على أهمية العلم والعمل والإنتاج والوعي الثقافي باعتبارها عناصر أساسية في نهضة المجتمع وتقدمه .
ورغم ما تطرحه هذه النظرية من أبعاد حضارية وفكرية، فإنها تواجه تحديات معاصرة تتعلق بالعلاقة بين الدولة الوطنية ومفهوم الأمة، وبكيفية التوفيق بين المرجعية الدينية ومتطلبات الديمقراطية الحديثة وحقوق الإنسان والتعددية السياسية والثقافية. كما أن التحولات العالمية المتسارعة تفرض على مختلف النظريات السياسية إعادة تطوير مفاهيمها وآلياتها بما ينسجم مع المتغيرات الجديدة ويحافظ في الوقت نفسه على هويتها الفكرية والقيمية .
وفي ضوء ذلك، يمكن القول إن المواطنة في نظرية ولاية الفقيه تمثل محاولة فكرية لبناء رؤية سياسية وحضارية تجمع بين الهوية الإسلامية ومتطلبات الدولة الحديثة، وتسعى إلى تأسيس مجتمع يقوم على العدالة والكرامة الإنسانية والتكافل والمسؤولية المشتركة. كما تعكس هذه الرؤية سعي الفكر السياسي الإسلامي إلى تطوير مفاهيمه بما يتيح له التفاعل مع العالم المعاصر والمشاركة في إنتاج نموذج حضاري قادر على تحقيق التوازن بين الأصالة والمعاصرة، وبين الانتماء الديني ومتطلبات الدولة الحديثة .

عُمان بين الحكمة الدبلوماسية ومنطق التهديد السياسي

الأحد ٣١/مايو/٢٠٢٦ ١٠:٥٨ ص

في سياق التحولات العميقة التي يشهدها النظام الدولي المعاصر، لم تعد الأزمات السياسية تُقاس فقط بحجم الصراعات العسكرية أو التنافس الجيوسياسي، بل أصبحت تُقاس أيضًا بطبيعة الخطاب السياسي المنتج لهذه الصراعات، وبالمنظومات الفكرية التي تحدد كيفية إدارة النفوذ والعلاقات بين الدول. ومن هذا المنطلق، فإنّ أي خطاب تهديدي موجّه ضد سلطنة عُمان لا يمكن اختزاله في حدود التصريحات السياسية العابرة، بل ينبغي قراءته بوصفه تعبيرًا عن أزمة أعمق تتعلق بتراجع العقلانية السياسية وصعود منطق الهيمنة واستعراض القوة داخل العلاقات الدولية .

لقد شكّلت سلطنة عُمان، عبر تاريخها السياسي الحديث، نموذجًا استثنائيًا في البيئة الخليجية والإقليمية، إذ استطاعت أن تؤسس لسياسة خارجية تقوم على الاستقلالية الاستراتيجية، والحياد الإيجابي، وإدارة التوازنات الدقيقة بين القوى المتنافسة من دون الانخراط في مشاريع الاستقطاب الحاد أو التحالفات الصدامية. ولم يكن هذا النهج مجرد خيار تكتيكي مؤقت، بل كان تعبيرًا عن فلسفة سياسية متكاملة تدرك أنّ استقرار المنطقة لا يتحقق عبر عسكرة الخلافات، وإنما عبر بناء قنوات الحوار وتخفيف التوترات وإنتاج مساحات مشتركة للتفاهم السياسي .

ومن هنا، فإنّ استهداف عُمان بخطاب التهديد يكشف صدامًا بين رؤيتين متناقضتين في فهم السياسة الدولية: رؤية تؤمن بأنّ الشرعية السياسية تُبنى بالحوار واحترام السيادة والتوازن، ورؤية أخرى ترى أنّ فرض الإرادة بالقوة يمثل الوسيلة الأكثر فاعلية لإدارة النظام الدولي. غير أنّ التجربة التاريخية أثبتت أنّ منطق القوة المجردة عاجز عن إنتاج استقرار دائم، وأنّ الهيمنة التي لا تستند إلى شرعية أخلاقية وقانونية تتحول مع الزمن إلى عامل لإعادة إنتاج الأزمات بدلًا من احتوائها .

إنّ الخطاب السياسي القائم على التهديد لا يعكس بالضرورة فائض قوة بقدر ما يكشف أحيانًا عن أزمة في القدرة على إدارة النفوذ بوسائل عقلانية ومستقرة. فالقوى الكبرى حين تواجه تحولات في موازين القوة الدولية أو تحديات في فرض رؤيتها الأحادية، تلجأ في كثير من الأحيان إلى التصعيد الرمزي والعسكري لتعويض التراجع النسبي في قدرتها على التحكم بالمجال الجيوسياسي. ولذلك، فإنّ لغة التهديد تصبح أداة لإعادة إنتاج صورة الهيمنة أكثر من كونها تعبيرًا عن مشروع استقرار حقيقي .

وفي المقابل، تمثل عُمان حالة سياسية مختلفة في المنطقة؛ إذ لم تبنِ حضورها الإقليمي على منطق الاستقطاب أو صناعة الخصومات، بل على قدرتها في الحفاظ على خطوط التواصل مع مختلف الأطراف المتنازعة، وهو ما منحها مكانة استثنائية بوصفها وسيطًا موثوقًا وقوة توازن هادئة في بيئة إقليمية شديدة الاضطراب. وقد أثبتت التجربة أنّ الدبلوماسية العُمانية لعبت أدوارًا محورية في تخفيف التوترات وفتح قنوات للحوار في ملفات بالغة التعقيد، الأمر الذي جعل من السلطنة عنصرًا مهمًا في معادلة الاستقرار الإقليمي..

كما أنّ التحولات الكبرى في الفكر السياسي المعاصر تؤكد أنّ النفوذ الحقيقي لم يعد مرتبطًا فقط بالتفوق العسكري، بل بالقدرة على بناء الثقة وإنتاج الشرعية وصناعة النفوذ الناعم. وفي هذا السياق، استطاعت عُمان أن تفرض حضورها السياسي عبر رصيدها الأخلاقي والدبلوماسي، لا عبر استعراض القوة أو التورط في سياسات المغامرة والصدام. وهذا ما منحها احترامًا دوليًا تجاوز حدود إمكاناتها المادية والجغرافية .

إنّ أخطر ما في الخطابات التهديدية أنّها لا تستهدف دولة بعينها فقط، بل تستهدف فكرة الاستقرار القائم على التوازن والحوار. ولذلك، فإنّ الدفاع عن النهج العُماني لا يمثل دفاعًا عن سياسة دولة فحسب، بل دفاعًا عن نموذج سياسي يؤمن بأنّ الأمن الإقليمي لا يتحقق عبر الإكراه والهيمنة، وإنما عبر احترام السيادة وبناء التفاهمات المشتركة .

وفي النهاية، تبقى عُمان نموذجًا للدولة التي استطاعت أن تحافظ على استقلال قرارها السياسي وسط بيئة إقليمية مضطربة، وأن تبني مكانتها الدولية بالحكمة لا بالضجيج، وبالعقلانية لا بالمغامرة، وبالدبلوماسية لا بالاستعراض العسكري. ولهذا، فإنّ أي محاولة لفرض منطق التهديد عليها تكشف في جوهرها أزمة في فهم معنى القوة السياسية الحديثة، وعجزًا عن إدراك أنّ الاستقرار الحقيقي يبدأ من احترام الدول لا من إخضاعها .

الوقف أمانة لا ملكية.. قراءة في حدود التنظيم المؤسسي

الاثنين ٠٨/يونيو/٢٠٢٦ ١٠:١٢ ص

تُعدّ الأوقاف من أهم المؤسسات الحضارية في التاريخ الإسلامي، إذ أسهمت عبر القرون في تمويل التعليم والرعاية الاجتماعية والخدمات الدينية، وشكّلت نموذجًا مستدامًا للعمل الخيري القائم على تخصيص المال لتحقيق منفعة عامة أو خاصة بصورة دائمة.

وقد استمد الوقف خصوصيته من ارتباطه بإرادة الواقف الذي يحدد الغاية التي تُصرف إليها منافعه، فتتحول هذه الإرادة إلى التزام شرعي وقانوني ينبغي احترامه والمحافظة عليه.

ومن هذا المنطلق، احتلت شروط الواقفين مكانة مركزية في الفقه الإسلامي، لأنها تمثل التعبير العملي عن المقصد الذي أنشئ الوقف من أجله. فاستمرار الثقة المجتمعية في نظام الوقف يرتبط بمدى الاطمئنان إلى أن الأموال الموقوفة ستبقى مخصصة للأغراض التي حددها الواقفون، وأنها لن تتحول مع مرور الزمن إلى أغراض أخرى تخالف مقاصدهم أو تفرغ الوقف من مضمونه.

ومع تطور المجتمعات وتعقد الأنشطة الاقتصادية والإدارية، برزت الحاجة إلى تنظيم مؤسسي يتولى الإشراف على الأوقاف وحماية أصولها وضمان حسن إدارتها واستثمارها. فالتنظيم المؤسسي أصبح ضرورة للحفاظ على المال الوقفي ومنع التعديات عليه وتحقيق أعلى درجات الكفاءة والشفافية في إدارته. غير أن أهمية التنظيم لا تعني أنه مصدر للحق الوقفي أو مالك للأموال الموقوفة، بل إنه أداة لحمايتها وصيانتها.

وهنا تبرز ضرورة التمييز بين الإشراف والملكية. فخضوع الوقف لجهة منظمة أو مشرفة لا يؤدي إلى انتقال ملكية الأعيان الوقفية إليها، كما أن تسجيل الوقف في السجلات الرسمية لا يُنشئ حقًا للجهة المشرفة في ملكية العقار الوقفي، وإنما يهدف إلى توثيق صفته الوقفية وحمايته من النزاعات والادعاءات والتعديات. فالتنظيم المؤسسي يمارس دور الحارس والأمين على الوقف، لا دور المالك له، وتبقى هوية الوقف ومقاصده مرتبطة بالإرادة الوقفية التي أنشأته.

ومن الناحية القانونية، فإن حماية الأوقاف لا تقتصر على المحافظة على أصولها المادية، بل تشمل أيضًا حماية شخصيتها الاعتبارية ووظيفتها الاجتماعية والحقوق المرتبطة بها. فالأوقاف ليست مجرد عقارات أو أموال قابلة للاستثمار، وإنما مؤسسات ذات رسالة دينية واجتماعية وثقافية ينبغي أن تبقى حاضرة في مختلف السياسات التنظيمية المتعلقة بها.

ولهذا فإن نجاح أي نظام مؤسسي يقاس بقدرته على تحقيق التوازن بين مقتضيات الإدارة الحديثة ومتطلبات الوفاء للمقاصد الوقفية الأصلية.

كما أن للأوقاف بعدًا اجتماعيًا وحضاريًا يتجاوز قيمتها المالية. فهي تمثل جزءًا من الذاكرة الجماعية للمجتمعات وتجسد قيم التكافل والمسؤولية الاجتماعية التي دفعت الواقفين إلى تخصيص جزء من أموالهم لخدمة الصالح العام. ولذلك فإن حماية الوقف تعني في الوقت ذاته حماية إرث اجتماعي وثقافي تراكم عبر الأجيال وأسهم في بناء مؤسسات المجتمع واستقراره.

وعليه، فإن العلاقة بين الإرادة الوقفية والتنظيم المؤسسي يجب أن تقوم على التكامل لا التنازع. فالإرادة الوقفية تمنح الوقف مشروعيته ومقصده، بينما يوفر التنظيم المؤسسي الوسائل اللازمة لحمايته واستدامته. وكلما نجح النظام القانوني والإداري في احترام شروط الواقفين والمحافظة على الهوية الوقفية للأعيان الموقوفة، ازدادت قدرته على تحقيق الثقة والاستقرار وضمان استمرار الوقف في أداء رسالته الدينية والاجتماعية.

إن الحماية الحقيقية للأوقاف لا تتحقق بمجرد إخضاعها للتنظيم الإداري، وإنما تتحقق عندما يُنظر إلى التنظيم بوصفه وسيلة لصيانة الوقف لا لتغيير طبيعته، وعندما تُمارس السلطة الإشرافية باعتبارها أمانة ومسؤولية لا حقًا في التملك أو التصرف خارج حدود المقاصد التي أنشئ الوقف من أجلها. فالتوازن بين الإرادة الوقفية والتنظيم المؤسسي هو الضمانة الأساسية لاستمرار الوقف وحفظ رسالته للأجيال القادمة.

الوقف أمانة لا ملكية

الاثنين ٠٨/يونيو/٢٠٢٦ ١٠:١٢ ص

تُعدّ الأوقاف من أهم المؤسسات الحضارية في التاريخ الإسلامي، إذ أسهمت عبر القرون في تمويل التعليم والرعاية الاجتماعية والخدمات الدينية، وشكّلت نموذجًا مستدامًا للعمل الخيري القائم على تخصيص المال لتحقيق منفعة عامة أو خاصة بصورة دائمة.

وقد استمد الوقف خصوصيته من ارتباطه بإرادة الواقف الذي يحدد الغاية التي تُصرف إليها منافعه، فتتحول هذه الإرادة إلى التزام شرعي وقانوني ينبغي احترامه والمحافظة عليه.

ومن هذا المنطلق، احتلت شروط الواقفين مكانة مركزية في الفقه الإسلامي، لأنها تمثل التعبير العملي عن المقصد الذي أنشئ الوقف من أجله. فاستمرار الثقة المجتمعية في نظام الوقف يرتبط بمدى الاطمئنان إلى أن الأموال الموقوفة ستبقى مخصصة للأغراض التي حددها الواقفون، وأنها لن تتحول مع مرور الزمن إلى أغراض أخرى تخالف مقاصدهم أو تفرغ الوقف من مضمونه.

ومع تطور المجتمعات وتعقد الأنشطة الاقتصادية والإدارية، برزت الحاجة إلى تنظيم مؤسسي يتولى الإشراف على الأوقاف وحماية أصولها وضمان حسن إدارتها واستثمارها. فالتنظيم المؤسسي أصبح ضرورة للحفاظ على المال الوقفي ومنع التعديات عليه وتحقيق أعلى درجات الكفاءة والشفافية في إدارته. غير أن أهمية التنظيم لا تعني أنه مصدر للحق الوقفي أو مالك للأموال الموقوفة، بل إنه أداة لحمايتها وصيانتها.

وهنا تبرز ضرورة التمييز بين الإشراف والملكية. فخضوع الوقف لجهة منظمة أو مشرفة لا يؤدي إلى انتقال ملكية الأعيان الوقفية إليها، كما أن تسجيل الوقف في السجلات الرسمية لا يُنشئ حقًا للجهة المشرفة في ملكية العقار الوقفي، وإنما يهدف إلى توثيق صفته الوقفية وحمايته من النزاعات والادعاءات والتعديات. فالتنظيم المؤسسي يمارس دور الحارس والأمين على الوقف، لا دور المالك له، وتبقى هوية الوقف ومقاصده مرتبطة بالإرادة الوقفية التي أنشأته.

ومن الناحية القانونية، فإن حماية الأوقاف لا تقتصر على المحافظة على أصولها المادية، بل تشمل أيضًا حماية شخصيتها الاعتبارية ووظيفتها الاجتماعية والحقوق المرتبطة بها. فالأوقاف ليست مجرد عقارات أو أموال قابلة للاستثمار، وإنما مؤسسات ذات رسالة دينية واجتماعية وثقافية ينبغي أن تبقى حاضرة في مختلف السياسات التنظيمية المتعلقة بها.

ولهذا فإن نجاح أي نظام مؤسسي يقاس بقدرته على تحقيق التوازن بين مقتضيات الإدارة الحديثة ومتطلبات الوفاء للمقاصد الوقفية الأصلية.

كما أن للأوقاف بعدًا اجتماعيًا وحضاريًا يتجاوز قيمتها المالية. فهي تمثل جزءًا من الذاكرة الجماعية للمجتمعات وتجسد قيم التكافل والمسؤولية الاجتماعية التي دفعت الواقفين إلى تخصيص جزء من أموالهم لخدمة الصالح العام. ولذلك فإن حماية الوقف تعني في الوقت ذاته حماية إرث اجتماعي وثقافي تراكم عبر الأجيال وأسهم في بناء مؤسسات المجتمع واستقراره.

وعليه، فإن العلاقة بين الإرادة الوقفية والتنظيم المؤسسي يجب أن تقوم على التكامل لا التنازع. فالإرادة الوقفية تمنح الوقف مشروعيته ومقصده، بينما يوفر التنظيم المؤسسي الوسائل اللازمة لحمايته واستدامته. وكلما نجح النظام القانوني والإداري في احترام شروط الواقفين والمحافظة على الهوية الوقفية للأعيان الموقوفة، ازدادت قدرته على تحقيق الثقة والاستقرار وضمان استمرار الوقف في أداء رسالته الدينية والاجتماعية.

إن الحماية الحقيقية للأوقاف لا تتحقق بمجرد إخضاعها للتنظيم الإداري، وإنما تتحقق عندما يُنظر إلى التنظيم بوصفه وسيلة لصيانة الوقف لا لتغيير طبيعته، وعندما تُمارس السلطة الإشرافية باعتبارها أمانة ومسؤولية لا حقًا في التملك أو التصرف خارج حدود المقاصد التي أنشئ الوقف من أجلها. فالتوازن بين الإرادة الوقفية والتنظيم المؤسسي هو الضمانة الأساسية لاستمرار الوقف وحفظ رسالته للأجيال القادمة.

ثقافة الكراهية في ميزان كربلاء

الأحد ٢١/يونيو/٢٠٢٦ ١٠:٣٤ ص

لم تكن النهضة الحسينية انتفاضةً عابرةً في مواجهة سلطةٍ جائرة، ولا حدثًا تاريخيًا محدودًا بزمانه ومكانه، بل كانت مشروعًا إصلاحيًا متكاملًا يهدف إلى بناء الإنسان وصناعة الوعي وترسيخ القيم التي تحفظ للمجتمع توازنه واستقراره. فقد أدرك الإمام الحسين عليه السلام أن الأزمات الكبرى التي تعصف بالأمم لا تنشأ من ظلم الحكام وحده، بل من وجود بيئة فكرية وأخلاقية تسمح للظلم بأن يتحول إلى واقعٍ مقبول، وتُضعف قدرة الناس على التمييز بين الحق والباطل. ومن أخطر ما تنتجه هذه البيئة ثقافة الكراهية التي تُعطّل العقل، وتُغيب البصيرة، وتُحوّل الاختلاف الطبيعي بين الناس إلى حالةٍ من العداء والصراع الدائم.

إن الكراهية ليست مجرد شعورٍ عابر، بل هي منظومة فكرية ونفسية واجتماعية تُبنى عبر التراكم والتوجيه والتحريض. فعندما يُربّى الإنسان على النظر إلى الآخرين بوصفهم خصومًا لا شركاء في الإنسانية، وعندما يُصوَّر الاختلاف الفكري أو المذهبي أو السياسي على أنه تهديد وجودي، تتحول المجتمعات إلى بيئات خصبة للانقسام والعنف والتنازع. وفي مثل هذه الأجواء سيفقد الإنسان حتما قدرته على التفكير الموضوعي، ويصبح أكثر استعدادًا لتصديق الشائعات، وتبني الأحكام المسبقة، والانجرار وراء دعايات التحريض والكراهية.

وقد شهد العالم المعاصر نماذج عديدة تؤكد خطورة هذه الثقافة؛ فكم من صراعاتٍ وحروبٍ أهلية بدأت بخطابٍ إعلامي يقوم على شيطنة الآخر وتجريده من إنسانيته، وكم من مجتمعاتٍ فقدت استقرارها بسبب حملات التحريض التي غذّت العصبيات وأشعلت الفتن بين أبناء الوطن الواحد. واليوم، ومع اتساع فضاء التواصل الاجتماعي، أصبحت الكراهية منتشر بسرعة غير مسبوقة عبر الشائعات، والمقاطع المجتزأة، والجيوش الإلكترونية التي تعمل على صناعة الانقسام وتأجيج الخصومات لتحقيق أهداف سياسية أو فكرية أو مصلحية ضيقة.

ومن هنا نفهم جانبًا مهمًا من أبعاد النهضة الحسينية. فقد واجه الإمام الحسين عليه السلام واقعًا لم يكن الخلل فيه سياسيًا فقط، بل كان خللًا في الوعي الجمعي الذي سمح للباطل بأن يتلبس ثوب الحق، وللظالم أن يُقدَّم بوصفه حاميًا للدين والمجتمع. ولذلك لم يقتصر مشروعه على الاعتراض السياسي، بل انطلق في الأساس من مهمة التوعية وكشف الحقائق وإحياء الضمير الإنساني. ولهذا نجد أن خطابه كان خطابًا عقلانيًا أخلاقيًا يقوم على إقامة الحجة وإيقاظ الوعي، لا على إثارة الأحقاد أو تأجيج مشاعر الانتقام.

لقد حرص الإمام الحسين عليه السلام في مختلف مراحل نهضته على مخاطبة العقول والقلوب معًا، فكان يدعو الناس إلى التأمل في مواقفهم، ومراجعة ضمائرهم، وعدم الانسياق وراء الدعاية والتضليل. ولم يكن هدفه الانتصار على خصومه بقدر ما كان هدفه إنقاذ الإنسان من الوقوع في مستنقع الانحراف الأخلاقي والفكري. ولذلك بقيت كلماته ومواقفه شاهدةً على أن الإصلاح الحقيقي يبدأ من تحرير الإنسان من الخوف والتعصب والكراهية قبل أي شيء آخر.

وتتجلى عظمة هذا المنهج في أن الإمام الحسين عليه السلام لم يتعامل مع خصومه بمنطق الإلغاء أو التجريد من الإنسانية. فعلى الرغم من كل ما تعرض له من حصارٍ وضغوط وتهديدات، ظل محافظًا على أخلاقه ومبادئه، مؤكدًا أن الصراع مع الظلم لا يعني التخلي عن القيم الإنسانية. لقد كان الفرق واضحًا بين موقفٍ يسعى إلى نصرة الحق والعدل، وموقفٍ يقوم على الحقد والكراهية. ومن هنا أصبحت كربلاء درسًا خالدًا في كيفية الفصل بين مقاومة الظلم وبين السقوط في دائرة الانتقام الأعمى.

وفي واقعنا المعاصر تبدو هذه الرسالة أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى، إذ يشهد العالم اليوم انتشارًا واسعًا لخطابات الكراهية في مختلف المجالات، ولا سيما عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تُنشر حملات التشهير والتحريض وإثارة الانقسامات المذهبية والفكرية، وتتحول الكلمة أحيانًا إلى أداة لهدم العلاقات الاجتماعية بدل بنائها. وفي هذا الفضاء الرقمي المتسارع تُستخدم الصور المجتزأة والمعلومات المضللة والخطابات العاطفية لإشعال الانفعالات وتأجيج الخصومات بين أبناء المجتمع الواحد، حتى يغدو الاختلاف سببًا للصراع بدل أن يكون مساحةً للتنوع والتكامل.

وفي مقابل هذا الواقع تقدّم كربلاء نموذجًا أخلاقيًا رفيعًا في إدارة الاختلاف ومواجهة الانحراف من دون الوقوع في فخ الكراهية. فهي تعلمنا أن الدفاع عن المبادئ لا يحتاج إلى خطابٍ عدائي، بل إلى وضوح رؤية وقوة حجة ونقاء مقصد، وأن الحوار يبقى وسيلةً أساسيةً لفهم الآخر والتعايش معه، وأن الكرامة الإنسانية قيمة لا يجوز المساس بها مهما اشتدت الخلافات.

إن من أهم الدروس المستفادة من النهضة الحسينية أن الوعي هو السلاح الأول في مواجهة الكراهية؛ فكلما ازداد الإنسان وعيًا قلّ تأثره بالدعاية المضللة، وازدادت قدرته على التمييز بين الحقيقة والزيف، وبين النقد الموضوعي والتحريض الممنهج. والوعي هنا ليس معرفةً سطحية، بل قدرة على التفكير النقدي وبناء الموقف على أساسٍ من الفهم والبصيرة، امتثالًا لقوله تعالى في سورة الحجرات ٱية 6: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾.

كما تؤكد كربلاء أن بناء المجتمعات لا يقوم على القوانين وحدها، بل على منظومة أخلاقية تعزز الاحترام المتبادل والتسامح والرحمة، وتغرس في الإنسان الشعور بالمسؤولية تجاه الآخرين. فالمجتمع الذي يفقد أخلاقه يفقد تماسكه، حتى لو امتلك أقوى الأنظمة وأعظم الإمكانات.

إن العالم اليوم بأمسّ الحاجة إلى استلهام هذه الرسالة الحسينية العميقة؛ لأن معركة العصر لم تعد فقط معركة سلاح أو سياسة، بل أصبحت معركة وعي وقيم. وفي هذه المعركة تبقى كربلاء مدرسةً خالدةً تعلم الإنسان كيف يقف في وجه الظلم من دون أن يتحول إلى ظالم، وكيف يرفض الكراهية من دون أن يفقد إنسانيته، وكيف يصنع من الاختلاف طريقًا للبناء لا للهدم.

لقد أثبتت النهضة الحسينية أن الإصلاح الحقيقي لا يتحقق بالقوة وحدها، بل ببناء الإنسان الحر الواعي القادر على مقاومة الظلم والانحراف والكراهية معًا. ولهذا بقيت كربلاء منارةً خالدةً تهدي الأجيال إلى قيم العدالة والكرامة والرحمة والوحدة، وتؤكد أن المجتمعات القوية ليست تلك التي تنتصر على خصومها فحسب، بل تلك التي تنتصر على أسباب الفرقة والكراهية داخلها، وتبني مستقبلها على أساس الوعي والمحبة والتعاون والاحترام المتبادل.

المجالس الأهلية بين الملكية الخاصة والوقف

الخميس ٠٩/يوليو/٢٠٢٦ ١٢:٠٩ م

يُعدّ التكييف القانوني من القواعد الأساسية في الفقه والقضاء، إذ يقوم على إضفاء الوصف القانوني الصحيح على الوقائع والتصرفات وفق حقيقتها الموضوعية، لا وفق الأسماء المتداولة أو الأوصاف العرفية التي يطلقها الناس عليها. فالعبرة ليست بما يُقال عن الشيء، وإنما بماهيته القانونية، وبالأركان والشروط التي يقوم عليها، وبالآثار التي يرتبها النظام القانوني عليه. ومن ثمّ، فإن تحديد الوصف القانوني لأي واقعة لا يكون بالانطباع الاجتماعي أو بطبيعة النشاط الظاهر، بل بمدى تحقق عناصره القانونية المقررة.

وتبرز أهمية هذا المبدأ عند التمييز بين الوقف، بوصفه نظامًا قانونيًا وشرعيًا مستقلًا، وبين المجالس الأهلية التي تمثل ممارسة اجتماعية وثقافية ودينية متوارثة. فالوقف لا يثبت بمجرد تخصيص مكان لإقامة نشاط ديني أو اجتماعي، ولا بمجرد تكرار استعماله لهذا الغرض، وإنما يقوم على تصرف قانوني مخصوص يخرج المال من دائرة الملكية العادية إلى نظام قانوني خاص، مع ما يقتضيه ذلك من توافر الأركان والشروط المقررة شرعًا وقانونًا. أما المجالس الأهلية، فهي في حقيقتها تجمعات تُقام داخل ملكية خاصة، ولا يترتب على انعقادها بذاته أي تغيير في الطبيعة القانونية للعقار.

وعليه، فإن المنازل التي تُقام فيها مجالس الذكر، أو حلقات القرآن، أو اللقاءات الدينية، أو الندوات الثقافية، أو المجالس الاجتماعية، لا تُعد وقفًا لمجرد انتظام هذه الأنشطة أو استمرارها زمنًا طويلًا. فثبوت صفة الوقف لا يكون بالاستعمال المتكرر، وإنما بتصرف قانوني واضح تتوافر فيه إرادة الواقف في تخصيص المال تخصيصًا دائمًا وفق الأحكام المنظمة للوقف. فإذا بقي العقار على ملك صاحبه، ولم يثبت انتقاله إلى نظام الوقف، فإنه يظل محتفظًا بوصفه القانوني الأصلي، ولا يكتسب صفة قانونية جديدة بسبب طبيعة ما يُمارس داخله.

كما يقتضي التكييف القانوني الفصل بين النشاط والمكان، وعدم الخلط بين طبيعة الفعالية المقامة داخل العقار وبين المركز القانوني للعقار نفسه.

فإقامة مجلس علم، أو مجلس عزاء، أو مناسبة دينية، أو لقاء اجتماعي داخل منزل خاص، لا تؤدي إلى تحويله إلى وقف أو دار عبادة، لأن هذه الأوصاف لا تثبت بمجرد الاستعمال، وإنما بقيام سببها القانوني الصحيح. فالمكان لا يتغير وصفه القانوني لمجرد أنشطة تُمارس فيه، ما دام لم يصدر بشأنه تصرف منشئ للأثر القانوني المطلوب.

وقد جرى العرف في المجتمعات الإسلامية على استخدام المنازل والمجالس الخاصة لاستضافة المجالس الدينية والثقافية، وحلقات العلم، ومجالس الإصلاح والتشاور، باعتبارها جزءًا من الموروث الاجتماعي، من دون أن يترتب على ذلك اكتساب تلك المنازل وصفًا قانونيًا مغايرًا لطبيعتها الأصلية. فالممارسة الاجتماعية، مهما كانت متكررة أو راسخة، لا تنشئ بذاتها مركزًا قانونيًا جديدًا، ما لم تقترن بتصرف قانوني يترتب عليه هذا الأثر.

ومن ثمّ، فإن الخلط بين النشاط والوصف القانوني للعقار يؤدي إلى نتائج غير منسجمة مع قواعد التكييف القانوني، لأنه يفضي إلى ترتيب آثار قانونية على وقائع مادية لم تستوفِ أسبابها المنشئة. فليس كل مكان تُقام فيه المجالس الدينية أو تُتلى فيه آيات القرآن أو تُعقد فيه المناسبات الدينية يصبح وقفًا أو مؤسسة دينية، لأن الوصف القانوني لا يستمد من موضوع النشاط، وإنما من حقيقة التصرف القانوني الذي أنشأه.

وبناءً على ذلك، فإن سلامة التكييف القانوني تقتضي التمييز بين الوقف باعتباره نظامًا قانونيًا مستقلًا له أركانه وآثاره الخاصة، وبين المجالس الأهلية باعتبارها صورة من صور التنظيم الاجتماعي والثقافي والديني. وهذا التمييز يحفظ دقة المفاهيم القانونية، ويمنع إسباغ أوصاف لا سند لها على وقائع لا تستوفي شروطها، ويؤكد أن العبرة في القانون بحقيقة التصرف وآثاره، لا بطبيعة النشاط الذي يُمارس فيه أو بالوصف الذي جرى العرف على إطلاقه.

بعد 250 عامًا… هل تدخل الولايات المتحدة مرحلة الأفول الإمبراطوري؟

الثلاثاء ١٤/يوليو/٢٠٢٦ ١٢:٠٥ م

يكشف التاريخ أن انتقال القيادة بين القوى الكبرى لم يكن يومًا حدثًا مفاجئًا أو نتيجة أزمة منفردة، بل كان حصيلة مسار تاريخي طويل تتفاعل فيه التحولات الداخلية مع المتغيرات الدولية. فالإمبراطوريات لا تفقد مكانتها بسبب هزيمة عسكرية واحدة، ولا نتيجة ركود اقتصادي عابر، وإنما عندما تتراجع قدرتها على تحويل مواردها الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية إلى نفوذ سياسي مستدام، وتتآكل الأسس التي قامت عليها شرعيتها الداخلية والخارجية .

ومن هذا المنطلق، لم يعد السؤال الرئيس في الدراسات الاستراتيجية يتمثل في ما إذا كانت الولايات المتحدة لا تزال تمتلك أكبر قوة عسكرية أو أحد أكبر الاقتصادات في العالم، بل فيما إذا كانت قادرة على المحافظة على المقومات البنيوية التي أرست هيمنتها منذ نهاية الحرب الباردة. فالهيمنة لا تقوم على امتلاك أدوات القوة وحدها، وإنما على القدرة على توظيفها بفاعلية، والحفاظ على شرعية القيادة الدولية، وإدارة التوازن بين الالتزامات الخارجية والاستقرار الداخلي ..

عندما طرح فرانسيس فوكوياما أطروحته حول «نهاية التاريخ» عام 1992، كانت الولايات المتحدة تعيش ذروة تفوقها الاستراتيجي. فقد أدى انهيار الاتحاد السوفيتي إلى نشوء نظام أحادي القطبية، وبدا النموذج الليبرالي وكأنه الإطار النهائي لتنظيم العلاقات الدولية. غير أن تلك المرحلة مثلت لحظة تاريخية استثنائية أكثر مما مثلت قانونًا دائمًا في تطور النظام الدولي .

وخلال العقود الثلاثة اللاحقة، بدأت موازين القوى العالمية تشهد تحولات عميقة. فقد صعدت الصين بوصفها منافسًا اقتصاديًا وتكنولوجيًا وجيوسياسيًا، واستعادت روسيا جانبًا مهمًا من حضورها العسكري والدبلوماسي، كما برزت قوى إقليمية تمتلك قدرة متزايدة على التأثير في محيطها الاستراتيجي، وفي مقدمتها إيران التي نجحت، رغم العقوبات والضغوط الدولية، في ترسيخ حضورها بوصفها قوة إقليمية مؤثرة عبر تطوير قدراتها العسكرية والصاروخية، وتعزيز نفوذها السياسي والأمني في عدد من ملفات الشرق الأوسط، وهو ما جعلها طرفًا لا يمكن تجاوزه في كثير من معادلات الإقليم. ويعكس هذا الواقع اتساع هامش استقلالية القوى الإقليمية وتراجع قدرة أي قوة دولية منفردة على احتكار إدارة التوازنات الدولية .

ومع ذلك، فإن التحدي الأكثر تأثيرًا في مستقبل الولايات المتحدة لا يكمن في صعود منافسيها وحدهم، بل في التحولات البنيوية داخلها. فالاستقطاب السياسي تجاوز حدود المنافسة الحزبية التقليدية ليصبح خلافًا حول طبيعة الدولة، وتفسير الدستور، وحدود السلطة الاتحادية، ومفهوم الهوية الوطنية، بما يعكس تراجعًا في مستوى التوافق السياسي والاجتماعي الذي شكل أحد أهم مصادر القوة الأمريكية ..

ويتزامن ذلك مع تصاعد الدين العام، وارتفاع كلفة الانتشار العسكري العالمي، واحتدام المنافسة في مجالات التكنولوجيا المتقدمة، وإعادة تشكيل سلاسل الإمداد، والتحولات التي يشهدها الاقتصاد الدولي. وهذه المؤشرات لا تعني انهيارًا اقتصاديًا وشيكًا، لكنها تدل على أن الحفاظ على موقع القيادة العالمية أصبح أكثر كلفة وتعقيدًا من أي وقت مضى .

وفي الوقت نفسه، لم تعد أدوات الهيمنة التقليدية تحقق النتائج نفسها التي حققتها في العقود السابقة. فالعقوبات الاقتصادية، والتدخلات العسكرية، والضغوط السياسية، أصبحت تواجه حدودًا متزايدة في عالم يتجه تدريجيًا نحو تعددية مراكز القوة. كما أن الإفراط في استخدام القوة، أو التنصل من الالتزامات القانونية والدولية التي أسهمت الولايات المتحدة في ترسيخها بعد الحرب العالمية الثانية، يؤدي إلى تآكل شرعية القيادة الدولية، ويضعف الثقة بالنظام الذي تتزعمه. فالتاريخ يبين أن الشرعية لا تقل أهمية عن القوة، وأن القوة التي تنفصل عن الشرعية تتحول مع الزمن إلى مصدر استنزاف أكثر منها أداة للهيمنة .

ومن منظور نظري، تبدو أفكار ابن خلدون ذات أهمية خاصة في تفسير هذه المرحلة؛ إذ رأى أن الدول تبلغ ذروة قوتها عندما تمتلك عصبية جامعة توحد المجتمع حول مشروع سياسي مشترك، بينما تبدأ رحلة التراجع عندما تتآكل روابط التضامن الداخلي ويتقدم الانقسام على التوافق الوطني. وتتقاطع هذه الرؤية مع ما طرحه أوزوالد شبنغلر حول دورة الحضارات، ومع تحليل أرنولد توينبي الذي ربط استمرار الحضارات بقدرة نخبها على الاستجابة للتحديات التاريخية، كما تنسجم مع أطروحة بول كينيدي التي ترى أن التوسع الاستراتيجي المفرط قد يحول عناصر القوة نفسها إلى مصدر استنزاف عندما تتجاوز الالتزامات الخارجية القدرة الاقتصادية على تمويلها .

وفي ضوء هذه الأطر النظرية، تبدو الولايات المتحدة أمام اختبار تاريخي لا يتعلق بحجم قوتها الراهنة، بل بقدرتها على تجديد مصادر هذه القوة، واستعادة تماسكها الداخلي، وإعادة تعريف دورها الدولي بما يتناسب مع بيئة استراتيجية تتسم بتعدد مراكز النفوذ، وصعود قوى دولية وإقليمية أصبحت تمتلك هامشًا أوسع من الاستقلالية والتأثير .

ومن هنا، فإن السؤال الأكثر أهمية ليس: هل ستنهار الولايات المتحدة؟ فهذا سؤال لا يمكن الإجابة عنه بيقين، وإنما: هل تستطيع التكيف مع التحولات البنيوية التي يشهدها النظام الدولي، وتجديد مؤسساتها، والمواءمة بين القوة والشرعية في إدارة علاقاتها الدولية؟

إن مستقبل النظام الدولي لن يتحدد بحجم القوة الأمريكية وحده، بل بقدرة القوى الكبرى والإقليمية على إعادة صياغة توازنات جديدة. وإذا نجحت الولايات المتحدة في تجديد مشروعها الداخلي وتكييف استراتيجيتها مع هذا الواقع، فقد تستمر بوصفها القوة الأكثر تأثيرًا، وإن لم تعد القوة المنفردة المهيمنة. أما إذا استمرت المؤشرات البنيوية الحالية من دون معالجة، فإن العالم قد يشهد انتقالًا متدرجًا نحو نظام دولي متعدد الأقطاب، تتقاسم فيه القوى الكبرى، إلى جانب قوى إقليمية صاعدة مثل إيران، أدوارًا أكبر في رسم معادلات الأمن والسياسة والاقتصاد .

وبذلك، فإن القضية ليست التنبؤ بانهيار الولايات المتحدة، وإنما فهم ما إذا كانت قد دخلت مرحلة الأفول الإمبراطوري؛ وهي المرحلة التي تنتقل فيها الدولة من موقع الهيمنة المنفردة إلى موقع المنافسة داخل نظام دولي أكثر توازنًا وتعددًا. والتاريخ لا يمنح أي قوة حصانة دائمة، لكنه يمنحها دائمًا فرصة لإعادة بناء أسباب قوتها قبل أن تفرض عليها التحولات الدولية واقعًا جديدًا

إيران تحاصر القواعد الأمريكية: عندما يتحول الانتشار العسكري إلى عبء استراتيجي

الخميس ٢٣/يوليو/٢٠٢٦ ١١:٥٨ ص
لم تعد القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في غرب آسيا مجرد مواقع عسكرية تهدف إلى حماية المصالح الاستراتيجية لواشنطن، بل أصبحت جزءًا من معادلة سياسية وأمنية أكثر تعقيدًا ترتبط بمستقبل النفوذ الأمريكي وطبيعة النظام الدولي المتغير. فبعد عقود من الانتشار العسكري الواسع، يبرز سؤال جوهري: هل ما زالت هذه القواعد تمثل مصدر قوة للولايات المتحدة، أم أنها بدأت تتحول تدريجيًا إلى عبء استراتيجي يفرض تكاليف متزايدة على واشنطن وعلى الدول التي تستضيفها؟

يُظهر التاريخ أن تراجع القوى الكبرى لا يحدث دائمًا نتيجة هزيمة عسكرية مباشرة، بل قد يبدأ عندما تتحول أدوات القوة إلى أعباء تستنزف الموارد والقدرة على المناورة السياسية. فالإمبراطوريات لا تفقد نفوذها فقط عندما يظهر منافسون أقوياء، وإنما عندما تصبح المحافظة على منظومة الهيمنة أكثر كلفة من الفوائد التي تحققها.

ومن هذا المنظور، فإن الصراع الأمريكي الإيراني لا يمكن قراءته باعتباره مواجهة عسكرية محدودة، بل باعتباره تنافسًا طويل الأمد حول النفوذ والشرعية وطبيعة التوازنات الإقليمية. وترى طهران وحلفاؤها أن الولايات المتحدة أخفقت في تحقيق العديد من أهدافها الاستراتيجية تجاه إيران، وأن أدوات الضغط والردع التي اعتمدت عليها لم تؤدِّ إلى تغيير موازين القوة بالشكل الذي كانت تطمح إليه. ووفق هذه الرؤية، انتقل الصراع من محاولة فرض التفوق العسكري المباشر إلى مرحلة تقوم على استنزاف القدرة السياسية والأمنية على استمرار النفوذ.

فالقوة العسكرية، مهما بلغت، لا تعمل في فراغ؛ فهي تحتاج إلى بيئة سياسية واجتماعية تسمح باستمرارها. وعندما تتحول القواعد العسكرية من أدوات لحماية المصالح إلى نقاط تستدعي إجراءات أمنية مكلفة وتثير جدلًا سياسيًا داخليًا، فإن وظيفتها الاستراتيجية تبدأ في التغير.

يرى عالم السياسة جوزيف ناي أن القوة الحديثة لا تقوم فقط على التفوق العسكري، بل تعتمد أيضًا على القدرة على بناء القبول والتأثير والإقناع. فالدولة قد تمتلك قوة عسكرية هائلة، لكنها تواجه صعوبات في الحفاظ على نفوذها إذا فقدت قدرتها على إنتاج صورة مقبولة عن وجودها وسياساتها.

وهنا يظهر مفهوم الشرعية عند عالم الاجتماع ماكس فيبر، الذي يؤكد أن استمرار أي سلطة أو نفوذ يحتاج إلى قدر من الاعتراف والقبول. فكلما تراجع هذا القبول، ازدادت الحاجة إلى أدوات القوة المباشرة، وهو ما يؤدي غالبًا إلى ارتفاع تكلفة الاستمرار.

ومن زاوية أخرى، يوضح أنطونيو غرامشي أن الهيمنة لا تقوم على السيطرة المادية وحدها، بل تحتاج إلى بناء قبول سياسي وثقافي يجعل النفوذ يبدو طبيعيًا ومشروعًا. وعندما يبدأ هذا القبول بالتراجع، تتحول الهيمنة إلى اعتماد أكبر على القوة والإجراءات الأمنية، مما يجعلها أكثر هشاشة.

كما يوضح بيير بورديو من خلال مفهوم “رأس المال الرمزي” أن النفوذ لا يرتبط فقط بما تمتلكه الدولة من قدرات، بل بالصورة والمكانة التي تحظى بها لدى الآخرين. فالقواعد العسكرية التي كانت تُقدَّم في مراحل سابقة باعتبارها رمزًا للقدرة الأمريكية على إدارة النظام الإقليمي، قد تتحول في بيئات أخرى إلى رمز للتوتر أو التدخل الخارجي، وهو تحول يؤثر في قيمتها السياسية والاستراتيجية.

ويتقاطع ذلك مع بعض أفكار المفكر عبد الوهاب المسيري حول طبيعة الإمبراطوريات الحديثة، حيث إن التوسع المفرط في أدوات السيطرة قد يؤدي إلى نتائج عكسية. فحين تحتاج منظومة الهيمنة إلى موارد متزايدة لحماية نفسها، وحين تصبح أدوات النفوذ مصدرًا للأزمات بدل حلها، فإن القوة تبدأ بفقدان جزء من فعاليتها .

وفي هذا السياق، يمكن فهم الرؤية التي يطرحها المرشد الأعلى علي الخامنئي سابقا حول مستقبل الوجود الأمريكي في غرب آسيا، باعتبارها تصورًا سياسيًا يرى أن تقليص النفوذ الأمريكي لا يتحقق بالضرورة من خلال مواجهة عسكرية واحدة، وإنما عبر مسار طويل يؤدي إلى ارتفاع كلفة هذا الوجود وتراجع مبرراته .

فوفق هذه الرؤية، فإن التحول يبدأ عندما تصبح القواعد العسكرية بحاجة إلى حماية أكثر مما توفره هي من حماية، وعندما تنتقل من كونها أدوات للردع إلى مواقع تستنزف الموارد وتزيد المخاطر. كما تركز هذه الرؤية على أهمية العوامل السياسية والاجتماعية، مثل تعزيز استقلال القرار الوطني وتنامي الوعي الشعبي تجاه طبيعة العلاقات مع القوى الخارجية.

ومن أهم التحولات التي قد تواجه الوجود العسكري الأمريكي أن تتحول كلفته إلى قضية داخلية في الدول المضيفة. فكلما ارتبط وجود القواعد الخارجية بالمخاطر الأمنية أو التوترات الإقليمية، ازدادت الضغوط الشعبية على الحكومات لإعادة تقييم هذه العلاقات. وقد يصبح هذا العامل عنصرًا مؤثرًا في مستقبل القواعد، ليس فقط بسبب الضغوط الخارجية، بل بسبب التحولات داخل المجتمعات نفسها .

وتشير دراسات علم الاجتماع السياسي إلى أن التحولات الكبرى تأتي غالبًا نتيجة تراكمات طويلة. فقد تحدث تيد روبرت غِر عن دور الشعور بالفجوة بين التوقعات والواقع في إنتاج التوتر السياسي، بينما ركز آلان تورين على دور الحركات الاجتماعية في إعادة تشكيل المجال العام وصناعة التحولات السياسية.

كما أن البيئة الدولية نفسها تشهد تغيرات عميقة؛ فالعالم يتجه تدريجيًا نحو مزيد من التعددية، ولم تعد أي قوة قادرة على التحكم الكامل بمسارات الأحداث كما كان الحال في مرحلة الهيمنة الأحادية. فصعود قوى دولية وإقليمية جديدة، وتغير طبيعة الصراعات، جعلا النفوذ يعتمد بدرجة أكبر على القدرة على بناء الشراكات وإدارة التوازنات، وليس فقط على الانتشار العسكري.

إن مستقبل القواعد الأمريكية في غرب آسيا لن يتحدد فقط بعدد الجنود أو حجم الترسانة العسكرية، بل بقدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على الشرعية السياسية، وإدارة كلفة الانتشار، وإقناع المجتمعات بجدوى استمرار هذا الوجود.

وفي النهاية، فإن التحولات الاستراتيجية الكبرى لا تبدأ دائمًا بانهيار عسكري واضح، بل تبدأ عندما تصبح أدوات القوة نفسها موضع مراجعة وتساؤل. فحين تتحول القواعد من رموز للنفوذ إلى مصادر استنزاف، ومن أدوات للاستقرار إلى عوامل ضغط سياسي، فإنها تدخل مرحلة جديدة يصبح فيها استمرارها مرتبطًا بقدرتها على تبرير وجودها أكثر من قدرتها على فرضه

“إيران تحاصر القواعد الأمريكية”.. عندما يتحول الانتشار العسكري إلى عبء استراتيجي

الخميس ٢٣/يوليو/٢٠٢٦ ١٣:٠٦ م

لم تعد القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في غرب آسيا مجرد مواقع عسكرية تهدف إلى حماية المصالح الاستراتيجية لواشنطن، بل أصبحت جزءًا من معادلة سياسية وأمنية أكثر تعقيدًا ترتبط بمستقبل النفوذ الأمريكي وطبيعة النظام الدولي المتغير. فبعد عقود من الانتشار العسكري الواسع، يبرز سؤال جوهري: هل ما زالت هذه القواعد تمثل مصدر قوة للولايات المتحدة، أم أنها بدأت تتحول تدريجيًا إلى عبء استراتيجي يفرض تكاليف متزايدة على واشنطن وعلى الدول التي تستضيفها؟

يُظهر التاريخ أن تراجع القوى الكبرى لا يحدث دائمًا نتيجة هزيمة عسكرية مباشرة، بل قد يبدأ عندما تتحول أدوات القوة إلى أعباء تستنزف الموارد والقدرة على المناورة السياسية. فالإمبراطوريات لا تفقد نفوذها فقط عندما يظهر منافسون أقوياء، وإنما عندما تصبح المحافظة على منظومة الهيمنة أكثر كلفة من الفوائد التي تحققها.

ومن هذا المنظور، فإن الصراع الأمريكي الإيراني لا يمكن قراءته باعتباره مواجهة عسكرية محدودة، بل باعتباره تنافسًا طويل الأمد حول النفوذ والشرعية وطبيعة التوازنات الإقليمية. وترى طهران وحلفاؤها أن الولايات المتحدة أخفقت في تحقيق العديد من أهدافها الاستراتيجية تجاه إيران، وأن أدوات الضغط والردع التي اعتمدت عليها لم تؤدِّ إلى تغيير موازين القوة بالشكل الذي كانت تطمح إليه. ووفق هذه الرؤية، انتقل الصراع من محاولة فرض التفوق العسكري المباشر إلى مرحلة تقوم على استنزاف القدرة السياسية والأمنية على استمرار النفوذ.

فالقوة العسكرية، مهما بلغت، لا تعمل في فراغ؛ فهي تحتاج إلى بيئة سياسية واجتماعية تسمح باستمرارها. وعندما تتحول القواعد العسكرية من أدوات لحماية المصالح إلى نقاط تستدعي إجراءات أمنية مكلفة وتثير جدلًا سياسيًا داخليًا، فإن وظيفتها الاستراتيجية تبدأ في التغير.

يرى عالم السياسة جوزيف ناي أن القوة الحديثة لا تقوم فقط على التفوق العسكري، بل تعتمد أيضًا على القدرة على بناء القبول والتأثير والإقناع. فالدولة قد تمتلك قوة عسكرية هائلة، لكنها تواجه صعوبات في الحفاظ على نفوذها إذا فقدت قدرتها على إنتاج صورة مقبولة عن وجودها وسياساتها.

وهنا يظهر مفهوم الشرعية عند عالم الاجتماع ماكس فيبر، الذي يؤكد أن استمرار أي سلطة أو نفوذ يحتاج إلى قدر من الاعتراف والقبول. فكلما تراجع هذا القبول، ازدادت الحاجة إلى أدوات القوة المباشرة، وهو ما يؤدي غالبًا إلى ارتفاع تكلفة الاستمرار.

ومن زاوية أخرى، يوضح أنطونيو غرامشي أن الهيمنة لا تقوم على السيطرة المادية وحدها، بل تحتاج إلى بناء قبول سياسي وثقافي يجعل النفوذ يبدو طبيعيًا ومشروعًا. وعندما يبدأ هذا القبول بالتراجع، تتحول الهيمنة إلى اعتماد أكبر على القوة والإجراءات الأمنية، مما يجعلها أكثر هشاشة.

كما يوضح بيير بورديو من خلال مفهوم “رأس المال الرمزي” أن النفوذ لا يرتبط فقط بما تمتلكه الدولة من قدرات، بل بالصورة والمكانة التي تحظى بها لدى الآخرين. فالقواعد العسكرية التي كانت تُقدَّم في مراحل سابقة باعتبارها رمزًا للقدرة الأمريكية على إدارة النظام الإقليمي، قد تتحول في بيئات أخرى إلى رمز للتوتر أو التدخل الخارجي، وهو تحول يؤثر في قيمتها السياسية والاستراتيجية.

ويتقاطع ذلك مع بعض أفكار المفكر عبد الوهاب المسيري حول طبيعة الإمبراطوريات الحديثة، حيث إن التوسع المفرط في أدوات السيطرة قد يؤدي إلى نتائج عكسية. فحين تحتاج منظومة الهيمنة إلى موارد متزايدة لحماية نفسها، وحين تصبح أدوات النفوذ مصدرًا للأزمات بدل حلها، فإن القوة تبدأ بفقدان جزء من فعاليتها .

وفي هذا السياق، يمكن فهم الرؤية التي يطرحها المرشد الأعلى علي الخامنئي سابقا حول مستقبل الوجود الأمريكي في غرب آسيا، باعتبارها تصورًا سياسيًا يرى أن تقليص النفوذ الأمريكي لا يتحقق بالضرورة من خلال مواجهة عسكرية واحدة، وإنما عبر مسار طويل يؤدي إلى ارتفاع كلفة هذا الوجود وتراجع مبرراته .

فوفق هذه الرؤية، فإن التحول يبدأ عندما تصبح القواعد العسكرية بحاجة إلى حماية أكثر مما توفره هي من حماية، وعندما تنتقل من كونها أدوات للردع إلى مواقع تستنزف الموارد وتزيد المخاطر. كما تركز هذه الرؤية على أهمية العوامل السياسية والاجتماعية، مثل تعزيز استقلال القرار الوطني وتنامي الوعي الشعبي تجاه طبيعة العلاقات مع القوى الخارجية.

ومن أهم التحولات التي قد تواجه الوجود العسكري الأمريكي أن تتحول كلفته إلى قضية داخلية في الدول المضيفة. فكلما ارتبط وجود القواعد الخارجية بالمخاطر الأمنية أو التوترات الإقليمية، ازدادت الضغوط الشعبية على الحكومات لإعادة تقييم هذه العلاقات. وقد يصبح هذا العامل عنصرًا مؤثرًا في مستقبل القواعد، ليس فقط بسبب الضغوط الخارجية، بل بسبب التحولات داخل المجتمعات نفسها .

وتشير دراسات علم الاجتماع السياسي إلى أن التحولات الكبرى تأتي غالبًا نتيجة تراكمات طويلة. فقد تحدث تيد روبرت غِر عن دور الشعور بالفجوة بين التوقعات والواقع في إنتاج التوتر السياسي، بينما ركز آلان تورين على دور الحركات الاجتماعية في إعادة تشكيل المجال العام وصناعة التحولات السياسية.

كما أن البيئة الدولية نفسها تشهد تغيرات عميقة؛ فالعالم يتجه تدريجيًا نحو مزيد من التعددية، ولم تعد أي قوة قادرة على التحكم الكامل بمسارات الأحداث كما كان الحال في مرحلة الهيمنة الأحادية. فصعود قوى دولية وإقليمية جديدة، وتغير طبيعة الصراعات، جعلا النفوذ يعتمد بدرجة أكبر على القدرة على بناء الشراكات وإدارة التوازنات، وليس فقط على الانتشار العسكري.

إن مستقبل القواعد الأمريكية في غرب آسيا لن يتحدد فقط بعدد الجنود أو حجم الترسانة العسكرية، بل بقدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على الشرعية السياسية، وإدارة كلفة الانتشار، وإقناع المجتمعات بجدوى استمرار هذا الوجود.

وفي النهاية، فإن التحولات الاستراتيجية الكبرى لا تبدأ دائمًا بانهيار عسكري واضح، بل تبدأ عندما تصبح أدوات القوة نفسها موضع مراجعة وتساؤل. فحين تتحول القواعد من رموز للنفوذ إلى مصادر استنزاف، ومن أدوات للاستقرار إلى عوامل ضغط سياسي، فإنها تدخل مرحلة جديدة يصبح فيها استمرارها مرتبطًا بقدرتها على تبرير وجودها أكثر من قدرتها على فرضه

الزحف الأربعيني معركة الوعي وانتصار الرسالة الإسلامية

الأحد ٠٢/أغسطس/٢٠٢٦ ١٢:١٤ م

لم تعد معارك الأمم في القرن الحادي والعشرين تُحسم فقط في ساحات الجيوش، بل انتقلت إلى ساحات أكثر عمقًا وتأثيرًا؛ ساحات العقل والهوية والذاكرة والمعنى. فالقوة الحقيقية لم تعد مجرد امتلاك السلاح، وإنما القدرة على إنتاج الإنسان الذي يحمل رؤية للعالم، ويمتلك المناعة الفكرية التي تمنعه من الخضوع لمحاولات تفريغ المجتمعات من قيمها ورسالتها. ولهذا أصبحت الحروب الحديثة تستهدف وعي الإنسان قبل أرضه، وتسعى إلى السيطرة على إدراكه قبل السيطرة على موارده .

ومن هذا المنظور، يمثل الزحف المليوني في أربعينية الإمام الحسين عليه السلام ظاهرة حضارية تتجاوز حدود الزمان والمكان، لأنه يعكس قدرة رسالة الإسلام على البقاء والتجدد وإعادة إنتاج الإنسان المؤمن بالقيم. فالأربعين ليست مجرد استعادة لحدث تاريخي، بل هي استمرار لحركة حضارية بدأت في كربلاء عندما واجه الإمام الحسين عليه السلام مشروع تحويل الدين إلى سلطة منفصلة عن قيم العدل والكرامة، وقدم نموذجًا يؤكد أن الرسالات لا تنتصر بقوة السلاح فقط، بل بقدرتها على صناعة الإنسان الذي يحملها ويحفظ معناها .

لقد أدرك الإمام علي عليه السلام أن بناء الأمة يبدأ من بناء الإنسان، وأن أخطر ما يهدد المجتمعات ليس ضعف أدواتها المادية، بل فقدانها للبصيرة والعدل والقدرة على التمييز بين الحق والباطل. فالقوة في المنظور الإسلامي ليست قوة الغلبة فقط، وإنما قوة الالتزام بالمبدأ، وقوة الإنسان الذي يرفض أن يتحول إلى أداة في مشاريع الظلم والاستبداد. ومن هنا جاءت نهضة الإمام الحسين عليه السلام لتثبت أن انتصار القيم قد يكون أعظم من الانتصار العسكري، لأن المعارك تنتهي، أما الأفكار التي تسكن ضمير الإنسان فتبقى قادرة على صناعة التاريخ .

إن الزحف الأربعيني يقدم نموذجًا غير مسبوق في بناء القوة الحضارية؛ فهو لا يعتمد على الإكراه أو التنظيم العسكري، وإنما يقوم على قوة الانتماء والإيمان والعمل التطوعي. ملايين البشر يتحركون بدافع داخلي واحد، يجمعهم المعنى قبل المكان، والرسالة قبل المصلحة، والخدمة قبل المنفعة. وهذا يكشف عن نوع من القوة يتجاوز المفهوم التقليدي للجيوش؛ قوة يمكن وصفها بأنها جيش الوعي الرسالي، حيث يصبح الإنسان نفسه أداة لحماية القيم ونشرها وترسيخها في المجتمع .

وفي عصر الحرب الإدراكية، حيث أصبحت المعركة الأساسية تدور حول التحكم في الوعي وصناعة التصورات، تكتسب هذه الظاهرة أهمية استراتيجية كبيرة. فالحرب الحديثة لا تهدف فقط إلى احتلال الأرض، بل إلى إعادة تشكيل الإنسان، وإضعاف علاقته بتاريخه، وفصل المجتمعات عن مصادر قوتها الروحية والثقافية. ومن هنا فإن المجتمعات التي تمتلك ذاكرة حضارية قوية، ورموزًا قادرة على توحيدها، ومنظومة قيمية متماسكة، تكون أكثر قدرة على مقاومة محاولات الاختراق الفكري والنفسي .

والأربعين تمثل في هذا السياق عملية سنوية لإعادة بناء الوعي الجمعي؛ فهي تحافظ على الذاكرة التاريخية، وتحول القيم الإسلامية إلى ممارسة اجتماعية حية. فالتكافل، وخدمة الإنسان، والصبر، والانضباط، والتعايش بين مختلف القوميات والثقافات، ليست مجرد مظاهر تنظيمية، بل هي تعبير عن قدرة الإسلام على إنتاج مجتمع يقوم على الروابط الأخلاقية لا المصالح المادية وحدها.

وهنا تتجلى أهمية فكر الشهيد محمد باقر الصدر، الذي أكد أن الإنسان هو محور حركة التاريخ، وأن الرسالة لا تصبح قوة حضارية إلا عندما تتحول إلى وعي اجتماعي وحركة في الواقع. فالأربعين لا تكتفي بإحياء شخصية الإمام الحسين عليه السلام، بل تعيد بناء الإنسان الذي يحمل قيمه؛ الإنسان الذي يرى الإيمان مسؤولية، والعقيدة مشروعًا، والتاريخ أمانة يجب تحويلها إلى فعل حضاري.

كما يلتقي هذا المعنى مع رؤية علي عزت بيغوفيتش الذي أكد أن الحضارة لا تقوم عندما يمتلك الإنسان الأشياء فقط، بل عندما يمتلك معنى يعيش من أجله. فالإنسان الذي يقطع المسافات، ويتحمل المشقة، ويقدم الخدمة للآخرين، إنما يكشف عن مستوى من القوة الروحية التي تتجاوز منطق المنفعة الفردية. وهذه القوة المعنوية هي التي تمنح المجتمعات القدرة على الصمود أمام الأزمات الكبرى.

ومن جهة أخرى، فإن نقد عبد الوهاب المسيري للحضارة المادية يوضح أهمية هذه الظاهرة؛ فالإنسان عندما يُختزل في كونه مستهلكًا منفصلًا عن الغاية والمعنى يصبح أكثر قابلية للسيطرة وإعادة تشكيل وعيه. أما الإنسان المرتبط برسالة وقيم وذاكرة تاريخية، فإنه يمتلك مناعة داخلية تجعله أكثر قدرة على مواجهة مشاريع الهيمنة الثقافية. ومن هنا تصبح الأربعين فعل مقاومة حضارية، لأنها تحمي الإنسان من التحول إلى كائن بلا جذور أو رسالة.

إن أعظم ما تنتجه الأربعين ليس الحشود، وإنما الإنسان الذي تصنعه هذه الحشود؛ الإنسان الذي يجمع بين الإيمان والمسؤولية، وبين الهوية والانفتاح، وبين الروح والعمل. فالدول قد تستطيع بناء جيوش خلال سنوات، لكنها تحتاج إلى أجيال لبناء مجتمع يمتلك هذا المستوى من الثقة والتماسك والانتماء .

ولهذا فإن انتصار رسالة الإسلام لا يُقاس فقط بانتشار الشعارات، وإنما بقدرتها على إنتاج نموذج إنساني قادر على حمل قيمها في الحياة. فالرسالات العظمى لا تبقى بالقوة المادية وحدها، بل تبقى عندما تتحول إلى ثقافة وسلوك ووعي جماعي. والزحف الأربعيني يمثل أحد أبرز تجليات هذه الحقيقة؛ فهو يؤكد أن الإسلام يمتلك قدرة مستمرة على إعادة بناء الإنسان، وأن كربلاء لم تكن نهاية مواجهة تاريخية، بل بداية مشروع حضاري يستمر عبر الأجيال.

إن مستقبل العالم لن تصنعه فقط القوى التي تمتلك التكنولوجيا والسلاح، بل القوى التي تمتلك القدرة على صناعة الإنسان الواعي القادر على مقاومة التضليل وحماية المعنى. ومن هنا فإن الأربعين تقدم درسًا استراتيجيًا عميقًا: أن أعظم الجيوش ليست دائمًا تلك التي تحمل السلاح، بل تلك التي تحمل رسالة، وأن الأمة التي تنتصر في معركة الوعي تكون قد وضعت الأساس لكل انتصار آخر.

تحت غطاء التسامح إعادة صياغة شرق الأوسط

الاثنين ١٠/أغسطس/٢٠٢٦ ١١:٢٧ ص

لم تعد الحروب في القرن الحادي والعشرين تبدأ بإطلاق الرصاص أو تحريك الجيوش، بل تبدأ بإعادة تشكيل الأفكار والقيم والهوية. فالقوة لم تعد تُقاس فقط بما تمتلكه الدول من ترسانة عسكرية، وإنما بقدرتها على صناعة الإدراك وتوجيه الوعي العام وإعادة تعريف المفاهيم التي تتحكم في سلوك المجتمعات. ولهذا انتقلت المنافسة الدولية من ساحات القتال إلى ميادين الثقافة والتعليم والإعلام والفضاء الرقمي، وأصبحت الحرب على العقول أخطر من الحرب على الحدود.

وفي هذا السياق، يثير الخطاب المرتبط بما يُعرف بـ”الإبراهيمية” نقاشاً واسعاً بين الباحثين. فبينما يراه البعض إطاراً للحوار بين أتباع الأديان وترسيخاً لقيم التعايش، يرى آخرون أن بعض تطبيقاته السياسية يمكن أن تُستثمر ضمن استراتيجيات القوة الناعمة لإعادة تشكيل البيئة الفكرية والسياسية في الشرق الأوسط. وبغض النظر عن الموقف من هذه الرؤى، فإنها تفتح باباً مهماً لدراسة العلاقة بين الدين والسياسة والهوية في عصر تتداخل فيه القوة الثقافية مع المصالح الجيوسياسية.

لقد قدّم جوزيف ناي تفسيراً عميقاً لهذه الظاهرة عندما صاغ مفهوم “القوة الناعمة”، موضحاً أن النفوذ الأكثر استدامة لا يُفرض بالقوة العسكرية، بل بجعل الآخرين يتبنون الرؤية التي يريدها الطرف الأقوى طواعية. فحين تتغير منظومة القيم، تصبح القرارات السياسية والاقتصادية امتداداً طبيعياً لهذا التغيير. ومن هنا، فإن التأثير في الثقافة والتعليم والإعلام لا يقل أهمية عن امتلاك الجيوش، بل قد يكون أكثر حسماً في المدى البعيد.

ويتكامل هذا التحليل مع رؤية أنطونيو غرامشي، الذي رأى أن الهيمنة الحقيقية لا تقوم على القسر، وإنما على صناعة القبول الاجتماعي، بحيث تتحول أفكار القوة المهيمنة إلى “وعي عام” تتبناه المجتمعات من دون شعور بالإكراه. أما إيمانويل والرشتاين، فقد أوضح أن النظام العالمي لا يحافظ على هيمنة مركزه بالقوة الاقتصادية وحدها، وإنما بإنتاج منظومة معرفية وثقافية تجعل الأطراف تدور في فلكه وتتبنى معاييره بوصفها النموذج الطبيعي للتقدم.

هذه الرؤى الغربية تلتقي بصورة لافتة مع ما طرحه عدد من المفكرين المسلمين، ولكن من زاوية الدفاع عن الاستقلال الحضاري ، فقد أكد الإمام الخميني أن الاستكبار العالمي ليس مجرد تفوق عسكري أو اقتصادي، بل هو منظومة متكاملة تسعى إلى إخضاع الشعوب ثقافياً قبل إخضاعها سياسياً. وكان يرى أن الأمة التي تستورد رؤيتها للعالم من الخارج تفقد تدريجياً إرادتها المستقلة، وأن الاستقلال الثقافي يمثل الأساس الحقيقي للاستقلال السياسي والاقتصادي، ولذلك جعل من بناء الإنسان المؤمن بهويته أحد أهم شروط التحرر.

ومن الاتجاه نفسه، جاء علي شريعتي ليقدم مفهوم “الاستحمار”، مفرقاً بين الاستعمار الذي يحتل الأرض، والاستحمار الذي يحتل العقل. فالسيطرة الأخطر في نظره ليست التي تُفرض بالسلاح، بل تلك التي تجعل الإنسان يتبنى الأفكار المفروضة عليه وهو يعتقد أنه اختارها بإرادته. ولذلك اعتبر أن معركة الوعي تسبق كل معركة سياسية، وأن تحرير الإنسان يبدأ بتحرير عقله من التبعية الفكرية ومن الاستسلام للمفاهيم التي يصوغها الآخرون.

أما الشهيد محمد باقر الصدر، فقد ربط النهضة الحضارية بالاستقلال الفكري، مؤكداً أن الأمة التي تفقد قدرتها على إنتاج رؤيتها الخاصة للإنسان والمجتمع والتاريخ ستتحول إلى مستهلك لنظريات الآخرين، ومن ثم تصبح تابعة لهم سياسياً واقتصادياً. ولذلك دعا إلى بناء مشروع حضاري مستقل ينطلق من الهوية الإسلامية، وينفتح على العالم من موقع الشريك لا التابع.

وتكتمل هذه الرؤية فيما يطرحه السيد علي الخامنئي من مفهوم “جهاد التبيين”، الذي ينطلق من أن أخطر معارك العصر هي معركة الرواية والوعي والإدراك. فالجيوش قد تحمي الحدود، ولكنها لا تستطيع حماية العقول من التضليل الإعلامي إذا غاب الوعي النقدي. ولهذا يؤكد أن الدفاع عن الأمة يبدأ بكشف الدعاية، وتحصين المجتمع فكرياً، وإعداد الإنسان القادر على التمييز بين الحقيقة والسرديات التي تُنتجها مراكز النفوذ العالمية.

وفي السياق نفسه، يرى علي عزت بيغوفيتش أن الحضارات لا تنهار عندما تُهزم عسكرياً، وإنما عندما تفقد رسالتها الأخلاقية والثقافية، لأن الإنسان الذي يفقد هويته يصبح قابلاً للاندماج في أي مشروع آخر مهما كان بعيداً عن تاريخه. أما منير شفيق، فيذهب إلى أن الصراع العالمي انتقل من احتلال الأرض إلى احتلال الوعي، وأن القوى الكبرى لم تعد تحتاج إلى وجود عسكري دائم إذا نجحت في إعادة تشكيل الثقافة والتعليم والإعلام بما يخدم مصالحها.

إن القاسم المشترك بين هذه الرؤى، رغم اختلاف منطلقاتها، هو أن معركة المستقبل ليست معركة حدود فحسب، بل معركة على تعريف الإنسان وهويته ومصادر معرفته. ومن هنا، فإن أي مشروع عابر للحدود، سواء كان سياسياً أو ثقافياً أو دينياً، ينبغي أن يُقرأ في ضوء آثاره على السيادة الوطنية والهوية الحضارية، بعيداً عن الانفعال أو الأحكام المسبقة، وبمنهج علمي يميز بين الحوار الحضاري المشروع وبين توظيف الخطابات الإنسانية لخدمة مشاريع النفوذ.

إن الدفاع عن الهوية لا يعني الانغلاق، كما أن الانفتاح لا يعني الذوبان. فالإسلام قدّم نموذجاً راسخاً للتعايش واحترام الإنسان، لكنه في الوقت نفسه أكد على استقلال العقيدة وخصوصية الأمة ورفض التبعية. ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي أمام المجتمعات العربية والإسلامية يتمثل في الجمع بين الانفتاح الواعي والاستقلال الحضاري، بحيث يكون الحوار وسيلة للتعارف، لا جسراً لإذابة الخصوصيات أو إضعاف السيادة الثقافية.

ولذلك، فإن بناء الأمن المعرفي أصبح اليوم ركناً أساسياً من أركان الأمن القومي. ويتطلب ذلك تطوير المناهج التعليمية، وتعزيز التفكير النقدي، والاهتمام بالإعلام الرصين، وإعداد مراكز بحث متخصصة في دراسة الحروب الإدراكية والقوة الناعمة، حتى تمتلك الأمة القدرة على فهم التحولات العالمية وصناعة روايتها الخاصة بدلاً من استهلاك روايات الآخرين

إن أخطر ما تواجهه الأمم ليس الاحتلال العسكري، بل أن تُسلب قدرتها على التفكير المستقل. فحين تفقد الأمة ثقتها بهويتها، يصبح إخضاعها سياسياً واقتصادياً نتيجة طبيعية. أما إذا امتلكت وعياً راسخاً، فإنها تستطيع أن تنفتح على العالم، وتتحاور مع الجميع، وتستفيد من منجزات الحضارة الإنسانية، من دون أن تتخلى عن ثوابتها أو تتحول إلى تابع لمشاريع الآخرين. ولذلك ستبقى معركة الوعي، كما أكد كثير من مفكري الشرق والغرب، هي المعركة الفاصلة في رسم مستقبل الأمم في القرن الحادي والعشرين.

[thumb_vote align="right"]

أترك تعليقاتك هنا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *