الرابحون والخاسرون من مذكرة التفاهم الأمريكية-الإيرانية

مرتضى بن حسن بن علي – الرؤية

(1)

من يعيد رسم خريطة الشرق الأوسط؟

إذا كُتب لمذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران أن تصمد بعد دخولها حيز التنفيذ، فإنها لن تكون مجرد اتفاق ثنائي، بل محطة قد تعيد تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط لعقود مقبلة؛ فمثل هذه التفاهمات لا تُقاس فقط بما تتضمنه من بنود نووية أو اقتصادية، وإنما بما تُحدثه من تحولات في الأمن الإقليمي، وأسواق الطاقة، والتحالفات الدولية.

إيران.. الرابح الأكبر

تبدو إيران، وفق بنود الاتفاق المنشورة، المستفيد الأكبر على المستويين الاقتصادي والاستراتيجي؛ فمن الناحية الاقتصادية، هناك رفع للعقوبات النفطية والمصرفية، والإفراج عن الأصول المجمدة، وتوفير تمويل بمبلغ 300 مليار دولار لإعادة الإعمار، وهو ما يعني تدفقًا ماليًا ضخمًا يعيد تنشيط الاقتصاد الإيراني بعد سنوات طويلة من الضغوط. وذكرت تقارير -منها وكالة رويترز الإخبارية- أن هذا التمويل تتعهد به دول خليجية وآسيوية.

أما سياسيًا، فإن الاتفاق يمنح طهران اعترافًا عمليًا بدورها الإقليمي، مع احتفاظها ببرنامج نووي مدني يخضع للرقابة الدولية، وهو ما يكرسها لاعبًا رئيسًا في معادلات أمن الخليج، ويقلل، في الوقت ذاته، من احتمالات المواجهة العسكرية المباشرة مع الولايات المتحدة.

الولايات المتحدة.. مكسب استراتيجي طويل الأمد

في المقابل، تحقق واشنطن هدفًا استراتيجيًا طال انتظاره، يتمثل في احتواء الملف النووي الإيراني عبر آليات رقابة دولية بدلًا من المواجهة العسكرية المستمرة. كما يتيح المجال للشركات الأمريكية الاستفادة من السوق الإيرانية الكبيرة. ويتيح الاتفاق للإدارة الأمريكية تقليص انخراطها العسكري في الشرق الأوسط، والتفرغ لأولوياتها الكبرى المتمثلة في المنافسة مع الصين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، ومع روسيا في أوروبا، وهو تحول يتماشى مع الاستراتيجية الأمريكية خلال السنوات الأخيرة.

دول الخليج.. فرصة للاستقرار

أما دول الخليج، فإن مكاسبها تعتمد على نجاح الاتفاق واستمراره. فإذا التزمت الأطراف بخفض التصعيد، فإن المنطقة ستشهد تراجعًا في الحروب بالوكالة والهجمات على المنشآت الحيوية وطرق الملاحة، وهو ما يوفر بيئة أكثر استقرارًا للمشروعات التنموية الكبرى، مثل رؤية “السعودية 2030” ورؤية “عُمان 2040″، إضافة إلى تعزيز أمن الملاحة في الخليج ومضيق هرمز واستقرار أسواق الطاقة. وربما تشهد إيران سباقًا بين الدول الغربية وغيرها للتقرب من إيران وكسب ودها.

في المقابل، قد تواجه الجماعات المسلحة المرتبطة بما يُعرف بمحور المقاومة تحديًا كبيرًا، إذ إن أي اتفاق يفرض وقف العمليات العسكرية والتدخلات الإقليمية سيؤدي إلى تراجع دورها العسكري، ويدفعها تدريجيًا نحو العمل السياسي المحلي بدلًا من النشاط العابر للحدود، مع انخفاض الحاجة إلى التمويل العسكري مقارنة بمشروعات التنمية وإعادة الإعمار.

كما قد تمثل عودة إيران إلى الاقتصاد العالمي خسارة غير مباشرة لروسيا. فزيادة صادرات النفط الإيرانية قد تضيف كميات جديدة إلى الأسواق العالمية، بما يضغط على الأسعار ويؤثر في إيرادات موسكو النفطية، فضلًا عن احتمال تراجع اعتماد طهران على شراكتها الاستراتيجية مع روسيا إذا تحسنت علاقاتها مع الغرب.

إسرائيل.. الخاسر الأكبر

تبقى إسرائيل الطرف الأكثر تضررًا من أي اتفاق يمنح إيران شرعية دولية للاحتفاظ ببرنامج نووي مدني تحت الرقابة. فمن منظورها الأمني، لطالما قامت استراتيجيتها على منع أي قوة إقليمية من امتلاك قدرات نووية متقدمة، حتى وإن كانت لأغراض سلمية، أو قوى صاروخية بالستية قادرة على قصف إسرائيل.

كما أن التزام الولايات المتحدة بالحلول الدبلوماسية سيقيد، إلى حد كبير، خيار العمل العسكري الإسرائيلي، ويجعل أي تحرك منفرد أكثر كلفة سياسيًا ودبلوماسيًا. وإلى جانب ذلك، فإن رفع العقوبات قد يتيح لإيران تعزيز قدراتها الاقتصادية والتكنولوجية، بما يعيد تشكيل ميزان القوى الإقليمي، ويزيد من تعقيد البيئة الاستراتيجية التي تواجهها إسرائيل.

المشهد الجديد

وإذا تحقق هذا الاتفاق، فإن الشرق الأوسط قد ينتقل تدريجيًا من مرحلة الصراع المفتوح إلى مرحلة التنافس الاقتصادي والجيوسياسي، حيث تصبح الاستثمارات والممرات التجارية والطاقة أدوات النفوذ الأساسية بدلًا من المواجهات العسكرية المباشرة.

لكن نجاح هذا التحول سيظل مرهونًا بقدرة الأطراف على الالتزام ببنود الاتفاق، وبمدى استعداد القوى الإقليمية والدولية لتغليب المصالح الاقتصادية على حساب الصراعات التقليدية التي هيمنت على المنطقة طوال العقود الماضية.

(2)

هل يبدأ التحول الداخلي في إيران؟

إذا كان البعد الجيوسياسي لمذكرة التفاهم الأمريكية-الإيرانية قد استحوذ على معظم الاهتمام، فإن التأثير الحقيقي للاتفاق قد يظهر داخل إيران نفسها. فخلف ملفات تخصيب اليورانيوم والعقوبات الدولية، يقف اقتصاد أنهكته سنوات طويلة من العزلة، ومجتمع شاب يتطلع إلى فرص عمل وحياة أكثر استقرارًا، ودولة تبحث عن معادلة جديدة تضمن البقاء والاستقرار في آن واحد.

الاقتصاد… أول المستفيدين

إذا نُفذت البنود الاقتصادية كما هو مخطط لها، فإن الاقتصاد الإيراني سيكون الرابح المباشر. فرفع العقوبات النفطية والمصرفية، والإفراج عن الأصول المجمدة، وإعادة ربط القطاع المالي الإيراني بالنظام المصرفي العالمي، ستوفر تدفقات مالية ضخمة تعيد الحيوية إلى الاقتصاد بعد سنوات من الانكماش.

كما أن زيادة صادرات النفط والغاز ستمنح الحكومة موارد إضافية للاستثمار في البنية الأساسية والصناعة والخدمات، وهو ما ينعكس على معدلات النمو وفرص العمل ومستوى الدخل.

لكن هذه المكاسب ستظل مرتبطة بقدرة الحكومة على إدارة الموارد الجديدة بكفاءة، وتوجيهها نحو التنمية الحقيقية، بدلًا من الاقتصار على معالجة الأزمات المالية قصيرة الأجل.

الريال والتضخم… هل تبدأ مرحلة الاستقرار؟

من أبرز النتائج المتوقعة تحسن قيمة الريال الإيراني نتيجة تدفق العملات الأجنبية وارتفاع إيرادات الصادرات النفطية، الأمر الذي قد يخفف الضغوط على البنك المركزي ويحد من تقلبات سوق الصرف.

كما أن عودة الواردات بصورة طبيعية، وانخفاض تكاليف النقل والتأمين، وزيادة المعروض من السلع، قد تؤدي إلى تراجع معدلات التضخم التي استنزفت القوة الشرائية للمواطن الإيراني خلال السنوات الماضية.

ومع ذلك، فإن السيطرة المستدامة على التضخم لن تعتمد على رفع العقوبات وحده، بل على نجاح الإصلاحات المالية والنقدية، وتحسين الإنتاج المحلي، وتقليص الاعتماد المفرط على العائدات النفطية.

عودة الاستثمار العالمي

يُشكِّل السوق الإيراني أحد أكبر الأسواق غير المستغلة في المنطقة، بما يمتلكه من عدد سكان يتجاوز 90 مليون نسمة، وقاعدة صناعية وبشرية كبيرة. ولهذا، فمن المتوقع أن تستعيد الشركات الأوروبية والآسيوية اهتمامها بإيران، خاصة في قطاعات الطاقة، والبتروكيماويات، والطيران، وصناعة السيارات، والاتصالات، والبنية التحتية.

كما أن تحسن العلاقات مع دول الخليج قد يفتح الباب أمام مشاريع إقليمية مشتركة في مجالات النقل والطاقة والموانئ والتجارة، وهو ما قد يحول إيران من دولة معزولة إلى شريك اقتصادي أكثر اندماجًا في الاقتصاد الإقليمي.

هل يقود الانتعاش الاقتصادي إلى انفتاح سياسي؟

يبقى هذا السؤال الأكثر حساسية وتعقيدًا؛ فالخبرة التاريخية تشير إلى أن الانفتاح الاقتصادي لا يقود بالضرورة إلى تحول سياسي سريع، لكنه يخلق تدريجيًا بيئة اجتماعية جديدة تختلف أولوياتها عن بيئة العقوبات والصراع. ومع توسع الطبقة الوسطى، وارتفاع مستويات التعليم، وزيادة ارتباط الاقتصاد بالأسواق العالمية، تزداد المطالب بتحسين بيئة الأعمال، وتعزيز الشفافية، وتطوير الإدارة العامة، وتوسيع مساحة الحريات الاقتصادية.

وفي المقابل، قد يسعى التيار المحافظ إلى تقديم الاتفاق بوصفه إنجازًا للنظام، وليس تنازلًا للغرب، حفاظًا على تماسك الجبهة الداخلية، وهو ما يعني أن أي تحول سياسي سيكون، على الأرجح، تدريجيًا وليس جذريًا.

الحرس الثوري.. معادلة جديدة

قد يكون أحد أبرز المتغيرات هو طبيعة الدور الاقتصادي للمؤسسات المرتبطة بالحرس الثوري؛ فخلال سنوات العقوبات توسع نفوذ اقتصاد الظل، وبرزت شبكات تجارية ومالية استفادت من القيود المفروضة على التجارة والتحويلات المالية. أما مع عودة الاقتصاد إلى القنوات الرسمية، فقد تتراجع أهمية هذه الأنشطة تدريجيًا لصالح الاقتصاد النظامي والاستثمارات الأجنبية.

غير أن ذلك لا يعني بالضرورة تراجع نفوذ هذه المؤسسات، بل ربما يُعاد توجيهها نحو الاستثمار في المشاريع الكبرى والبنية الأساسية ضمن قواعد اقتصادية أكثر انفتاحًا.

هل يصمد الاتفاق؟

يبقى التحدي الأكبر هو قدرة الاتفاق على الصمود أمام المتغيرات السياسية؛ فالتجارب السابقة أظهرت أن الاتفاقات الدولية قد تتأثر بتغير الإدارات السياسية أو تصاعد الأزمات الإقليمية. وحتى إذا حصل الاتفاق على غطاء قانوني دولي، فإن استمراره سيظل مرهونًا بوجود إرادة سياسية لدى جميع الأطراف للالتزام ببنوده.

وفي الوقت نفسه، فإن المصالح الاقتصادية الضخمة التي قد تنشأ نتيجة الاتفاق قد تتحول إلى عنصر حماية له، إذ يصبح الانسحاب منه أكثر كلفةً لجميع الأطراف مقارنة بالماضي.

وأخيرًا، إذا دخلت مذكرة التفاهم الأمريكية-الإيرانية حيز التنفيذ الفعلي، فإن آثارها لن تقتصر على إنهاء أزمة نووية أو تخفيف العقوبات، بل قد تمثل بداية مرحلة جديدة في تاريخ إيران والمنطقة بأكملها؛ إذ إن نجاح الاتفاق قد يفتح الباب أمام اقتصاد إيراني أكثر اندماجًا بالعالم، وعلاقات إقليمية أقل توترًا، وتنافس يقوم على التجارة والاستثمار أكثر من الصراعات العسكرية.

لكنَّ التاريخ يُعلِّمنا أن الاتفاقات الكبرى لا تُقاس بما يُكتب على الورق، وإنما بقدرة الأطراف على تحويلها إلى واقع دائم؛ لذلك سيظل السؤال مفتوحًا: هل يُمثِّل هذا الاتفاق بداية شرق أوسط جديد، أم مجرد هدنة مؤقتة في صراع طويل لم تُحسم فصوله بعد؟!

[thumb_vote align="right"]

أترك تعليقاتك هنا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *