
مستقبل صناعة التأمين العربية
27 يونيو 2026 . الساعة 18:44 بتوقيت مسقط
من أبرز التحديات التي تواجه صناعة التأمين في الوطن العربي أنها لا تزال تعتمد بدرجة كبيرة على نماذج ومدارس خارجية في التنظيم والإدارة والتقييم، رغم أن حجم الأسواق العربية، وتطور الأطر التشريعية، ووجود أجهزة إشراف ورقابة متقدمة، جميعها عوامل تؤهل لبناء نموذج عربي مستقل يعكس خصوصية البيئة الاقتصادية والتنظيمية في المنطقة.
كما أن الاعتماد المفرط على وكالات التصنيف الائتماني الدولية يمثل تحديًا إضافيًا أمام الجهات الرقابية، مما يبرز الحاجة إلى تطوير أدوات تقييم وتحليل محلية أكثر تكاملاً وملاءمة لواقع الأسواق العربية، بما يعزز الاستقلالية الرقابية ويقوي كفاءة اتخاذ القرار.
وفي هذا السياق، أصبح من الضروري إجراء تقييم دوري شامل لأسواق التأمين كل خمس سنوات باستخدام منهجية SWOT Analysis، وبمشاركة فاعلة من القطاعين العام والخاص، بهدف تحديد نقاط القوة والضعف، واستشراف الفرص والتهديدات، وصياغة استراتيجيات تدعم الاستدامة وتعزز النمو وترفع القدرة التنافسية للقطاع.
كما يُعد تقييم القيادات التنفيذية، ورأس المال البشري، وخطط التوظيف، والإحلال والتعاقب الوظيفي (Career & Succession Planning) من الركائز الأساسية في قطاعات المال والمصارف والتأمين، باعتبارها جزءًا لا يتجزأ من منظومة الحوكمة وإدارة المخاطر، بما يضمن استمرارية الأعمال، واستدامة الأداء، وبناء قيادات مستقبلية قادرة على مواجهة التحديات المتغيرة.
ومن الجوانب المحورية كذلك تعزيز الفهم المتكامل للقوائم المالية الثلاث: الميزانية العمومية (Balance Sheet)، وحساب الأرباح والخسائر (Profit & Loss Account)، وقائمة التدفقات النقدية (Cash Flow Statement)؛ حيث إن كل قائمة تعكس بعدًا مختلفًا من الأداء المالي؛ فالميزانية العمومية تعكس المركز المالي في لحظة زمنية محددة، بينما يقيس حساب الأرباح والخسائر نتائج الأداء خلال فترة مالية، في حين توضح قائمة التدفقات النقدية قدرة المؤسسة على توليد السيولة والوفاء بالتزاماتها التشغيلية والاستثمارية. ولا يكتمل التقييم المالي دون تحليل تكاملي لهذه القوائم مجتمعة.
وفي إطار تطوير الحوكمة وتعزيز كفاءة أسواق المال، فإن تنشيط تداول أسهم شركات التأمين في الأسواق المالية يُعد مسؤولية مشتركة بين مجالس الإدارة والإدارات التنفيذية، من خلال تبني استراتيجيات تعزز ثقة المستثمرين وترفع القيمة السوقية للشركات. كما ينبغي أن ترتبط حوافز ومكافآت الإدارات التنفيذية بمؤشرات أداء متوازنة لا تقتصر على نمو الإيرادات أو الأرباح فقط، بل تشمل كذلك أداء سعر السهم في السوق، وصافي الأرباح، والتدفقات النقدية، والعائد على حقوق المساهمين، وكفاءة إدارة رأس المال، ومستوى المخاطر، والالتزام بالحوكمة.
إن تبني هذا النهج الشامل والمتكامل في الحوكمة، وإدارة المخاطر، وتقييم الأداء، وربط الأداء التنفيذي بالقيمة السوقية والاستدامة المالية، من شأنه أن يسهم في تعزيز تنافسية قطاع التأمين العربي، ورفع كفاءته، وزيادة جاذبيته الاستثمارية، وتحويله إلى قطاع مالي واستثماري أكثر نضجًا واستدامة، يدعم النمو الاقتصادي ويحمي مصالح حملة الوثائق والمساهمين على حد سواء.
ومستقبل صناعة التأمين في الوطن العربي لا يعتمد فقط على نمو الأقساط أو الأرباح، بل على بناء منظومة متكاملة تشمل الحوكمة، وإدارة المخاطر، ورأس المال البشري، والتخطيط للتعاقب الوظيفي، والتحول الرقمي، وتنشيط أسواق المال، وربط أداء الإدارات التنفيذية بخلق قيمة مستدامة للمساهمين وحملة الوثائق والاقتصاد الوطني.
بهذه الرؤية، تتحول شركات التأمين من مجرد جهات لسداد التعويضات إلى مؤسسات مالية واستثمارية فاعلة تساهم في التنمية الاقتصادية وتعزيز الاستقرار المالي.
العدالة الوظيفية، والخبرة، والتوازن في صنع القرار
05 يوليو 2026 . الساعة 18:50 بتوقيت مسقط
إن الاستماع إلى آراء الموظفين، ولا سيما في المستويات الوظيفية المبتدئة (Junior)، يعد من أهم المؤشرات على جودة بيئة العمل وكفاءة الإدارة. وعندما تظهر ملاحظات متكررة تتعلق بالمساواة في المعاملة، أو تقييم الأداء، أو تضارب المصالح، أو الالتزام بقوانين العمل واللوائح الداخلية، فإن هذه القضايا تستدعي دراسة موضوعية، وتحقيقًا مهنيًا، واتخاذ الإجراءات التصحيحية المناسبة.
وفي هذا السياق، يبرز الدور المهم الذي تقوم به وزارة العمل في تعزيز العدالة الوظيفية وتكافؤ الفرص والشفافية، بما يتكامل مع الأدوار التنظيمية المشابهة التي تقوم بها هيئة حماية المستهلك في نطاق اختصاصها.
ومن الأدوات الحديثة التي تدعم الحوكمة المؤسسية اعتماد نظام تقييم الأداء من أسفل إلى أعلى (Upward Feedback) أو نظام تقييم 360 درجة، بحيث يُتاح للموظفين تقييم الجوانب القيادية والإدارية للمسؤولين، من حيث العدالة، والتواصل، والالتزام المهني، مع ضمان السرية والموضوعية، واستخدام هذه التغذية الراجعة كأداة تطوير وتحسين، وليست أداة عقابية فقط.
كما تُعد خطط التطوير الوظيفي والتخطيط للتعاقب الوظيفي (Career & Succession Plans) القائمة على الجدارة والكفاءة وتكافؤ الفرص، من الركائز الأساسية لبناء قيادات مستقبلية، وتعزيز الاستقرار المؤسسي، والحد من تضارب المصالح، ورفع كفاءة الأداء.
ومن الملاحظات التي تُطرح في بعض بيئات العمل انتقال بعض الرؤساء التنفيذيين أو المديرين العموميين بين المؤسسات، مصحوبين ببعض أعضاء فرقهم السابقة. ورغم أن هذا الأمر قد يكون مشروعًا إذا تم وفق إجراءات شفافة ومعايير توظيف عادلة، إلا أنه قد يؤدي في بعض الحالات إلى تقليص فرص الترقية الداخلية، وإضعاف مسارات تطور الكفاءات الوطنية داخل المؤسسة.
التوازن بين الخبرة والتخصص الأكاديمي
في بعض بيئات العمل، قد يُنظر إلى أصحاب الخبرة العملية على أنهم أكثر تحفظًا أو يحملون رؤى نقدية أو “سلبية” تجاه بعض القرارات. إلا أن هذا التصور لا يعكس بالضرورة الواقع، بل يعود غالبًا إلى اختلاف زاوية النظر؛ فصاحب الخبرة يعتمد على تراكم التجارب السابقة وما نتج عنها من نجاحات وإخفاقات، مما يجعله أكثر ميلًا إلى التحليل الحذر وتقليل المخاطر.
وفي المقابل، قد توجد حالات يشغل فيها بعض الأفراد مناصب قيادية أو إدارية بناءً على مؤهلات أكاديمية عالية، مثل درجة الدكتوراه، إلا أن خبراتهم العملية في بيئة العمل التنفيذي أو الإداري قد تكون محدودة نسبيًا. وهنا قد يظهر التحدي عندما لا يكون التكوين النظري مدعومًا بالخبرة التطبيقية الكافية في إدارة الواقع العملي ومتطلباته المتغيرة.
إن قوة المؤسسات تكمن في تحقيق التوازن بين هذين البعدين: المعرفة الأكاديمية والخبرة العملية، وبين التفكير التحليلي والفهم التطبيقي. فنجاح الإدارة الحديثة لا يقوم على إقصاء أحد الطرفين، بل على التكامل بينهما بما يحقق أفضل قرارات ممكنة.
وفي المحصلة، تسهم هذه الممارسات في فهم أسباب دوران الموظفين (Staff Turnover)، ومعالجتها من جذورها، وتعزيز برامج التدريب والتطوير، ورفع مستوى الرضا الوظيفي والإنتاجية.
إن العدالة الوظيفية ليست مطلبًا للموظفين فحسب، بل هي استثمار في رأس المال البشري، وأحد أهم مقومات نجاح المؤسسات واستدامتها. فكلما تعززت الشفافية والمساءلة والحوكمة، ورسخت مبادئ الجدارة وتكافؤ الفرص، زادت ثقة الموظفين، وانخفضت معدلات دورانهم، وارتفعت الإنتاجية، وتدعمت القدرة على استقطاب الكفاءات الوطنية والاحتفاظ بها، بما يخدم تنافسية الاقتصاد الوطني ويحقق مستهدفات رؤية “عُمان 2040”.
البيانات والإحصاءات أساس القرار الاستثماري في قطاعي التأمين والخدمات الصحية
12 يوليو 2026 . الساعة 18:18 بتوقيت مسقط
إن نجاح الاستثمار في قطاعي التأمين والخدمات الصحية يعتمد في المقام الأول على توافر المعلومات الدقيقة والبيانات الرسمية والشفافية في عرض المؤشرات الاقتصادية والتشغيلية. فالمستثمر لا يتخذ قراره بناءً على التوقعات أو الانطباعات، وإنما يستند إلى الخطط الاستراتيجية، والحقائق، والأرقام، والإحصاءات، والبيانات المحدثة، إضافة إلى وضوح التشريعات والقوانين المنظمة للسوق، واستقرار البيئة التنظيمية.
وفي هذا الإطار، كانت الهيئة العامة لسوق المال -سابقًا- تصدر تقارير وإحصاءات تتعلق بمشروع التأمين الصحي الإلزامي، والتي شكلت مرجعًا مهمًا لفهم حجم السوق والفرص الاستثمارية. إلا أن المرحلة الحالية تتطلب تطوير هذه التقارير لتكون أكثر شمولًا وحداثة، بما يعكس الواقع الفعلي للسوق، ويواكب التطورات المتسارعة في قطاعي التأمين والرعاية الصحية.
ومن المؤشرات التي يتطلع إليها المستثمرون وصناع القرار توفير بيانات تفصيلية حول عدد المؤمن عليهم، وحجم أقساط التأمين الصحي، وقيمة المطالبات، ومعدلات الخسائر، ونسب النمو، والتوزيع الجغرافي للمستفيدين، إضافة إلى بيانات عن المستشفيات والمراكز الصحية الخاصة، والطاقة الاستيعابية، والإنفاق الصحي، بما يمكّن من إعداد دراسات جدوى دقيقة، وتحديد الفرص الاستثمارية المستقبلية.
كما تبرز الحاجة إلى نشر إحصاءات شاملة عن الموارد البشرية في القطاع الصحي، وفي مقدمتها عدد الأطباء والكوادر الصحية الوطنية العاملة في القطاع الخاص، وتوزيعهم حسب التخصصات والمحافظات، ونسب التعمين، والاحتياجات المستقبلية للقوى العاملة الصحية. فهذه المؤشرات تمثل أحد أهم العناصر التي يعتمد عليها المستثمر عند اتخاذ قرار الاستثمار في المستشفيات والمراكز الطبية وشركات التأمين الصحي، كما تسهم في قياس جاهزية السوق لاستيعاب الاستثمارات الجديدة.
ومن هنا، تبرز أهمية إنشاء قاعدة بيانات وطنية متكاملة ومحدثة بصورة دورية، بالتعاون بين هيئة الخدمات المالية، ووزارة الصحة، والمركز الوطني للإحصاء والمعلومات، ووزارة العمل، وغرفة تجارة وصناعة عُمان، لتكون مرجعًا موحدًا للمستثمرين وصناع القرار والباحثين، وتعزز من مستوى الشفافية والثقة في السوق.
كما نأمل أن تتبنى الجهات المختصة إصدار تقرير سنوي للاستثمار في قطاعي التأمين والخدمات الصحية، يتضمن مؤشرات الأداء الرئيسة (KPIs)، والإحصاءات الاقتصادية والفنية، والفرص الاستثمارية، والتحديات، والتوقعات المستقبلية، وفق أفضل الممارسات الدولية، وبما يخدم احتياجات المستثمرين المحليين والدوليين.
إن توافر البيانات الدقيقة والشفافة لم يعد خيارًا، بل أصبح أحد أهم مقومات البيئة الاستثمارية الحديثة. فكلما ارتفع مستوى جودة الإحصاءات، ووضوح التشريعات، وسهولة الوصول إلى المعلومات، ازدادت ثقة المستثمرين، وتحسنت جودة القرارات الاستثمارية، وتعززت القدرة على استقطاب رؤوس الأموال المحلية والأجنبية.
وانطلاقًا من ذلك، فإننا ندعو إلى تبني نهج الاستثمار القائم على البيانات (Data-Driven Investment)، باعتباره أحد الركائز الأساسية لبناء اقتصاد تنافسي ومستدام. فلا استثمار ناجح دون بيانات موثوقة، ولا بيانات ذات قيمة دون شفافية وإفصاح، ولا يمكن رسم سياسات اقتصادية فاعلة دون مؤشرات دقيقة وقابلة للقياس.
ومن هذا المنطلق، فإن إصدار تقرير سنوي متكامل عن قطاعي التأمين والخدمات الصحية سيشكل خطوة استراتيجية نحو بناء اقتصاد قائم على المعرفة والبيانات، وسيسهم في تحقيق مستهدفات رؤية عُمان 2040، كما سيرسخ مكانة سلطنة عُمان كوجهة جاذبة للاستثمار في هذين القطاعين الحيويين، ويعزز من مساهمتهما في الناتج المحلي الإجمالي، والتنويع الاقتصادي، وخلق فرص العمل، وتمكين الكفاءات الوطنية في القطاع الخاص.
فالبيانات الدقيقة هي أساس القرار الاستثماري السليم، وهي اللغة التي يفهمها المستثمر، والجسر الذي يربط بين الرؤية الطموحة والتنفيذ الناجح.
السياحة الطبية.. فرصة استراتيجية لربط الصحة بالاقتصاد
19 يوليو 2026 . الساعة 18:51 بتوقيت مسقط
تمثل السياحة الطبية والصحية أحد القطاعات الواعدة التي أصبحت تحظى باهتمام متزايد عالميًا، ليس فقط باعتبارها خدمة علاجية، وإنما كمنظومة اقتصادية متكاملة ترتبط بالاستثمار، والسياحة، والنقل، والتأمين، والتعليم، والتدريب، وتسهم في تنويع مصادر الدخل وتعزيز القدرة التنافسية للدول.
وانطلاقًا من أهمية هذا القطاع، بدأت لجنة الصحة بغرفة تجارة وصناعة عُمان في إعداد فهرس للمحاور والمواضيع الرئيسة التي تشكل الأساس لبناء البنية التحتية لمنظومة السياحة الطبية والصحية في سلطنة عُمان، بما ينسجم مع أهداف رؤية “عُمان 2040″، ويربط القطاع الصحي بمختلف القطاعات الاقتصادية.
إن تطوير السياحة الطبية يتطلب رؤية شاملة تتجاوز إنشاء المنشآت الصحية فقط، لتشمل بناء منظومة متكاملة قادرة على استقطاب المرضى والمستثمرين من المنطقة والعالم، من خلال تطوير المستشفيات والمراكز التخصصية، وتشجيع الاستثمارات المحلية والأجنبية، وتعزيز الشراكة بين القطاعين الحكومي والخاص.
كما أن نجاح هذا المشروع يعتمد على التكامل بين عدة قطاعات، منها قطاع الطيران والنقل، والقطاع الفندقي والسياحي، وشركات التأمين، والخدمات اللوجستية، والتعليم الطبي، بحيث تتحول رحلة المريض إلى تجربة متكاملة تبدأ من الوصول إلى السلطنة، مرورًا بالخدمات العلاجية والتأهيلية، وانتهاءً بالإقامة والاستشفاء.
وتملك سلطنة عُمان العديد من المقومات التي تؤهلها لتكون مركزًا إقليميًا للسياحة الطبية والصحية؛ فهي تتمتع بموقع جغرافي استراتيجي، وبيئة آمنة ومستقرة، وسمعة دولية متميزة في العلاقات التجارية والثقافية، إضافة إلى طبيعتها المتنوعة التي توفر فرصًا كبيرة في مجالات الاستشفاء والعلاج الطبيعي والراحة الصحية.
كما أن العلاقات التاريخية بين سلطنة عُمان وجمهورية الهند، وما تتمتع به الهند من خبرات متقدمة في مجالات الطب والرعاية الصحية، تفتح آفاقًا واسعة للتعاون في مجالات العلاج التخصصي، وإنشاء المراكز الطبية المشتركة، وتبادل الخبرات، وتطوير الكوادر الوطنية.
ومن الجوانب المهمة التي يجب التركيز عليها دور قطاع التأمين الصحي، باعتباره أحد المكونات الأساسية لاستدامة السياحة الطبية، من خلال تطوير منتجات تأمينية متخصصة، وبناء شراكات مع المؤسسات الصحية الدولية، وتسهيل حصول المرضى على خدمات علاجية وفق معايير واضحة.
كما يتطلب المشروع إعداد إطار تنظيمي وتسويقي متكامل، يحدد معايير الجودة والاعتماد، وآليات جذب المرضى الدوليين، والترويج للسلطنة كوجهة موثوقة للرعاية الصحية، مع الاستثمار في تدريب وتأهيل الكوادر الوطنية لضمان استدامة القطاع.
إن السياحة الطبية والصحية ليست مجرد مشروع صحي، بل هي مشروع اقتصادي وتنموي يربط بين الإنسان والاستثمار والمعرفة. ومن خلال التخطيط المشترك بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص، يمكن لسلطنة عُمان أن تبني نموذجًا متميزًا يجمع بين جودة الرعاية الصحية، وجاذبية السياحة، والفرص الاقتصادية، بما يعزز مكانتها الإقليمية والدولية.
إن المبادرة التي بدأت بها لجنة الصحة بغرفة تجارة وصناعة عُمان لوضع إطار المحاور الرئيسة لهذا المشروع تمثل خطوة مهمة نحو صياغة رؤية وطنية متكاملة، تجعل من القطاع الصحي أحد محركات النمو الاقتصادي والتنمية المستدامة في السلطنة.
التأمين الصحي التجاري والاجتماعي: التوازن بين الحماية الصحية والاستدامة المالية
22 يوليو 2026 . الساعة 18:36 بتوقيت مسقط
يُعد التأمين الصحي من أهم الأدوات الحديثة لإدارة المخاطر الصحية وتحقيق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، فهو لا يقتصر على توفير العلاج والخدمات الصحية، بل يمثل منظومة مالية واقتصادية متكاملة تهدف إلى حماية الأفراد والمجتمع، وضمان استمرارية تقديم الرعاية الصحية بجودة وكفاءة.
وتقوم أنظمة التأمين الصحي في العالم على نموذجين رئيسين: التأمين الصحي التجاري، والتأمين الصحي الاجتماعي. ورغم اختلاف طبيعة كل نظام وأهدافه وآليات تمويله، فإن القاسم المشترك بينهما هو تحقيق الأمن الصحي والاستدامة المالية، بما يضمن قدرة النظام على الوفاء بالتزاماته الحالية والمستقبلية.
التأمين الصحي التجاري: نشاط اقتصادي مع مسؤولية اجتماعية
يقوم التأمين الصحي التجاري على أسس اقتصادية وتجارية، حيث تتولى شركات التأمين إدارة هذا النشاط وفق مبادئ فنية واكتوارية تهدف إلى تسعير المخاطر بصورة عادلة، وتوفير التغطيات الصحية المناسبة، وتحقيق عائد مستدام للمساهمين.
وعندما يكون التأمين الصحي التجاري إلزاميًا بموجب القوانين والأنظمة، فإن ذلك لا يلغي طبيعته الاقتصادية والتجارية، بل يجعله نشاطًا ذا أهمية وطنية تتطلب تحقيق التوازن بين مصالح جميع الأطراف. فمن حق المساهمين الحصول على عائد عادل ومستدام على استثماراتهم؛ لأن الربحية تمثل عنصرًا أساسيًا لاستمرار شركات التأمين وقدرتها على تطوير خدماتها وتعزيز ملاءتها المالية.
وفي الوقت ذاته، فإن إلزامية التأمين الصحي تستوجب وجود رقابة فعالة تضمن عدم تحقيق أرباح غير مبررة على حساب المؤمن لهم، وذلك من خلال متابعة التسعير، وجودة الخدمات، وكفاءة إدارة المطالبات، والالتزام بمبادئ الحوكمة والشفافية.
التأمين الصحي الاجتماعي: حماية المجتمع واستدامة التمويل
أما التأمين الصحي الاجتماعي، فإنه يقوم على مبدأ التكافل الاجتماعي، ويهدف إلى توفير الحماية الصحية للفئات المستهدفة ضمن إطار وطني يحقق العدالة الاجتماعية.
ولا يتمثل الهدف الأساسي لهذا النظام في تحقيق الأرباح التجارية، وإنما في تحقيق التوازن بين الاشتراكات والمنافع، والمحافظة على الاستدامة المالية والاكتوارية للصندوق، وضمان استمرارية تقديم الخدمات الصحية للأجيال الحالية والمستقبلية.
ومن هنا، فإن وجود فوائض مالية في نظام التأمين الصحي الاجتماعي يُعد عنصرًا إيجابيًا؛ لأنه يعزز قدرة النظام على مواجهة الالتزامات المستقبلية، بشرط أن تتم إدارة هذه الأموال وفق أسس الحوكمة الرشيدة، والاستثمار المسؤول، وإدارة المخاطر.
دور الرقابة في تحقيق التوازن
إن نجاح أي نظام للتأمين الصحي يعتمد بدرجة كبيرة على قوة الإطار الرقابي والإشرافي. فمسؤولية الجهة المنظمة لا تقتصر على إصدار القوانين والتراخيص، بل تشمل متابعة الأداء المالي والفني، وضمان قدرة النظام على تحقيق أهدافه.
وتشمل الرقابة الفعالة متابعة مؤشرات مهمة، مثل: الملاءة المالية، والسيولة، والاستدامة الاكتوارية، وكفاءة إدارة المطالبات، وجودة الخدمات الصحية، ومستوى رضا المستفيدين، إضافة إلى الالتزام بالحوكمة، والإفصاح، والشفافية.
كما ينبغي أن تعتمد الجهات الرقابية مؤشرات أداء واضحة (KPIs) لقياس نجاح النظامين، بحيث لا يكون التقييم قائمًا فقط على النتائج المالية، وإنما يشمل جودة الخدمة، وكفاءة استخدام الموارد، وقدرة النظام على مواجهة المخاطر المستقبلية.
الربحية والسيولة: عناصر أساسية للاستدامة
إن تحقيق الربحية في التأمين الصحي التجاري ليس هدفًا يتعارض مع المصلحة العامة، بل هو ضرورة لاستمرار الشركات وتطوير قدراتها، بشرط أن تكون الربحية عادلة، ومستدامة، ومبنية على أسس فنية واكتوارية سليمة.
وفي المقابل، فإن دور الجهة الرقابية يتمثل في تحقيق التوازن بين حماية حقوق المؤمن لهم، وضمان استدامة شركات التأمين، والمحافظة على سوق صحي وتنافسي.
وقد ترى الجهات الرقابية، وفقًا لظروف كل سوق، وضع ضوابط أو مؤشرات استرشادية لمستويات الربحية، بهدف منع الأرباح الاستثنائية الناتجة عن إلزامية التأمين، مع المحافظة على حق المستثمرين في تحقيق عائد عادل.
كما أن توفر السيولة المالية والفوائض المستدامة يمثل عنصرًا أساسيًا لنجاح كلا النظامين؛ لأنها تمكنهما من الوفاء بالالتزامات، ومواجهة الأزمات، والاستمرار في تقديم الخدمات الصحية بكفاءة.
المبدأ الختامي
إن الهدف الحقيقي من التأمين الصحي، التجاري والاجتماعي، لا يجب أن يقتصر على تحقيق نتائج مالية فقط، بل يجب أن يتمثل في بناء منظومة صحية ومالية مستدامة تحقق التوازن بين حماية المستفيدين، وتحقيق عائد عادل للمساهمين في التأمين التجاري، والمحافظة على الاستدامة المالية للتأمين الاجتماعي.
فنجاح نظام التأمين الصحي يُقاس بقدرته على تحقيق ثلاثة أهداف مترابطة:
أولًا: توفير حماية صحية فعالة، وخدمات ذات جودة للمستفيدين.
ثانيًا: المحافظة على الاستدامة المالية والاكتوارية، وبناء سيولة وفوائض مالية آمنة لمواجهة الالتزامات المستقبلية.
ثالثًا: الإسهام في التنمية الاقتصادية من خلال الإدارة الكفؤة للأموال، وتعزيز الثقة في القطاع الصحي والتأميني.
إن بناء نظام تأمين صحي قوي وعادل ومستدام يمثل استثمارًا في الإنسان والاقتصاد الوطني، ويشكل ركيزة أساسية لتحقيق الأمن الصحي والمالي للمجتمع، وخدمة الأجيال الحالية والقادمة.
من أين تبدأ إدارة مخاطر الفيضانات؟
28 يوليو 2026 . الساعة 19:31 بتوقيت مسقط
لا شك أن استخدام الأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة والذكاء الاصطناعي يُعد نقلة نوعية في رصد الفيضانات والإنذار المبكر وإدارة الأزمات، إلا أن هذه التقنيات تمثل وسائل لإدارة النتائج، وليست معالجةً للأسباب الجذرية للمخاطر.
فالمخاطر تبدأ عند السماح بالتوسع العمراني في مصبات الأودية، والمناطق الساحلية المعرضة للفيضانات، أو إقامة المشاريع دون إجراء الدراسات الجيوتقنية للتربة، ودون الالتزام الصارم بكودات البناء والتصميم الهندسي المقاوم للمخاطر الطبيعية.
ومن هذا المنطلق، نُثمن الجهود التي تبذلها وزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه في تنفيذ مشاريع السدود والحماية من أخطار الأودية، والتي أسهمت في الحد من آثار السيول وحماية الأرواح والممتلكات.
كما نوصي وزارة الإسكان والتخطيط العمراني، بالتعاون مع الجمعية العقارية والجهات المختصة، لإعداد نظام وطني لتصنيف المناطق حسب مستوى المخاطر (Risk-Based Zoning)، يعتمد على خرائط الأودية، والمناطق الساحلية، وطبيعة التربة، والارتفاعات، وسجل الكوارث الطبيعية، وأن يكون هذا التصنيف جزءًا من إجراءات منح التراخيص والتطوير العقاري.
إن تطبيق هذا النظام سيحقق العديد من الفوائد، من أهمها:
- توجيه التنمية العمرانية إلى المواقع الأكثر أمانًا.
- رفع جودة التخطيط والاستثمار العقاري.
- دعم الالتزام بكودات البناء المناسبة لكل منطقة.
- تمكين شركات التأمين من إجراء تقييم فني دقيق للأخطار (Risk Assessment) وتسعير عادل للأقساط (Risk-Based Pricing).
- تشجيع إجراءات الحد من المخاطر (Risk Mitigation) قبل وقوع الكوارث، بدلاً من الاكتفاء بالتعويض بعدها.
- تقليل الخسائر البشرية والاقتصادية والتأمينية، وتعزيز استدامة قطاع التأمين والاقتصاد الوطني.
إن إدارة مخاطر الكوارث مسؤولية مشتركة، تبدأ بالتخطيط السليم، ثم التشريعات، ثم التنفيذ والرقابة، وأخيرًا استخدام التكنولوجيا كوسيلة داعمة لاتخاذ القرار، لا كبديل عن معالجة الأسباب.
فالاستثمار في الوقاية أقل تكلفة بكثير من تحمل تكلفة التعويض وإعادة الإعمار، والتخطيط المبني على المخاطر هو الأساس لتنمية عمرانية واقتصادية مستدامة.
الحماية التأمينية والادخار المالي.. رؤية نحو سوق تأمين مستدام
02 اغسطس 2026 . الساعة 19:17 بتوقيت مسقط
إن تعزيز ثقافة الادخار والتوفير والحماية المالية يعد أحد المرتكزات الأساسية للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، ويُعد قطاع التأمين أحد أهم الأدوات التي تسهم في تحقيق هذه الأهداف من خلال حماية الأفراد والمؤسسات من الآثار المالية للمخاطر. ولذلك، فإن نجاح صناعة التأمين يتطلب أن تُبنى منتجاتها وآليات تسعيرها وتمويلها على أسس فنية واكتوارية سليمة، بما يحقق التوازن بين مصلحة المؤمن له، واستدامة شركات التأمين، وتعزيز الثقة في السوق.
وفي هذا الإطار، فإن التوسع في تقسيط أقساط التأمين يعد خطوة إيجابية تسهم في تسهيل حصول الأفراد والمؤسسات على الحماية التأمينية، ودعم ثقافة الادخار والتوفير، وتعزيز الشمول المالي. إلا أن هذه الممارسة يجب أن تُنظم وفق أسس علمية وفنية تستند إلى الدراسات الاكتوارية المعتمدة، وليس وفق اعتبارات تجارية أو تنافسية بحتة.
فالتقسيط يمثل تكلفة تمويل ومخاطر إضافية، ومن ثم يجب أن ينعكس ذلك بشفافية في عملية التسعير، بما يحقق العدالة بين جميع حملة الوثائق، ويحافظ على الملاءة المالية لشركات التأمين.
وأوصي باعتماد سعرين واضحين لكل منتج تأميني:
السعر النقدي: عند سداد كامل قسط التأمين دفعة واحدة.
السعر المؤجل (بالتقسيط): ويشمل تكلفة التمويل والمخاطر الإضافية وفق دراسة اكتوارية معتمدة، مع الإفصاح الكامل عنها للمؤمن له.
كما أوصي بأن تتضمن وثائق التأمين وشروط التقسيط نصوصًا واضحة تنظم حقوق والتزامات طرفي العقد عند وقوع الخطر المؤمن عليه (Insured Peril)، وما يترتب عليه من مطالبة بالتعويض. ففي هذه الحالة، يحق لشركة التأمين -وفقًا لشروط وثيقة التأمين واتفاق الطرفين- أن تطالب بسداد الرصيد المتبقي من أقساط التأمين قبل صرف التعويض، أو أن تقوم بخصم الأقساط المستحقة من مبلغ التعويض المستحق للمؤمن له أو للمستفيد، بما يحفظ الحقوق التعاقدية للطرفين، ويحقق العدالة في تنفيذ العقد.
ويستند ذلك إلى أن عقد التأمين هو عقد يقوم على مبدأ حسن النية المطلقة (Utmost Good Faith)، الأمر الذي يقتضي التزام كل من شركة التأمين والمؤمن له بالوفاء بالتزاماتهما التعاقدية. فكما تلتزم شركة التأمين بسداد التعويض عند تحقق الخطر المؤمن عليه وفقًا لشروط الوثيقة، يلتزم المؤمن له بسداد أقساط التأمين المستحقة وفقًا للاتفاق المبرم بين الطرفين.
كما أؤكد أن صناعة التأمين تختلف جوهريًا عن العمل المصرفي. فالتأمين يقوم على إدارة ونقل المخاطر وتسعيرها وفق أسس اكتوارية وإحصائية، بينما يقوم العمل المصرفي على التمويل والائتمان وإدارة السيولة. ولذلك، فإن تطبيق نماذج التمويل المصرفي على منتجات التأمين دون مراعاة الطبيعة الفنية لهذه الصناعة قد يؤدي إلى تشوهات في التسعير، ويؤثر في الملاءة المالية للشركات، ويخل بمبدأ العدالة بين حملة الوثائق.
ويبرز هذا الأمر بصورة أوضح في نظام التأمين المصرفي (Bancassurance)، حيث تقوم المصارف بتوزيع المنتجات التأمينية عبر قنواتها المصرفية. ورغم ما يوفره هذا النظام من سهولة الوصول إلى العملاء ودعم الشمول التأميني، إلا أنه لا ينبغي أن تتحول آليات تقسيط أقساط التأمين إلى ممارسة مصرفية بحتة. فتبقى وثيقة التأمين منتجًا تأمينيًا يخضع في تسعيره وإدارة مخاطره للمبادئ الاكتوارية والفنية، وليس لاعتبارات التمويل المصرفي وحدها.
كما أوصي بأن تضع الجهة الرقابية إطارًا تنظيميًا واضحًا لتقسيط أقساط التأمين، يتضمن ضوابط التسعير الفني، ومتطلبات الإفصاح والشفافية، وآليات حماية المستهلك، مع منح الاكتواري المعتمد الدور الرئيس في اعتماد تكلفة التقسيط، بما يتوافق مع أفضل الممارسات الدولية.
إن الهدف من تقسيط أقساط التأمين هو توسيع نطاق الحماية التأمينية، وتعزيز ثقافة الادخار والتوفير، ودعم الشمول المالي، وليس خلق منافسة سعرية غير فنية أو تحويل شركات التأمين إلى جهات تمويل. كما أن وجود سعر نقدي وسعر مؤجل، مبنيين على أسس اكتوارية واضحة، يحقق العدالة والشفافية، ويعزز ثقة المتعاملين في سوق التأمين.
ومن منظور اقتصادي، فإن وجود قطاع تأمين قوي ومستدام يسهم في تعزيز الاستقرار المالي، وحماية الأصول والاستثمارات، وتشجيع الادخار طويل الأجل، وتوفير بيئة أكثر جاذبية للاستثمار، وهو ما ينعكس إيجابًا على النمو الاقتصادي وتحقيق مستهدفات رؤية “عُمان 2040”.
وأخيرًا، أوصي باعتماد التسعير الفني (Technical Pricing)، والتمييز الواضح بين السعر النقدي والسعر المؤجل، وتطبيق مبادئ الحوكمة والشفافية والإفصاح، وتعزيز دور الاكتواري المعتمد في تسعير المنتجات التأمينية، بما يحقق استدامة قطاع التأمين، ويرفع مستوى الثقة فيه، ويحافظ على حقوق حملة الوثائق، ويحقق المنافسة العادلة، ويؤكد أن التأمين ليس مجرد وسيلة لتعويض الخسائر، بل هو أحد أهم أدوات الحماية المالية، والادخار، والتوفير، والتنمية الاقتصادية.
هل آن الأوان لمراجعة قانون التأمين في سلطنة عُمان؟
10 اغسطس 2026 . الساعة 20:19 بتوقيت مسقط
تُعد التشريعات الاقتصادية من أهم الأدوات التي تنظم الأسواق، وتحمي حقوق المتعاملين، وتعزز الاستقرار المالي، وتدعم النمو المستدام. إلا أن نجاح أي تشريع لا يقاس بتاريخ صدوره، وإنما بمدى قدرته على تحقيق أهدافه ومواكبة المتغيرات الاقتصادية والمالية والتكنولوجية.
وقد شهد قطاع التأمين في سلطنة عُمان خلال السنوات الماضية تعديلات تشريعية وتنظيمية مهمة، من أبرزها اشتراط ألا يقل رأس مال شركة التأمين الوطنية عن 10 ملايين ريال عُماني، وأن تكون شركة مساهمة عامة ومدرجة في بورصة مسقط، وذلك بهدف تعزيز الملاءة المالية، وتحسين الحوكمة، ورفع مستوى الإفصاح والشفافية، وحماية حقوق حملة الوثائق والمساهمين.
كما تضمنت المنظومة التنظيمية ضوابط تهدف إلى تعزيز المنافسة ومنع التركز الاقتصادي، من بينها تحديد سقف لحصة شركة التأمين من إجمالي أعمال السوق، بحيث لا تتجاوز 33% إلا إذا وجدت مبررات توافق عليها الجهة الرقابية، إضافة إلى تحديد الحد الأعلى لملكية الفرد أو المؤسسة في رأس مال شركة التأمين بنسبة 25%، بما يحقق تنوع الملكية ويعزز مبادئ الحوكمة والاستقرار المؤسسي.
وبعد مرور سنوات على تطبيق هذه التشريعات، يبرز عدد من التساؤلات التي تستحق الدراسة والتقييم:
هل حققت متطلبات رفع رأس المال أهدافها في تعزيز الملاءة المالية واستدامة شركات التأمين؟
هل أسهمت هذه التشريعات في رفع مساهمة قطاع التأمين في الناتج المحلي الإجمالي، وزيادة معدل انتشار التأمين في سلطنة عُمان؟
هل ارتفعت نسبة الاحتفاظ بالأخطار داخل السوق العُماني، أم ما زالت نسبة كبيرة من أقساط التأمين تُحوَّل إلى أسواق إعادة التأمين الخارجية؟
هل انعكس رفع رأس المال على تحسين النتائج الفنية والربحية وتعزيز قدرة الشركات على مواجهة الأزمات؟
هل أدى الإدراج في بورصة مسقط إلى تعزيز الحوكمة والإفصاح والشفافية، وزيادة ثقة المستثمرين؟
هل شجعت هذه المتطلبات على الاندماجات والاستحواذات وتكوين شركات وطنية أكبر وأكثر قدرة على المنافسة محلياً وإقليمياً؟
هل أسهمت هذه التشريعات في تطوير الكفاءات الوطنية والاستثمار في Career & Succession Planning لضمان استدامة القيادات الوطنية في القطاع؟
هل ما زال الحد الأقصى لحصة شركة التأمين من إجمالي أعمال السوق عند 33% يحقق التوازن المطلوب بين المنافسة والكفاءة، أم أن المرحلة الحالية تستدعي إعادة تقييمه وفق معايير اقتصادية وفنية واضحة؟
وهل ما زال الحد الأعلى لملكية الفرد أو المؤسسة بنسبة 25% يحقق أهداف الحوكمة ومنع التركز الاقتصادي، أم أن السوق يحتاج إلى قدر أكبر من المرونة لجذب مستثمرين استراتيجيين يمتلكون الخبرة ورؤوس الأموال والتقنيات الحديثة؟
هل ينبغي أن تعتمد التشريعات المستقبلية بصورة أكبر على مؤشرات مثل الملاءة المالية، وجودة الحوكمة، وإدارة المخاطر، وكفاءة الإدارة، بدلاً من الاعتماد على حدود رقمية ثابتة فقط؟
وهل أصبح الوقت مناسباً للانتقال إلى إطار رقابي قائم على المخاطر (Risk-Based Regulation)، يواكب أفضل الممارسات الدولية، ويمنح الشركات الكفؤة مساحة أكبر للنمو والابتكار؟
لقد أصبح قطاع التأمين اليوم يواجه تحديات وفرصاً جديدة لم تكن مطروحة عند إصدار كثير من التشريعات، ومن أبرزها التحول الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والتغيرات المناخية، والتأمينات الصحية، والتأمين الزراعي، والتأمين ضد الكوارث الطبيعية، والمتطلبات المتزايدة لإدارة رأس المال والمخاطر وفق المعايير الدولية.
ومن هنا، فإن المراجعة الدورية للتشريعات ينبغي أن تكون ممارسة مؤسسية مستمرة، تستند إلى البيانات ومؤشرات الأداء ونتائج التطبيق العملي، وليس إلى عامل الزمن وحده.
ويبقى السؤال الأهم: هل يحتاج قطاع التأمين في سلطنة عُمان إلى تعديل جديد في قانون التأمين، أم أن الأولوية اليوم تكمن في تطوير آليات التطبيق، وتعزيز الحوكمة، وتحسين التسعير الفني، ورفع كفاءة إدارة المخاطر، وتنمية رأس المال البشري؟
والهدف من طرح هذه التساؤلات ليس الدعوة إلى تغيير التشريعات لمجرد التغيير، وإنما فتح باب الحوار المهني لإجراء تقييم موضوعي لمدى تحقيق قانون التأمين واللوائح التنظيمية للأهداف التي شُرعت من أجلها، في ضوء المتغيرات الاقتصادية والمالية والتكنولوجية التي يشهدها العالم؛ إذ أثبتت التجارب الدولية أن التشريعات الناجحة هي تلك التي تخضع للمراجعة الدورية، وتستند إلى مؤشرات الأداء والنتائج، وليس إلى عامل الزمن فقط. ومن هذا المنطلق، فإن أي مراجعة مستقبلية ينبغي أن توازن بين حماية حقوق حملة الوثائق، وتعزيز المنافسة، وجذب الاستثمار، ورفع كفاءة الحوكمة، وتقوية الملاءة المالية، وتنمية الكفاءات الوطنية، وتحفيز الابتكار.
ويبقى السؤال الذي يستحق أن يطرحه الجميع: هل حققت التشريعات الحالية جميع أهدافها؟ وإذا كانت الإجابة نعم، فما هي مؤشرات النجاح التي يمكن قياسها؟ وإذا كانت الإجابة لا، فما هي الجوانب التي تستحق المراجعة والتطوير؟
كما يبرز تساؤل آخر لا يقل أهمية: هل ما زالت المعايير الكمية وحدها، مثل الحد الأدنى لرأس المال، ونسب التركز في السوق، وحدود الملكية، كافية لتحقيق أهداف المرحلة المقبلة، أم أن المستقبل يتطلب تشريعات أكثر مرونة ترتكز على جودة الحوكمة، والملاءة المالية، وإدارة المخاطر، والابتكار، ورأس المال البشري؟
والإجابة عن هذه الأسئلة لا تقع على عاتق جهة واحدة، بل هي مسؤولية مشتركة بين الجهة الرقابية، وشركات التأمين وإعادة التأمين، والوسطاء، والمستثمرين، والأكاديميين، والقطاع الخاص، بما يضمن بناء قطاع تأمين أكثر كفاءة وتنافسية واستدامة، وقادراً على الإسهام بفاعلية في تحقيق رؤية “عُمان 2040”.
إنَّ مراجعة التشريعات ليست اعترافاً بوجود خلل، وإنما دليل على نضج المؤسسات، وحرصها على التطوير المستمر، ومواكبة أفضل الممارسات العالمية، وتعزيز الثقة في الاقتصاد الوطني؛ فالقوانين الناجحة ليست تلك التي تبقى ثابتة، وإنما تلك التي تتطور مع تطور الاقتصاد والأسواق، وتستجيب للمتغيرات، وتوازن بين حماية حقوق حملة الوثائق، وتعزيز المنافسة، وجذب الاستثمار، وتشجيع الابتكار، وتحقيق الاستدامة المالية، بما يخدم الاقتصاد الوطني والأجيال القادمة.
قياس الأداء.. وتحفيز التميز
19 اغسطس 2026 . الساعة 18:40
في هذا المقال أقترح أن تقوم غرفة تجارة وصناعة عُمان بمراجعة إمكانية إبرام اتفاقية تعاون مع إحدى الصحف الاقتصادية المحلية الصادرة باللغة العربية، لإطلاق مبادرة سنوية وطنية لتقييم وتحفيز أداء القطاعات الاقتصادية في سلطنة عُمان، بما يشمل قطاعات الخدمات، مثل البنوك وشركات التأمين والمستشفيات وغيرها، إضافة إلى القطاع الصناعي بمختلف أنشطته.
وسبق للغرفة أن خاضت تجربة مماثلة خلال الفترة 2018–2022، بالتعاون مع إحدى المؤسسات الإعلامية الاقتصادية المحلية، من خلال تنظيم مسابقات لتقييم أداء عدد من قطاعات الخدمات والصناعة واختيار المؤسسات المتميزة، مثل أفضل بنك، وأفضل شركة تأمين، وأفضل مصنع، وأفضل مستشفى، وغيرها.
ومن هذا المنطلق، يمكن الاستفادة من تلك التجربة وتطويرها وإعادة إطلاقها بصورة أكثر مؤسسية واحترافية، من خلال وضع مؤشرات ومعايير مهنية وموضوعية لقياس الأداء، بحيث لا يكون الهدف مجرد اختيار الأفضل، وإنما تحفيز المؤسسات على تحسين الكفاءة والربحية والاستدامة والابتكار وجودة الخدمات وتعزيز قدرتها التنافسية.
كما أقترح أن تكون اللجان المتخصصة في غرفة تجارة وصناعة عُمان جزءًا أساسيًا من المبادرة، بحيث تساهم كل لجنة، في نطاق اختصاصها، في إعداد معايير التقييم ومؤشرات الأداء ومراجعة النتائج، ويمكن أن يشارك بعض رؤساء اللجان المتخصصة في لجان التحكيم وفقًا لخبراتهم واختصاصاتهم، مع الالتزام الكامل بالشفافية والإفصاح عن أي تعارض في المصالح.
ويمكن أن تتوج المبادرة سنويًا بمنح «كأس غرفة تجارة وصناعة عُمان للتميز القطاعي» وجوائز للمؤسسات والشركات المتميزة، لتكون الجائزة حافزًا للمنافسة الإيجابية وتحسين الأداء، وليس مجرد تكريم.
ونظرًا لأهمية المبادرة، أقترح أن يتم تطويرها لتأخذ طابعًا وطنيًا ودوليًا، بحيث تصبح فعالية اقتصادية سنوية تستقطب اهتمام المؤسسات المحلية والإقليمية والدولية، وتبرز المؤسسات العُمانية المتميزة، وتفتح المجال مستقبلًا للمقارنة مع أفضل الممارسات والمعايير الدولية.
وبذلك يمكن أن تتحول المبادرة إلى منصة وطنية للتميز الاقتصادي تجمع بين القياس والتحليل والتحفيز والتكريم، وتعزز صورة سلطنة عُمان وقطاعها الخاص على المستويين الإقليمي والدولي، بما يتوافق مع أهداف رؤية عُمان 2040.
** خبير التأمين وباحث اقتصادي متخصص



