
الأمراض المزمنة و«بيغ فارما»
22 يونيو 2026
سأكمل ما بدأته في مقالي السابق حول الانتقال من «الإدارة الدوائية المستمرة» إلى نموذج التعافي الأيضي لمرضى السكري من النوع الثاني.
في البداية، أنوه إلى أن الوفورات المالية المقدرة التي ذكرتها في مقالي السابق كانت لعدد من السنوات تراكميا، وليس لعام واحد فقط، وقد سقط سهوا عدد السنوات.
لذا سأركز الآن على تفاصيل الوفورات على مدى 10 سنوات من تطبيق هذا النموذج.
بناء على بيانات الاتحاد الدولي للسكري (IDF) الصادرة في تحديث عام 2024، يُقدّر عدد البالغين المصابين بالسكري في سلطنة عمان، عُمانيين ومقيمين، بنحو 412,300 مصاب، بمعدل انتشار عام يصل إلى 17% بين السكان من عمر 20 إلى 79 عاما. وتشير الكتيبات الإرشادية لوزارة الصحة إلى أن النوع الثاني يمثل النسبة الساحقة بحوالي 90% من الحالات، فهو مرتبط بنمط الحياة والسمنة، بينما يمثل النوع الأول المناعي ما بين 5% و10%، وهو الأكثر شيوعا بين الأطفال والمراهقين.
وعند تطبيق مؤشرات المسح الوطني للأمراض غير المعدية (STEPS)، الذي نُفذ ميدانيا في سلطنة عمان خلال 2025، وصدرت ورقة حقائقه الرسمية في فبراير 2026، نجد أن نسبة الانتشار المحلية بين المواطنين بلغت 15.7%.
هذا يعني أن عدد المواطنين العُمانيين المصابين بالنوع الثاني من السكري يبلغ حاليا قرابة 240,000 مريض، مع وجود 11.8% من المواطنين في مرحلة ما قبل السكري الحرجة وفقا لنتائج المسح نفسه.
وفقا لدراسات كلفة الأمراض الخليجية المحدثة حتى عام 2026، فالكلفة القياسية المستقرة تشمل الأدوية الدورية مثل الميتفورمين والإبر، والفحوصات المخبرية الأساسية، وزيارات الرعاية الأولية. وتبلغ في المتوسط 965 ريالا عمانيا سنويا للمريض الواحد. وتشير البيانات إلى أن 70% من ميزانيات السكري تذهب لعلاج المضاعفات الحرجة عند انهيار خطوط الدفاع الأولى، وهي أولا الفشل الكلوي؛ فتكلفة إدارة مريض الغسيل الكلوي الواحد ما بين 6,000 و8,000 ريال عماني سنويا. أما القدم السكرية والبتر؛ فيُكلف علاجه ما بين 4,000 و6,000 ريال عماني للحالة الواحدة. أما قسطرة الشرايين والقلب؛ فتكلف العمليات الجراحية لانسداد الشرايين الناتجة عن السكري ما بين 4,500 و5,100 ريال عماني لكل عملية. وتجنب المضاعفات يمثل الوفر غير المباشر، وسنحسبه بضرب الوفر المباشر في «معامل المضاعفات الخليجي المعتمد»، وهو تجنب كلفة الخطر الموزع بنسبة تضاعف 2x إلى 2.5x.
عند بناء نموذج مالي ديناميكي يبدأ من 2026 ويمتد لـ10 سنوات، بحيث يستهدف 50% من العُمانيين المصابين بالنوع الثاني، أي 120,000 مريض كشريحة مستهدفة في السنة الأولى، مع احتساب معدل نمو طبيعي سنوي للإصابات بمقدار 3%، وتراكم الحالات المتعافية عاما بعد عام. ونقدر نسبة نجاح تحفظية تبلغ 40% كهامش أمان، لتعويض فروقات الالتزام في التطبيق الميداني الواسع مقارنة بالبيئة العيادية الصارمة للمختبرات.
ونضع في الحسبان تخصيص ميزانية استثمارية قدرها 300 ريال عماني لكل مواطن لتمويل مرحلة التعافي الأيضي المكثف «أجهزة قياس، وإشراف طبي، ومنصات رقمية»، فيكون الاستثمار التشغيلي المطلوب للسنة الأولى حوالي 36 مليون ريال عُماني، يُغطى بالكامل تقريبا من وفر الأدوية الفوري البالغ حوالي 32.4 مليون ريال، لتصل المنظومة إلى نقطة التعادل سريعا.
أما صافي الوفر التراكمي المباشر (2026 – 2036)، فبعد خصم كافة تكاليف تشغيل البرنامج على مدار العقد، يتبقى وفر صافٍ مؤكد يتجاوز 960 مليون ريال من بند الرعاية القياسية والأدوية. أما صافي الوفر الشامل، وهو العائد الحقيقي على الاستثمار، مع إضافة كلفة الحماية من المضاعفات الكارثية، وهي الغسيل الكلوي والبتر وغيره، وخصم كلفة تشغيل البرنامج؛ فيقفز صافي الفائض المسترد إلى ما بين 3.3 و4.3 مليار ريال عُماني بنهاية عام 2036.
أما إجمالي حالات التعافي الأيضي بحلول عام 2036 فهو 258,000 مواطن عُماني يتم إخراجهم من سجلات المرض والاعتماد الدوائي إلى نمط الحياة الطبيعي المستقر.
وعند إدخال معامل خطر تحفظي يفترض انتكاس ما بين 15% و20% من الحالات على مدار العشر سنوات، واحتياجهم إلى إعادة التأهيل أو العودة الجزئية للأدوية الدورية، فإن صافي الوفر التراكمي لوزارة الصحة يظل مستقرا فوق حاجز المليار ريال عماني. هي ليست أرقاما من وثيقة مالية جاهزة، بل هي نموذج محاكاة اقتصادي استشرافي، وهي توقعات مبنية على دمج كلفة المرض الخليجية مع نسب التعافي العالمية.
الهيدروجين الطبيعي الثروة المستدامة
29 يونيو 2026
تتحول جبال سلطنة عُمان اليوم إلى محط أنظار مجتمع الطاقة العالمي؛ نظرا لما تمتلكه من خصائص جيولوجية فريدة تجعلها مستودعا طبيعيا هائلا للهيدروجين الجيولوجي، المعروف بالهيدروجين الأبيض أو الطبيعي.
هذا الغاز النظيف يتكون في باطن الأرض نتيجة تفاعلات كيميائية صامتة ومستمرة، واهتمام العالم به هو اهتمام اقتصادي وسيادي يعيد تعريف مفهوم الثروات الوطنية.
يكمن التميز العُماني في تركيبتين جيولوجيتين أساسيتين في جبال عمان هما الأندر عالميا بهذا الحجم؛ وهي أوفيوليت سمائل، حيث تقع جبال عُمان ضمن أضخم وأهم تكوين لصخور الأوفيوليت، وهي صخور وشاح الأرض الممتدة على سطح الكوكب. وثانيا صخور البيريدوتيت، وهي صخور غنية جدا بعنصري الحديد والمغنيسيوم.
فعندما تتدفق مياه الأمطار أو المياه الجوفية عبر تشققات الجبال وتتفاعل مع الحديد الموجود في صخور البيريدوتيت، تحدث عملية أكسدة طبيعية تُعرف علميا بـ «السرپنتة»، وينتج عن هذا التفاعل انطلاق غاز الهيدروجين النقي وتجمعه في مكامن الأرض بشكل مستمر.
يُعد الهيدروجين الطبيعي المستخرج من باطن الأرض الخيار الأوفر اقتصاديا؛ فتكلفة استخراج كيلوجرام واحد من الهيدروجين الأبيض حاليا حوالي دولار أو أقل، مع مستهدفات طموحة لخفضها تحت حاجز الدولار بحلول عام 2030. وتعطي عائدا طاقيا هائلا (EROI)؛ فينتج الهيدروجين الأبيض 11 ضعفا من الطاقة التي تستهلك في عملية استخراجه. ولا يحتاج إلى نفقات رأسمالية مرتفعة (CapEx)؛ فلا يحتاج الأبيض لبناء محطات طاقة شمسية ومحللات كهربائية باهظة، بل يعتمد على حفر آبار غير معقدة شبيهة بآبار الغاز التقليدية.
ولا يتوقف الأمر عند حدود الاستخراج التقليدي؛ بل يمتد إلى تقنيات تحفيز توليد الغاز وتجدده داخل المكامن؛ فوفقا لتقديرات شركة «إيدن» Eden المتخصصة؛ فإن تحفيز كيلومتر مكعب واحد فقط من صخور الأوفيوليت الغنية بالحديد في عُمان يمكن أن ينتج حوالي 5 ملايين طن من الهيدروجين الجيولوجي سنويا، بمعدل استخراج مرتفع يتراوح بين 2 إلى 4 كيلوجرامات من الهيدروجين لكل متر مكعب من الصخور المحفزة، وهي إنتاجية ضخمة تضمن تدفقا تجاريا طويل الأمد.
إن الأهمية الاستراتيجية للهيدروجين الطبيعي تتجاوز الحسابات التجارية المباشرة، لتؤسس لرؤية مستدامة للأجيال القادمة قائمة على عدة ركائز؛ فهي مفاعلات جيولوجية متجددة؛ فالهيدروجين الأبيض ناتج عن تفاعل حي ومستمر؛ مما يعني أن عُمان ستورث أبناءها مفاعلات جيولوجية مستدامة، تفرز طاقة نظيفة بشكل متواصل إذا أُديرت بحصافة علمية.
وتتسم بالسيادة الاقتصادية وحماية القرار؛ فالتكلفة الزهيدة للإنتاج تحمي الاقتصاد العُماني والأجيال القادمة من تذبذبات أسواق الطاقة العالمية، وتضمن كلفة إنتاج كهرباء وصناعة محليّة هي الأقل عالميا دون تحمّل ديون رأسمالية باهظة لإنتاج الطاقة المصنّعة.
وكذلك استثمار الإرث المعرفي النفطي؛ فتمتلك سلطنة عمان كفاءات بشرية هائلة وبنية أساسية متطورة في قطاع النفط والغاز؛ من جيوفيزياء وحفر وأنابيب. والهيدروجين الأبيض يتيح نقل هذا الرأسمال البشري والبنيوي مباشرة إلى قطاع الطاقة المتجددة بسلاسة ودون الحاجة لإعادة هيكلة جذرية ومكلفة للاقتصاد.
ويعد ذلك كله مغناطيسا لصناعات المستقبل الخضراء؛ فتوفر طاقة رخيصة ونظيفة محليا سيجعل من سلطنة عمان الوجهة الأولى عالميا لجذب الاستثمارات الثقيلة الخالية من الكربون، مثل الفولاذ الأخضر والألومنيوم الأخضر، مما يضمن إيجاد وظائف نوعية ومستدامة للأجيال القادمة قائمة على الابتكار والتصنيع وليس فقط على تصدير المواد الخام.
التعدين والجبس والذكاء الاصطناعي
13 يوليو 2026
في الوثيقة الرسمية لرؤية «عُمان 2040»، يتم قياس نجاح قطاع التعدين عبر مؤشر رئيسي؛ وهو رفع مساهمة القطاع في الناتج المحلي الإجمالي لتصل إلى 10% بحلول عام 2040، بعد أن كانت تدور حول 1% إلى 1.4%.
ولتحقيق هذا المستهدف، يركز القطاع على رفع نسبة المواد الخام المعالجة محلياً للمعادن الصناعية كالجبس والحجر الجيري والدولوميت لتصل إلى ما بين 30% و50% من إجمالي المستخرج، بدلاً من الوضع السابق الذي كان يعتمد بنسبة تفوق 85% على تصدير المادة الخام بشكلها الصخري الأساسي.
إن معادلة الاقتصاد القادم واضحة؛ فلو نجحنا في تصنيع نحو 3 ملايين طن فقط من الصادرات الحالية من الجبس الخام وتحويلها إلى ألواح ومنتجات نهائية، فإن العوائد المالية لهذا الجزء المصنّع الصغير قد تتجاوز عوائده الـ10 ملايين طن التي تصدر حالياً كخام. فالتصنيع يرفع قيمة المنتج بشكل كبير جدا؛ إذ يقفز سعر الطن من 16 دولاراً كخام، ليصل بالتصنيع المتقدم إلى ما بين 150 و300 دولار كأعلى قيمة مضافة ممكنة.
نحن نمتلك كنزا استراتيجيا هائلاً في قطاع الجبس، والذي يُعد من الأكبر عالمياً من حيث النقاء والوفرة، لكن التحدي الحقيقي والفرصة الأكبر يكمنان اليوم في الانتقال من مرحلة التعدين الاستخراجي إلى مرحلة التصنيع المتقدم عبر إدخال تطبيقات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحديثة.
إن هذا التحول يتطلب بناء منظومة صناعية تحول هذا الخام إلى منتجات متخصصة؛ مثل ألواح الجبس المبتكرة العازلة والمقاومة التي يزداد عليها الطلب في أسواق الخليج والشرق الأوسط. وتصنيع جبس «ألفا» عالي النقاء المستخدم في التطبيقات الطبية كجبائر العظام وقوالب الأسنان والصناعات الدقيقة. فضلاً عن قوالب البناء خفيفة الوزن وعازلة الحرارة الداعمة للبناء المستدام . ومعالجة الجبس محلياً كمصلح للتربة القلوية والصودية لدعم الأمن الغذائي العُماني والخليجي.
ومن هنا تبرز أهمية دمج الذكاء الاصطناعي ليس كأداة رفاهية أو إضافة ثانوية، بل كعصب لرفع كفاءة المحاجر وتقليل استهلاك الطاقة عبر تطبيقات التوأمة الرقمية والصيانة التنبؤية؛ مما يحول الجبس العُماني من مجرد مادة مستخرجة إلى صناعة معرفية وتقنية.
إن تشجيع جهاز الاستثمار العُماني لابتكار وتوطين تطبيقات الذكاء الاصطناعي في قطاع التعدين ككل، سيحدث قفزة نوعية في حل مشكلات الاستخراج والتصنيع وسلاسل التوريد. كما أن ربط الأتمتة بالرؤى الإقليمية سيضمن تحقيق التكامل مع دول الجوار بدل التكرار والمنافسة العقيمة؛ وهو ما يمثل المفتاح الحقيقي لتحقيق مستهدفات التنويع الاقتصادي، وبأيد وعقول عُمانية تدير هذه التكنولوجيا وتصنع الفارق.
النقل المدرسي.. إرهاق الخصخصة وبدائل الترشيد الذكية
20 يوليو 2026
تفتح تصريحات وزارة التعليم حول ملف الحافلات المدرسية بابًا واسعًا للنقاش الاقتصادي والاجتماعي، خاصة بعد الإشارة إلى أن إسناد هذا الملف لشركة نقل كبرى «خصخصة القطاع» سيضاعف التكلفة السنوية لتقفز إلى نحو 180 مليون ريال عماني.
هذا الرقم الضخم يعطينا حقيقة أن الخصخصة الكاملة للمرافق الخدمية غالبًا ما ترفع التكاليف إلى حدّ الإرهاق المالي، وهو ما لمسناه في قطاعي الكهرباء والمياه.
تشغّل الوزارة ما بين 17 ألفًا إلى 20 ألف حافلة عبر التعاقد المباشر مع أصحاب الحافلات من المواطنين بتكلفة تقارب 80 مليون ريال عماني. ومع الجهود التي تبذلها الوزارة مؤخرًا لتعزيز أمن الطلبة عبر تطبيقات ذكية مثل برنامج «درب السلامة» لتفادي الحوادث المؤسفة، فإننا بحاجة ماسة إلى التفكير خارج الصندوق؛ لدمج محورين لا يقلان أهمية؛ وهما الجودة العالية، والترشيد المالي.
إنّ الوصول إلى نقل مدرسي آمن ومريح لا يتطلب بالضرورة ميزانيات مرهقة، بل يمكن تحقيقه عبر حزمة من الحلول التنظيمية والذكية التي توفر وفورات مالية قد تتراوح ما بين 15 إلى 19 مليون ريال سنويًا، وذلك وفق بعض المقترحات؛ منها الاستثمار الإعلاني المنضبط «وفر متوقع 4 – 5 ملايين ريال»، حيث يمكن فتح الباب أمام شركات الاتصالات، والبنوك، ومصانع الأغذية العُمانية لوضع إعلانات تجارية منضبطة ومحددة على الهيكل الخارجي للحافلات، بما يتناسب مع الهوية التربوية لها. هذا المقترح كفيل بتحويل أسطول الحافلات الضخم إلى مساحات استثمارية متحركة تدر عائدًا يسهم في دعم الميزانية.
ثانيا: عقود التكتلات والجمعيات التعاونية «وفر متوقع: 6 – 8 ملايين ريال» حيث يعتمد الوضع الحالي على آلاف العقود الفردية مع المواطنين. والبديل الأنجع هو تشجيع وتسهيل اندماج ملاك الحافلات في كل ولاية تحت مظلة مؤسسات صغيرة ومتوسطة، أو جمعيات تعاونية محددة. هذا التكتل يمنح الملاك قوة شراء جماعية تتيح لهم الحصول على قطع الغيار والإطارات، والزيوت وعقود الصيانة والتأمين بأسعار الجملة المخفضة. وبذلك، تستطيع الوزارة التفاوض على عقود أكثر توازنًا وترشيدًا، مع ضمان ثبات واستدامة الدخل الصافي لمالك الحافلة.
ثالثا: العمل على الحوكمة الرقمية وتقليص الهدر «وفر متوقع 3 ملايين ريال» وذلك عبر تفعيل حوكمة ذكية ومدروسة للمسارات من خلال البوابة التعليمية، حيث يمكن معالجة تداخل الفترات وتقليص الهدر اللوجستي. هذه الخطوة ستمنع تسيير حافلتين شبه فارغتين لنفس الحارة، ودمجهما في حافلة واحدة تمر على البيوت المتقاربة بشكل متسلسل وذكي، مما يوفر الوقود، والوقت الكلي للرحلة، ويحافظ على سلامة البيئة.
وأخيرا التمويل التضامني في مناطق الامتياز «وفر متوقع 2 – 3 ملايين ريال» من باب المسؤولية الاجتماعية، يحق للمجتمع إلزام شركات النفط والغاز والمعادن الكبرى العاملة في مناطق الامتياز بالمحافظات الصحراوية والبعيدة، بتحمل تكلفة عقود النقل المدرسي لطلبة تلك المناطق بالكامل. هذا الإجراء يرفع عبئًا ماليًا سنويًا عن الوزارة، ويُشرك القطاع الخاص في تنمية المجتمعات المحلية التي يعمل بها.
إنّ نجاح الوزارة في إضافة محوري الجودة والترشيد إلى جانب النقل الآمن سيجعلها الرابح الأكبر؛ إذ ستحقق بهذه الوفورات المالية نقلًا متطورًا ومريحًا وممتعًا للطالب، ليصبح جزءًا من ذكرياته المدرسية الجميلة. حين أعود بذاكرتي إلى أيام الطفولة مع النقل المدرسي، أستحضرها بكثير من الضيق؛ فلم تكن الحافلات مكيفة، ولم يكن يتوفر مقعد لكل طالب. وإذا ما تأخرت لدقائق عن صعود الحافلة، كان عليّ أن أتحمل عناء الوقوف طويلًا وسط حشد من الطالبات المنتظرات لمقعد شاغر، حتى يتم توصيل الأفواج الأولى إلى منازلهن. وكان يوم عيدي الحقيقي هو ذلك اليوم الذي قرر فيه والدي -رحمه الله- أن يقلّني إلى مدرستي بسيارته المريحة والمكيفة. أطفالنا اليوم يستحقون رحلة مدرسية يومية كريمة ومريحة، وبأفكار مرنة وذكية، يمكننا تحقيق ذلك دون أن نثقل كاهل ميزانية الدولة بريال واحد إضافي.
المثالية عند أطفالنا..
يؤكد علماء التربية والسلوك أن الطفل يولد سليمًا نقيًا، ومبرمجًا على الخير والثقة؛ وهي الحالة الأصلية التي جُبل عليها الإنسان قبل أن تشكلها المؤثرات الخارجية وتفاعلاته معها.
فالعلم يثبت أن الطفل يولد بنقاء فطري أولي، وأن عقله لا يبدأ من الصفر أو الحياد، بل ينطلق من انحياز أصيل للخير والسلام. فهو يفترض الصدق والخير في الآخرين حتى يثبت العكس، وهذا هو جوهر الفطرة الإنسانية.
وتظهر الأبحاث النفسية أن الرضّع يميلون غريزيًا إلى الوجوه المبتسمة والأصوات الهادئة، ويبدون انزعاجًا من البكاء والصراخ؛ مما يعني أن المثالية ليست مجرد فكرة فلسفية مجردة، بل هي رغبة فطرية عميقة في التناغم والعيش السلمي مع الناس والمجتمع.
لقد جعل الله هذه المثالية الفطرية بمثابة حاضنة نفسية؛ فالطفل يحتاج إلى سنوات من الشعور بالكمال والأمان المطلق لبناء ثقته بنفسه وبنائه الجسدي والعقلي، قبل أن يكون مؤهلًا لمواجهة تحديات الواقع الشائك. هذا المزيج الرباني البديع يرينا أن المثالية ليست عيبًا ولا سذاجة، بل هي الأساس المتين الذي تُبنى عليه إنسانية الإنسان وبوصلته النفسية والأخلاقية طوال حياته.
يشير علماء التربية إلى أن الطفل، في المرحلة العمرية ما بين 5 و 10 سنوات، يبدأ بالاصطدام بواقع مختلف يتخلله الخطأ، والكذب، والظلم، والعدوان، والتنمر.
لذا، يغدو الهدف التربوي الأساسي هو حماية هذا النقاء الداخلي من التحطم، وضمان عدم انهيار الطفل أمام خيبات الأمل.
وهنا يأتي الدور التربوي في تعزيز هذه الفطرة وتقويتها لدى الطفل، وجعله قادرًا على التكيف الذكي مع الواقع المتغير والتعامل مع البشر المتقلبين دون أن يتأثر بسلوكياتهم السيئة؛ وذلك بتعليمه وتدريبه وتقديم القدوة الحسنة له، ليتعلم كيف يتعاطى مع الحياة بواقعية، ودون أن يخسر نقاءه وفطرته.
إن وجود القدوة الحية أمام الطفل -الأب مع ابنه، والأم مع ابنتها- هو أهم ضمانة لتربية سليمة تنسجم مع الفطرة التي ولد عليها. أما إذا غابت القدوة والجهة التربوية الواعية والموجهة في دقائق الأمور وجلائلها، فإن الطفل سيلجأ حتمًا إلى «الشلة»، أو الإعلام، أو الشارع، ليفتش عن قدوة بديلة؛ وكما تكون تلك القدوة يكون الطفل، وحيثما توجهه يتوجه.
إن أغلب الآباء والأمهات يكرسون جهودهم لتوفير المتطلبات المادية والمعيشية والرفاهية لأبنائهم، محاولين تلبية كل طلباتهم ظنًا منهم أن هذا هو أقصى الواجب؛ حتى لا يعيش الأبناء الحرمان الذي ذاقه الوالدان في طفولتهما. لكنهم بذلك يغفلون عن الهدف الأسمى للتربية، وهو توجيه الطفل وتنشئته على الفطرة السليمة.
لذا، عندما يكبر الأبناء، يتفاجأ الوالدان بشخصيات بعيدة كل البعد عن طريق الصلاح والاستقامة؛ فقد ملأت الفراغ شخصيات وقدوات نائية وغريبة ومريضة.
وتبدأ رحلة المعاناة والشقاء والصراع مع الأبناء حتى آخر يوم من عمر الوالدين، حين لا يجدان في أبنائهما ما يشبههما كثيرًا ولا قليلًا.
تلك هي الصفقة الخاسرة التي يتحمل الوالدان وزرها في الدنيا والآخرة، والتي يبتلى بها المجتمع لزمن طويل.
حماية المحاصيل الاقتصادية التاريخية
03 أغسطس 2026
تُظهر البيانات الرسمية لوزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه لعام 2022 أن خسائر سوسة النخيل الحمراء في مسح واحد تجاوزت 3.14 مليون ريال عُماني، مما يؤكد أن الآفات الزراعية؛ سوسة النخيل ومكنسة العجوز -التي لا تقل خطورة- أصبحتا تحديا اقتصاديا يمس الأمن الغذائي الوطني، وليس مجرد عارض بيئي.
وللانتقال من المكافحة التقليدية والتي بدأت منذ الثمانينات والتسعينيات من القرن الماضي -وتكلف حزم مالية سنوية تزيد على 300 ألف ريال- إلى الاستئصال التام لهاتين الآفتين؛ اقترح خطة وطنية خمسية استراتيجية تتلخص في أربعة محاور رئيسية؛ وهي المسار الزمني من التأسيس إلى الإعلان، ففي السنتين الأولى والثانية يتم المسح الرقمي الشامل، وتفعيل الحجر الزراعي الصارم، والإزالة الميكانيكية الحازمة للبؤر المتفحمة.
وفي السنوات من الثالثة إلى الخامسة يتم الإحلال النسيجي المقاوم، والتوسع في المكافحة البيولوجية، وإعلان المحافظات «مناطق خالية من الآفات» مع اعتماد دولي.
أما بالنسبة لمنظومة التقنية والابتكار فيتم رصد إجهاد الأشجار والكلوروفيل بالأقمار الصناعية طيفية الأبعاد والدرونز، واستخدام تقنيات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي المختلفة، مما سيعطينا دقة تزيد على 95%. ويتم زرع حسّاسات صوتية لمسح حركة اليرقات داخل الجذوع، والتحول الكلي نحو «الحقن الساقي المغلق المباشر» للنخيل المصاب بسوسة النخيل بدل الرش من الجو والذي له آثاره الجانبية السلبية.
أما بالنسبة للحوكمة والتشريع فيمكن تطبيق جواز السفر النباتي الرقمي «QR Code» لنقل الفسائل، وفرض عقوبات صارمة على النقل غير الترخيصي. وتمنح الفرق الميدانية صلاحيات معالجة المزارع المهجورة، وتقليص زمن الاستجابة للبلاغات إلى أقل من 12 ساعة.
وبخصوص الجدوى الاقتصادية والتمويل فيرى المراقبون أن الميزانية التقديرية قد تبلغ حوالي 15 مليون ريال عُماني على مدى 5 سنوات، تتركز 60% منها في سنتيها الأولى والثانية للتقنية الذكية، والتعويضات لأصحاب المزارع المتضررة. ويمكن إنشاء صندوق تمويلي مشترك بين الحكومة والبنوك وشركات استثمار النخيل والليمون لتمويل الخطة.
وبخصوص العائد الاقتصادي فلا شك يأتي بحماية أصول زراعية تتجاوز 50 مليون ريال، مع استرداد تكاليف الخطة بالكامل خلال أقل من 30 شهرا.
القيم تقبل القسمة على اثنين؟!
10 أغسطس 2026
أكثر ما يستوقفنا في محطات حياتنا عندما نرى القيمة نفسها مرة يتم التمسك بها ومرة يتم تجاهلها كأنها لا توجد مطلقا.
تناقض في السلوك لدى البعض يجعله يرى مصلحته حقًا واحتياجًا وضرورة قصوى، ويرى مصلحة الآخرين طمعًا وأنانية. هل هي تربية خاطئة أم أمر آخر؟ عندما يتصرف الفرد العادي بناء على ذلك، قد لا يضر إلا دائرة محددة تحيط به وبعلاقاته الاجتماعية وبنفسه.
لكن عندما يتصرف شخص متنفذ بناء على ذلك؛ فإن الخطورة تنعكس على المجتمع ككل.
كنا مجموعة نناقش إحدى الظواهر الخطيرة التي تتسبب في موت الناس، والتي بحاجة إلى إقرار لائحة أو قرار يوقفها، كانت الأصوات تعلو بالتأييد وأهمية إصدار القرار. عندما صدر القرار تحولت المجموعة المتجانسة إلى مجموعتين متعارضتين، وعلت الأصوات المعارضة للقرار، والذي رأته عدوانيا.
وقتها اعترت المجموعة المؤيدة الدهشة الشديدة، لماذا حصل ما حصل من انقسام، وإذ بالأنباء تتسرب بأن القرار يتعارض مع مصالح المجموعة المعارضة.
كان أحدهم عالي الصوت ويقف بقوة مع كل قرار يخدم المجتمع وأفراده، كان أحد الصقور الذين يعملون لخدمة القيم والمجتمع ليل نهار. لكن لماذا انقلب وأصبح من أشد المعارضين للقرار الذي ينقذ أرواحا ونفوسا.
قيل لي بهمس إن القرار يتعارض مع مصلحته الشخصية اللصيقة. مع الانحياز للمصلحة الذاتية Self-Serving Bias يميل العقل البشري للبعض إلى إعادة تأطير الحقائق؛ فيرى المكاسب الشخصية حقوقًا مستحقة ومصالح الآخرين أنانية؛ وهي آلية دفاعية واعية لحماية الصورة الذاتية.
سألني أحد المتنفذين قائلا: «أنا واقع في حيرة»، سألته لم الحيرة؟ قال: «هل تعرفين الهايبرماركت الفلاني، لقد ارتكب مخالفات تتعلق بالمواد الغذائية ضبطتها البلدية، ومسؤول الهايبر الآن يطالبني بأن أسعى لدى البلدية لإلغاء المخالفات وتبييض صفحة الهايبر. كانت المخالفات تتعلق بعدم صلاحية الأطعمة والمشروبات في مطعم الهايبر».
قلت له: «هي مخالفات تضر بصحة آلاف من البشر الذين يشترون من مطبخ الهايبر». أجاب: «لكن الهايبر يدفع لي مبالغ كبيرة لدعم صندوق الفقراء الذي أديره، وهذه المبالغ تخدم أسرا فقيرة كثيرة.
فهذا مقابل هذا!! يُفسر علم النفس المعرفي كيف يلجأ الفرد إلى إعادة تفسير سلوكه الخاطئ وتغليفه بنوايا نبيلة مثل مقايضة سلامة الغذاء بدعم الفقراء، ليتخلص من عقدة الذنب، ويتفادى التنافر المعرفي بين قيمه المتأصلة وسلوكه النفعي.
لكن تؤكد الفلسفة الأخلاقية أن القيم الثابتة لا تقبل التجزئة أو المقايضة، فالغاية النبيلة لا تبرر الوسيلة غير الأخلاقية، والخير لا يُبنى على الإضرار بحياة الناس وحمايتهم.
فالمبدأ الأخلاقي الأصيل يقوم على الشمول والاتساق؛ فالعدل والسلامة قيمتان مطلقتان تفقدان معناهما بمجرد إخضاعهما لمعادلة هذا مقابل هذا.
عندما يمارس بعض المتنفذين ازدواجية المعايير، تهتز ثقة الأفراد في المؤسسات، ثم تهتز ثقتهم بالقوانين بحسب نظرية الأواني المستطرقة، مما يؤدي إلى تراجع الانتماء والامتثال الأخلاقي العام.
ويقود الأمر إلى تطبيع التجاوزات؛ فإيجاد مسوغات نفعية للمخالفات ينشر عدوى سلوكية مجتمعية؛ فيصبح القريب من مركز التأثير قادرا على شرعنة خطأه باسم المنفعة العامة، وهنا تأتي الخطورة الكبرى. إن القيم لا تقبل القسمة على اثنين مهما دخلنا في التبرير الجميل والطويل.
طرائف عاملات المنازل!!
17 أغسطس 2026
أصبحت جعبتنا تفيض بالكثير من خلاصات المواقف مع عاملات المنازل، ونصائح أخرى من هنا وهناك؛ فالشر الذي لا بد منه كما يقولون أصبحت له بروتوكولات صرنا نحفظها عن ظهر قلب، ومنها: لا تأتِ بمن هي في الخمسينيات، ستصدع رأسك بالصداع الذي ينتابها كل حين وآلام الظهر والمفاصل، وستشم رائحة الفيكس تتصاعد كل وقت من غرفتها، وستشعر بأنك مجرم لأنك تشغل إنسانًا يرى قوته في حكم المنتهية.
ولا تأتِ بالصغيرة في العشرينيات، ستجرب معك كل وسائل العناد الطفولي وعدم النضج، وستكون مشغولة طوال الوقت بجوالها وفيسبوك وتيك توك ورفع فيديوهاتها وصورها بكل الأوضاع واللباس، وستكون مشغولة بصناعة القصص ونشرها.
ولا تأتِ بالتي تبحث عن زوج؛ فعنوان بيتك سيصبح معروفًا لكل أحد، وسيصبح بيتك مركز اهتمام الجيران يتابعون إلى أين ستصل هذه الطموحة. ولا تأتِ بمن تؤمن بحرية المرأة؛ ربما ستكتشف أنها قالت للعاملات من جيرانك وأهلك بأن لديها أولادًا دون زواج.
ولا تأتِ بالتي لديها مشاكل جارية مع زوجها وغادرت البلاد لتؤدبه، قد تكتشف بأن الخيانة جزء من خطتها للانتقام من زوجها. ولا تأتِ بالجميلة؛ ستضجر من كثرة الملاحقين لها إلى باب بيتك، وستضطر للشجار معهم للتوقف عن ملاحقتها.
ولا تأتِ بالتي ترى نفسها دميمة؛ فغالبًا ما ستكون غارقة في عقدة نفسية تستهلك الكثير من جهدها وطاقتها. واحذر أن تأتي باثنتين من البلاد نفسها؛ فما أسرع أن يتكون لوبي ضدك إلا ما رحم ربي، ولا تثلث بسائق من الجنسية نفسها؛ ستفلت الكثير من الأمور من يدك بعدها.
ولا تأتِ بمن لديها مشاكل أسرية حادة في بيتها في بلدها؛ ستقوم كل صباح على نوبة بكائها واكتئاب طويل، وستصرف الكثير من وقتك على تسليتها وتهدئة خواطرها.
ولا تأتِ بمن لم تتعود على حياة المدينة؛ فكل شيء عندها سواء، وستنام ليلًا وتصحو نهارًا وتدخل المطبخ بالثوب نفسه، ولن يعجبها طعامك مهما فعلت، وستمضي الكثير من الوقت في الهايبر وهي تبحث عن أقدام الدجاج أو الكوارع أو الفواكه الغضة، ثم تأكلها بدون غسل، وقد ترفض التخلص من الحشرات في المطبخ، فهي تراها أليفة وليس من الإنسانية التخلص منها، ولن تتعود على تغطية الطعام المكشوف أو حفظه بطريقة صحيحة إلا بطلوع الروح.
ولا تأتِ بالنباتية؛ فلن تترك أي شيء أخضر من النباتات إلا تريد أكله أو طبخه، وإن حاولت أن تفهمها أنها نبتة سامة. ولا تأتِ بالتي تتابع الموديلات والأزياء؛ ستكتشف أن غرفتها أصبحت استوديو صور، وأنها تصر على لبس كل ما يليق وما لا يليق من لباس، وستعتبرك عدوًا لها إذا منعتها وقلت لها إن هذا لا يتناسب مع تقاليدنا.
ولا تخطئ الخطأ القاتل بأن تسمح للعاملة باستعمال الجوال وقت ساعات العمل؛ فسرعان ما ستكتشف أن الجوال أصبح هو الدوام وأن عملك هو العبء الذي لا يتم إكماله، وسيتكدس العمل وترحله من يوم إلى آخر دون أن يأتي ذلك اليوم الذي تنهي فيه أعمالها.
كم هو صعب أن نحصل على الشخص المناسب، وأصبح الأمر يعتمد على الحظ والنصيب؛ فربما صابت وربما خابت.
صناديق الثروة الخليجية
24 أغسطس 2026
شهدت اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي، بما فيها البحرين والكويت وسلطنة عُمان وقطر والسعودية والإمارات، نموًا وتحولًا في صناديقها السيادية خلال العقد الماضي، وذلك في إطار جهودها لتنويع مصادر دخلها بعيدًا عن تقلبات أسعار الطاقة، وتضم المنطقة اليوم بعضًا من أكبر الصناديق السيادية في العالم، حيث يدير نحو اثني عشر صندوقًا بقيادة السعودية والإمارات أصولًا تتراوح قيمتها بين 4 و6 تريليونات دولار أمريكي، وفقًا لتقديرات جهات تتبع الصناديق السيادية وصندوق النقد الدولي.
وفي العام الماضي وحده، تشير التقديرات إلى أن الصناديق السيادية في المنطقة استثمرت أكثر من 120 مليار دولار أمريكي، وكانت الولايات المتحدة الأمريكية المستفيد الأكبر من ذلك.
لكن يواجه الاقتصاد الأمريكي ضغوطًا متزايدة بسبب تفاقم الديون الأمريكية، فقد كسرت حاجز الـ40 تريليون دولار، وتزداد كل عام، فعوائد الحكومة الأمريكية حوالي 5.5 تريليون سنويًا، وإنفاقها السنوي حوالي 7.5 تريليون دولار. هذه الزيادة في الإنفاق بسبب الدعم المستمر للشركات الكبيرة، وتكلفة الحروب الخارجية، إضافة إلى الارتفاع المتصاعد في تكلفة خدمة الدين. ولا حل في الأفق، كما يقول المراقبون، إلا بطباعة المزيد من العملة، أو زيادة إصدار سندات الدين الأمريكية.
إن ارتفاع عوائد سندات الدين ينعكس على الصناديق السيادية الخليجية عبر مخاطر تراجع قيم الأصول المقومة بالدولار، وتضخم تكاليف التمويل، وضغوط تسييل بعض الاستثمارات لدعم الميزانيات المحلية في ظل تقلبات أسواق الطاقة. وترتبط استثمارات وحيازات واسعة للصناديق والبنوك المركزية الخليجية بالسندات والأصول الأمريكية، مما يجعلها عرضة للخسائر الدفترية عند ارتفاع عوائد الخزانة، واضطراب أسواق الدين. كما أن ارتباط معظم العملات الخليجية بالدولار يفرض استيراد السياسة النقدية للفيدرالي الأمريكي تلقائيًا، مما يرفع الفائدة محليًا. وتؤدي أسعار الفائدة المرتفعة المرتبطة بالسياسة النقدية الأمريكية إلى زيادة تكاليف تمويل المشاريع الكبرى وبرامج التنويع الاقتصادي داخل دول الخليج العربي.
ومع تداخل تقلبات أسواق الطاقة بالتوترات الإقليمية، توضع أعباء إضافية على الميزانيات العامة، مما دفع بعض السندات السيادية الخليجية لمواجهة ضغوط بيعية وعوائد أعلى.
وللخروج من هذا المأزق الاقتصادي، يحتاج الأمر إلى توجيه أغلب استثمارات الصناديق السيادية نحو الداخل لدعم البنية التحتية الصناعية قدر الإمكان، التحول الرقمي الذي يخدم حل مشكلات الصناعة الداخلية، الأمن الغذائي، والطاقة المتجددة. وضرورة الاتجاه المتزايد نحو الأسواق الناشئة سريعة النمو في آسيا، كالصين ودول جنوب شرق آسيا. بالإضافة إلى التركيز على الأصول الحقيقية غير المرتبطة مباشرة بالتقلبات النقدية، مثل صناعات أشباه الموصلات، والمعادن الحيوية.



