"سقوط النظام الإيراني".. زلزال جيوسياسي يُعيد تشكيل الشرق الأوسط (1- 2)

مرتضى بن حسن بن علي – الرؤية

(1- 2)

لا تُشير الاضطرابات الحالية في إيران بالضرورة إلى ثورة وشيكة على غرار ثورة 1979؛ فالنظام الحالي أكثر تماسكًا أمنيًا.

لكنَّ التحركات الأمريكية والإسرائيلية جارية بالفعل وتهديدات ترامب مستمرة بالتدخل إذا استمرت عملية قتل المتظاهرين والمتعاونين مع الولايات المتحدة وإسرائيل سوف يحاولون قتل مزيد من المتظاهرين وقوات الأمن، كما سيحاولون تدمير بعض المرافق أو الاستيلاء عليها.

الخطوات الأمريكية قد تتراوح بين عمليات التضليل والتأثير، والهجمات الإلكترونية، والعمليات الخاصة، أو حتى الحرب المفتوحة، وذلك تبعًا للتطورات. وهناك أنباء عن قرار الحرب تم اتخاذه أثناء اجتماع ترامب مع نتنياهو في فلوريدا نهاية ديسمبر الماضي.

وعلى إثر ذلك، قامت بعض الدول بإجلاء رعاياها وإغلاق سفاراتها في تل أبيب. وستكون الاحتجاجات الجارية الذريعة لإعلان الحرب؛ فترامب قال- قبل أيام- إن بلاده مستعدة لتقديم المساعدة للمتظاهرين في إيران.

ولذلك نقول إن سيناريوهات كانت مستبعدة في السابق، باتت واردة الحدوث الآن.

وفي كل الاحوال سوف يظل سقوط النظام الحالي في إيران سيناريو افتراضيًا، لكن تحليل تداعياته المحتملة يُعد ضرورة استراتيجية لفهم ديناميكيات المنطقة الهشة.

وهذا الحدث الجسيم لن يكون مجرد تغيير في حكومة طهران؛ بل سيكون زلزالًا جيوسياسيًا هائلًا، وستنتقل هزّاته الارتدادية من الداخل الإيراني إلى أقاصي المحيط الإقليمي، حاملًا معه مخاطر عنف عابرة للحدود وفرصًا لإعادة رسم التحالفات.

وتبدأ التداعيات من قلب طهران نفسها؛ فالمجتمع الإيراني- رغم تجانسه النسبي تحت مظلة الهوية الوطنية والقومية الفارسية- يحوي تناقضات عميقة؛ منها: انقسامات سياسية بين إصلاحيين ومحافظين ومقاطعين، وتمايزات عرقية (أذريون، أكراد، عرب، بلوش)، وصراع بين دولة عميقة (الحرس الثوري) ومجتمع مدني متعطش للتغيير. وقد تؤدي لحظة السقوط- إذا ما حدثت- إلى فراغ في السلطة تتنازعه هذه القوى. والاحتمال الأرجح ليس حربًا أهلية بالشكل التقليدي (جيش موحَّد ضد متمردين)؛ بل “فوضى مُنظَّمة” أو حروب أهلية مصغرة في الأطراف؛ حيث ستسعى القوميات للاستقلال أو الحكم الذاتي، بينما تتصارع الفصائل في المركز على تركة النظام.

مصير مؤسسات النظام، وخاصة فيلق القدس التابع للحرس الثوري، سيكون حاسمًا؛ فقد تلجأ هذه المؤسسات، ذات المصلحة في البقاء، إلى التحالف مع قوى إقليمية أو دولية لضمان وجودها، أو قد تتفكك إلى جماعات مسلحة تزيد الطين بلة.

المشهد سيتحدد بشكل كبير بطريقة السقوط: هل هي ثورة شعبية سريعة؟ أم عملية تغيير تدريجي؟ أم انهيار داخلي؟ وهل ستنجح؟

وكل سيناريو يُنتج ديناميكيات عنف مختلفة. وستكون دول الجوار المباشر لإيران هي أول من يتحمل وطأة التصدعات.

العراق؛ حيث النفوذ الإيراني متغلغلٌ في الدولة والميليشيات، وقد يؤدي اختفاء الداعم الإيراني إلى صراع شرس على السلطة داخل التحالف الشيعي ذاته (بين قوى موالية لإيران وأخرى وطنية)، وإلى محاولات من السُنَّة والأكراد لاستعادة مكاسب سياسية، وسط صراع خفي أو معلن من الدول المجاورة.

لبنان: القلب النابض للأزمة، حزب الله الذي ما يزال قويًا نسبيًا ويعتمد على إيران في تسليحه ودعمه ماليًا، سيواجه أزمة وجودية مع فقدان تمويله وتسليحه وتدريبه من إيران. والسيناريوهان الأساسيان هما: إما انهيار سلمي نسبي يقوده إلى طاولة المفاوضات تحت ضغط داخلي وإقليمي هائل لنزع سلاحه، أو انزلاق البلاد إلى حرب أهلية جديدة إذا قرر جزء من الحزب أو حلفاؤه القتال للبقاء، مستخدمًا ترسانته الكبيرة من الصواريخ.

الخليج العربي: بين القلق والفرصة

ومن المحتمل أن تواجه دول مجلس التعاون الخليجي موقفًا مُعقَّدًا يجمع بين المخاطر المباشرة والفرص الاستراتيجية.

المخاطر قصيرة المدى: احتمال تدفق لاجئين، وتصاعد أنشطة تخريبية من قبل وكلاء إيرانيين سابقين يحاولون إثبات وجودهم، أو حتى تمردات محتملة في بعض المناطق، في ظل غياب القبضة الإيرانية واندفاع هذه المجتمعات للمطالبة بحقوق أوسع.

الفرص طويلة المدى: تراجع “العدو الإقليمي التقليدي” يُشكِّل نقلة استراتيجية كبرى؛ إذ سينحسر التهديد الصاروخي والبحري المباشر من جماعة أنصار الله (الحوثيين) وحزب الله على المدى البعيد، ويفتح المجال لبعض الدول لقيادة ترتيب إقليمي جديد. لكن هذا سيتطلب منهم دبلوماسية دقيقة لإدارة العلاقة مع “إيران الجديدة” ومنعها من الانزلاق لفوضى تهدد الجميع.

(2-2)

بعد انقضاء موجة الصدمة الأولى لسقوط النظام الإيراني، تبدأ التداعيات الأعمق بالظهور، لتعيد رسم خريطة النفوذ والتحالفات في الشرق الأوسط من جديد؛ فغياب لاعب إقليمي مركزي دام حضوره أربعة عقود لا يعني نهاية الصراعات، بل دخول المنطقة في مرحلة سيولة استراتيجية مفتوحة على احتمالات متناقضة.

مصر وتركيا: أدوار متباينة في مرحلة انتقالية

ستتأثر مصر بصورة غير مباشرة ولكن عميقة؛ إذ إن تراجع النفوذ الإيراني سيخفف الضغوط الأمنية المرتبطة بغزة والبحر الأحمر، ويمنح القاهرة هامش حركة أوسع لاستعادة دورها التقليدي كركيزة للاستقرار العربي ووسيط إقليمي، خاصة في ظل حاجة الخليج إلى توازن عربي مقابل تمدد قوى إقليمية أخرى.

في المقابل، ترى تركيا في الفراغ الإيراني فرصة للتوسع. من سوريا والعراق، وربما داخل الجغرافيا الإيرانية ذاتها، قد تسعى أنقرة لتعزيز نفوذها القومي والجيوسياسي، وهو ما يفتح الباب أمام احتكاكات محتملة مع إسرائيل في شرق المتوسط، ومع دول الخليج في العراق، ويخلق بؤر توتر جديدة بدل إنهاء القديمة.

إسرائيل: تفوق بلا خصم أم مأزق جديد؟

بالنسبة لإسرائيل، يبدو السيناريو للوهلة الأولى انتصارًا استراتيجيًا غير مسبوق. اختفاء التهديد الإيراني، النووي والإقليمي، يعني زوال الخصم الوجودي الذي شكّل أساس عقيدتها الأمنية لعقود. غير أن هذا “الانتصار” يحمل في طياته مفارقة خطيرة.

ففي ظل تفوق عسكري مطلق، قد تميل إسرائيل إلى سياسات توسعية أكثر جرأة؛ سواء عبر فرض وقائع دائمة في غزة والضفة الغربية وسوريا ولبنان أو توسيع دائرة نفوذها الإقليمي. لكن المعضلة الديمغرافية تظل القيد الأكبر: الفلسطينيون في فلسطين التاريخية باتوا يقتربون، بل يتجاوزون عدديًا اليهود، ما يهدد الأساس الديمغرافي لما تسميه إسرائيل “يهودية الدولة”.

كما أن غياب “الخطر الوجودي” الخارجي قد يفتح المجال لظهور جماعات فلسطينية أو إقليمية أكثر تطرفًا، لا تخضع لمنطق الردع التقليدي، ما يخلق فوضى أمنية مزمنة بدل استقرار حاسم.

الخلاصة: فوضى انتقالية ومعادلة جديدة

السيناريو الأرجح هو دخول المنطقة في مرحلة انتقالية مضطربة، تتصارع فيها القوى الإقليمية والدولية – الولايات المتحدة، روسيا، الصين، وأوروبا – لملء الفراغ الذي خلّفه سقوط النظام الإيراني. هذه المرحلة قد تمتد لسنوات من عدم الاستقرار والعنف العابر للحدود.

لكن على المدى المتوسط، إذا انبثقت في إيران دولة أقل عدائية لاسرائيل والغرب وأكثر انشغالًا بإعادة بناء الداخل، فقد تتهيأ فرصة نادرة لخفض حدة صراعات الوكالة، وفتح نقاش إقليمي حول الأمن والطاقة والنفوذ، وربما إعادة الصراع العربي–الإسرائيلي إلى مساره الثنائي بعيدًا عن الاستقطاب الديني. .

سيناريو الضربة الأمريكية: نصر معلن أم فشل مؤجل؟

أما إذا اقتصر التدخل الأمريكي على ضربات جوية وصاروخية محدودة دون اجتياح بري، فإن التاريخ يؤكد أن هذا النمط لا يحسم الحروب ولا يسقط الأنظمة. بل قد يمنح السلطة في طهران غطاءً لتشديد قبضتها، والرد عبر استهداف المصالح الأمريكية وحلفائها في المنطقة.

وفي حال قررت واشنطن التراجع عن الضربة – كما توحي بعض تصريحات الرئيس ترامب – فإن ذلك لا يعني نهاية الأزمة، بل استمرار حالة الردع الهش، مع بقاء المنطقة معلّقة بين التصعيد والانفجار المؤجل.

الشرق الأوسط بعد إيران لن يكون أكثر هدوءًا بالضرورة، بل مختلفًا جذريًا… وأكثر خطورة في مرحلته الانتقالية.

[thumb_vote align="right"]

أترك تعليقاتك هنا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *