
في خضم التحديات الاقتصادية المتسارعة التي تواجه المشاريع، وخصوصًا الصغيرة والمتوسطة منها، يبرز سؤال جوهري يتجاوز الحلول التقليدية: هل يمكن لشركات التمويل أن تتحول من جزء من المشكلة إلى جزء من الحل؟
تؤدي هذه الشركات دورًا حيويًا ومُكمِّلًا للمصارف في دعم وتمويل المشاريع، إلا أن نموذج عملها التقليدي غالبًا ما يرتكز على الضمانات المادية والمالية، وقلّما ينظر إلى المشروع من جوانبه التشغيلية والإدارية والاستراتيجية.
هذا الواقع لا يمثل تحديًا فحسب، بل يضع شركات التمويل اليوم أمام “فرصة ذهبية” تاريخية: فرصة لفتح ذراع استثماري استراتيجي يعيد الحيوية والاستقرار للاقتصاد الوطني، وذلك من خلال تحويلها من مجرد مؤسسات إقراض إلى شركاء استثماريين حقيقيين، قادرين على إيجاد حلول للاقتصاد من دوامة الفشل المتكرر للمشاريع.
والمشهد التقليدي معروف: مشروع يتعثر في السداد، فتبدأ سلسلة طويلة من المطالبات والإنذارات والمحاكم والحجز على الأصول. النتيجة؟ خسارة الجميع:
- شركة التمويل تستنزف وقتًا وجهدًا وتخسر جزءًا من أموالها.
- صاحب المشروع يفقد حلمه وسمعته ورأس ماله.
- الاقتصاد الوطني يخسر وظائف وطاقات وإبداعات كان يمكن أن تزدهر.
لكن، هل هذه النهاية الحتمية؟ أم أن هناك طريقًا آخر
تصوَّر معي تحولًا جذريًا في التعامل مع التعثّر، بدلًا من انطلاق الآلة القانونية بمجرد تأخر السداد، تبدأ رحلة تعاونية جديدة. هنا، تتحول شركة التمويل من جهة تطالب بسداد دين إلى شريك يسعى لفهم الجذور الحقيقية للأزمة. هذا هو جوهر “الذراع الاستثماري”، الذي يرى في كل مشروع متعثر ليس عقبة؛ بل فرصة ثمينة للتشخيص الدقيق والعلاج المنقذ.
تبدأ الرحلة بمرحلة حاسمة هي التشخيص العميق؛ فقبل أي قرار، يجب الإجابة على السؤال المحوري فقد يكون السبب هو فجوة في الخبرة الإدارية لدى مؤسس المشروع الواعد، أو انسحاب شريك فني حيوي كان عموده الفقري، أو بسبب سوء إدارة التدفق النقدي، أو يفقد قطار السوق بسبب عدم مواكبة تحولات ذوق المستهلك أو دخول منافس جديد. بناءً على هذا التشخيص الدقيق، ينطلق الذراع الاستثماري إلى مرحلة التدخل الذكي والمرن. هنا تتشعب المسارات وفقًا لطبيعة المشكلة وإمكانات المشروع.
- إعادة الهيكلة والدعم الفني: تقديم خبرات أو استقدام خبراء لإدارة المشروع مؤقتًا.
- الدمج: إيجاد شريك قوي ودمج المشروع معه لخلق كيان أكثر قدرة على المنافسة.
- التحول الجذري: إعادة توجيه المشروع نحو نشاط جديد أكثر ملاءمة للسوق.
الفكرة المحورية: الإنقاذ ليس استردادًا نقديًا سريعًا، بل استثمار في إعادة بناء قيمة المشروع ذاته.
نماذج عالمية
هذا التحول ليس ضربًا من الخيال النظري، بل هو نموذج عملي أثبت نجاحه في اقتصادات متقدمة. ومن أبرز التجارب التي يمكن الاستفادة من فلسفتها:
- فنلندا صندوق “تورنو” (Turnaround Finance): صندوق حكومي-خاص يجمع ببراعة بين التمويل والاستشارة لإعادة هيكلة الشركات المتعثرة ذات الأساس القوي، بهدف منع الإفلاس والحفاظ على الوظائف.
- ألمانيا الصندوق السيادي للاستقرار الاقتصادي (WSF): خلال جائحة كورونا، حوّلت الحكومة الألمانية الديون إلى حصص ملكية مؤقتة في شركات حيوية لإنقاذها، مع خطة واضحة للخروج بعد التعافي.
تميُّز النموذج المقترح: يجمع بين استباقية النموذج الفنلندي، وآلية تحويل الديون إلى ملكية كما في النموذج الألماني، وفعالية إعادة الهيكلة في صناديق رأس المال الخاص. لكنه يضيف عنصرًا حاسمًا: التنفيذ بطريقة تعاونية واختيارية خارج أروقة المحاكم، من قبل لاعب موجود فعليًا في السوق المحلي (شركات التمويل)، مما يجعله أسرع وأقل كلفة وأكثر انسجامًا مع بيئة الأعمال.
وإدراكًا للتحديات التي قد تواجه التطبيق، نقدم لها حلولًا هيكلية ومؤسسية:
1- التحدي التنظيمي والقانوني: الحل عبر إنشاء “ذراع استثماري” منفصل قانونيًا (كشركة قابضة أو صندوق استثماري) تابع لشركة التمويل.
2- التحدي الفني والمهني لدى شركات التمويل: عبر شراكات استراتيجية مع كبريات شركات التدقيق والاستشارات العالمية المتخصصة في إدارة الأزمات، واستقدام خبراء لفترات لمشاريع محددة، مع تدريب فرق داخلية لنقل المعرفة.
3- التحدي المالي: بخلق تحالف مصالح مع البنوك المُقرضة لشركات التمويل نفسها. إقناع هذه البنوك بأن دعم عملية الإنقاذ (من خلال تسهيلات إضافية أو إعادة هيكلة ديون) أفضل من الخسائر المحتملة في المسار القانوني الطويل.
4- التحدي السلوكي والثقافي: ببناء الثقة عبر آليتين رئيستين:
- ضمان التخارج: منح صاحب المشروع الحق في استرداد ملكية مشروعه بعد فترة محددة أو عند تحقيق أهداف أداء، مما يحوّل العلاقة من “استيلاء” إلى “شراكة إنقاذ مؤقتة”.
- نظام حوكمة متفق عليه بوسيط محايد: وضع إطار واضح للصلاحيات بمساعدة جهة موثوقة (كالبنك المركزي أو غرفة التجارة وصناعة عمان) لضمان العدالة والشفافية.
5- التحدي المعلوماتي: بالاعتماد على بيانات مُدقَّقة من أطراف ثالثة (شركات التدقيق)، واللجوء إلى منصات محايدة للتحقق، وتطوير نماذج تنبؤية بالذكاء الاصطناعي للكشف المبكر عن التعثر.
ونظرًا لأن جزءًا لا بأس به من حالات التعثر سببها صدمات خارجية لا سيطرة للمشروع عليها (كالأزمات العالمية أو التحولات التكنولوجية المفاجئة)، تبرز فكرة تأسيس “صندوق جماعي للطوارئ الاقتصادية”.
هذا الصندوق تُؤسسه شركات التمويل والبنوك معًا، تحت إشراف البنك المركزي، ويموّل بشكل جماعي. ويكون بمثابة شبكة أمان وطنية تُفعّل في أوقات الأزمات الكبرى لإنقاذ المشاريع الحيوية، على غرار تعاون شركات التأمين في مواجهة الكوارث الطبيعية.
ويؤدي تفعيل هذا الدور إلى منفعة شاملة:
- شركة التمويل: تحافظ على رأس مالها وتحوله إلى استثمار منتج.
- صاحب المشروع: يحصل على فرصة ثانية ودعم متخصص.
- الاقتصاد: يحافظ على الوظائف والطاقات الإنتاجية ويجنب مخاطر الديون المعدومة.
هذا التحول ليس ترفًا فكريًا، بل ضرورة استراتيجية في اقتصاداتنا التي تتطلع إلى تنويع مصادر الدخل وبناء قطاع خاص مرن ومستدام، إنه دعوة لتحويل شركات التمويل من دوائر في آلة الائتمان إلى أعمدة فاعلة في هندسة الاستقرار والنمو الاقتصادي.



