الأفق الثقافيالتراث الحضاري

دراسة حديثة تكشف: تأثير البانيان على الاقتصاد العُماني

مجلة التكوين

ما إن نذهب إلى مطرح إلا وكلمة “البانيان” تُلازم مسامِعنا، خصوصًا عندما نتعمق داخل السوق، ونقترب من محلات الجملة التي تبيع “ما لذ وطاب” أيام طفولتنا، كـ “الشاكليت، والمينو، والسقايات” وغيرها من المواد الغذائية التي كانت هدايا “الشيّاب” بعد مجيئهم من “البندر” يوم أن كان الذهاب إلى مسقط كأنه سفر.

لكن د.إسماعيـل بن أحمـد بن هــارون الزدجـالي كشف لنا نشاطًا تجاريًا أكبر لـ “البانيان” تعدّى الـ“شاكليت والحلويات“، وكان له تأثيرٌ على الاقتصاد العُماني ، منذ مئات السنين، وذلك عبر دراسته التي قدّمها استكمالا لمتطلبات الحصول على الدكتوراه من جامعة السلطان قابوس، وكانت بعنوان “النشـاط التجـاري للبانيـان في عمــان 1744م ــ 1970م“.

الهدف والمحتوى

هدفت دراسة الزدجالي إلى التعرّف إلى النشاط التجاري للبانيان في السلطنة خلال الفترة من 1744م وحتى عام 1970م، كنموذج على استيعاب السوق العُمانية للتجار من مختلف الأديان والأعراق، والذين استغلوا وجود البيئة التجارية المحفّزة في تنمية تجارتهم، التي أسهمت في جعل الموانئ العمانية مراكز تجارية نشطة، كان لها إسهامها المؤثر الذي امتد إلى العديد من مناطق حوض المحيط الهندي .

وبدأت الدراسة بتمهيد بيّن أهمية موقع عمان الجغرافي في استقطاب التجار من مختلف البلدان منذ أقدم العصور، كان من ضمنهم البانيان الذين يعود تاريخ ممارستهم التجارة في عمان إلى الألفية الثالثة قبل الميلاد. وأبرز الفصل الأول العوامل التي كان لها تأثيرها على النشاط التجاري للبانيان، وتنوعها بين عوامل طبيعية وسياسية واقتصادية، واستعرض الفصل الثاني الأسر التجارية البانيانية التي وُجِدت في عمان خلال فترة الدراسة، والتي أقامت مؤسسات تجارية اعتبارا من مطلع القرن السابع عشر الميلادي، ولا يزال أغلبها قائمًا حتى الآن مؤسسةً لما يُعرف حاليا بمفهوم الشركات العائلية. فيما تناول الفصل الثالث الأنشطة التي مارسها التجار البانيان في عُمان، حيث استحدثوا بعضًا من الأنشطة التجارية التي لم تكن معروفة من قبلهم مثل : الصرافة، والوكالات التجارية .

واعتمدت الدراسة بشكل رئيس على الوثائق الموجودة في الأرشيفات الحكومية والخاصة في كل من السلطنة والمملكة المتحدة وجمهورية الهند، إضافة إلى المصادر والمراجع والأطروحات الجامعية باللغتين العربية والإنجليزية، وتوصلت الدراسة إلى عدد من النتائج التي بينت الأهمية التجارية للبانيان في السوق العمانية، حيث اعتمدت عليهم في توفير سلعها وتصدير منتجاتها، وبذلك أصبحوا مساهمين في جعل ميناء مسقط مركزًا رئيسيًا لتجارة العبور (الترانزيت) على سواحل الخليج العربي.

أبرز النتائج

ركزت الدراسة على النشاط التجاري للبانيان بعُمان في عهد الدولة البوسعيدية من عام 1744 وحتى عام 1970م، وتوصلت إلى مجموعة من النتائج يُمكن إجمالها في:

ـ ممارسة البانيان للنشاط التجاري في عمان يعود إلى الألفية الثالثة قبل الميلاد، وذلك لارتباطها بمعتقداتهم الدينية، والتي جعلتهم يحتكرون ممارسة التجارة دون غيرهم من طبقات المجتمع الهندي، ووجود الظروف المناسبة التي سهلت لهم الاستقرار بعمان، مما أكسبهم خبرة في الموانئ والأسواق العمانية، وجعلت التواصل معهم شرطا أساسيا لكل من أراد ممارسة النشاط التجاري في عمان، وبشكل خاص الأوروبيين الذين اعتمدت تجارتهم على البانيان بدءًا من البرتغاليين، ثم الهولنديين والإنجليز والروس.

ـ أثرت الظروف الطبيعية والأوضاع السياسية التي مرت بها منطقة كوتش التابعة لإقليم كجرات الموطن الرئيسي للبانيان، في زيادة تدفق التجار البانيان إلى الموانئ العمانية خلال القرن التاسع عشر الميلادي، والتي عززت نشاطهم التجاري بعد أن أصبحت مركزًا لاستقرارهم، وتمثلت الظروف الطبيعية في الجفاف والزلازل التي نتج عنها الكثير من المجاعات والأوبئة، بينما تعود الأوضاع السياسية إلى الثورات والفوضى السياسية التي شهدتها كوتش بعد انهيار أسرة جاديجا في عام 1816م والتي كانت تحكم كوتش اعتبارا من القرن الخامس عشر الميلادي، مما أدى إلى خضوع كوتش لسيطرة شركة الهند الشرقية البريطانية اعتبارا من عام 1819م .

ـ ارتبط التجار البانيان بعلاقات صداقة وشراكة تجارية مع حكام الأسرة البوسعيدية الذين التزموا بسياسية الانفتاح التجاري، فرحبوا بجميع التجار بغض النظر عن انتمائهم العرقي أو الديني، وحرصوا على توفير البيئة الجاذبة لجميع من يرغب في ممارسة التجارة، فوجد التجار البانيان في الاستقرار السياسي والاقتصادي بعمان عاملا مهما للحصول على العديد من التسهيلات التي عززت مكانتهم في المجتمع العماني، وأتاحت لهم الفرصة المناسبة لممارسة تجارتهم بحرية وأمان.

ـ أسهم التجار البانيان في نشوء العديد من العلاقات بين عُمان ودول العالم، مثل: إسهام التاجر البانياني موجي بهيماني في دعم العلاقة بين السيد سلطان بن أحمد وشركة الهند الشرقية البريطانية والتي أسفرعنها توقيع الطرفين لاتفاقية عام 1798م، ودور التاجر البانياني شيفجي توبان في توقيع اتفاقية التجارة والصداقة بين عُمان والولايات المتحدة الأمريكية بتاريخ 21 سبتمبر 1833م.

ـ ساند التجار البانيان حكام الأسرة البوسعيدية في التصدي للثورات الداخلية والغزوات الخارجية التي واجهتهم، فهم ساندوا السيد سلطان بن أحمد في الوقوف معه ضد معارضة إخوانه سعيد وقيس ابني الإمام أحمد بن سعيد اللذين رغبا في السيطرة على مسقط، كما قدم التجار البانيان الكثير من الخدمات للسلطان سعيد بن تيمور في جهوده الساعية لتوحيد عُمان، فاعتمد عليهم كمصدر للحصول على المعلومات المتعلقة بتحركات قادة ثورة الإمامة، كما قدم التجار البانيان الدعم المالي للحكام العمانيين من أجل القضاء على خطر الوهابية والقواسم الذين قاموا بهجمات متكررة على عمان .

ـ أثّر تمتع البانيان بالرعاية البريطانية وضمانها للعديد من حقوقهم المدنية والتجارية والدينية، على ازدهار تجارتهم وقوة مركزهم في الأسواق العمانية، واحتكارهم تجارة عمان الخارجية بفضل حرص السلطات البريطانية على الالتزام ببنود الاتفاقيات التي وقعتها مع الحكومة العمانية، عبر تحديد رسوم الجمارك بنسبة لا تزيد على 5%، يدفعها التجار البانيان بالطريقة التي يرونها مناسبة.

ـ أسهم افتتاح قناة السويس عام 1869م وما أعقبها من وصول السفن البخارية إلى ميناء مسقط اعتبارا من عام 1874م في سيطرة التجار البانيان على نشاط النقل البحري، وتمكنهم من تدويل التجارة العمانية فصدروا بضائعها إلى العديد من الأسواق العالمية التي استوردوا منها السلع المتنوعة، مما جعل ميناء مسقط مركزا رئيسيا لتجارة العبور (الترانزيت) على سواحل الخليج العربي .

ـ كان للتجار البانيان أسبقية في إنشاء المؤسسات التجارية بمفهومها الحديث، والتي يعود تاريخ تأسيس بعضها إلى مطلع القرن السابع عشر الميلادي، فوجدت في عُمان قبل عام 1970م تسعٌ وثمانون مؤسسة تجارية بانيانية، ما يزال أغلبها يمارس الأنشطة التجارية حتى وقتنا الحالي.

ـ حققت السوق العمانية فوائد نتيجة إدخال التجار البانيان للعديد من الأنظمة الاقتصادية الحديثة، التي استفاد منها التجار العمانيون مثل: التداول التجاري بواسطة سندات الصوف (الهوندي)، والعملات النقدية بدلا من الاعتماد على نظام المقايضة، وكذلك إدخال نظام التأمين على السفن والبضائع .

ـ كان للروابط التجارية بين البانيان والعمانيين تأثير على رواج النشاط التجاري للطرفين، حيث مارس التجار البانيان أنشطتهم التجارية في جو سادته روح التسامح، وارتبطوا بعلاقات مع جميع أفراد المجتمع العماني، مثل علاقتهم مع السلطان سعيد بن تيمور، ومع الإمام محمد بن عبدالله الخليلي، إضافة إلى العديد من مشايخ القبائل، والمزارعين، والصيادين، والحرفيين، مما مثل عامل نجاح أساسيًا في نشاط التجارة الخارجية للبانيان، إضافة إلى كون العمانيين هم المستهلكين الرئيسيين لأغلبية البضائع التي استوردها البانيان من الخارج، والموزعين لها في العديد من مناطق الخليج والجزيرة العربية .

ـ اعتمد الاقتصاد العُماني على التجار البانيان، وذلك نظرًا لاعتبار نشاطهم التجاري أحد الموارد الرئيسية لخزينة الدولة العمانية، والتي كلف العديد منهم بإدارتها والإشراف على شؤونها، إضافة إلى قيامهم بتمويل العديد من الأنشطة التجارية التي مورست في جميع موانئ الدولة البوسعيدية.

ـ تنوعت الأنشطة التجارية التي مارسها البانيان في الأسواق العمانية والخليجية، حيث اعتمد جميعها على السلع التي وفرها التجار البانيان، الذين لم يكتفوا بتجارة السلع فاستحدثوا العديد من الأنشطة التجارية والخدمات المساعدة لها، والتي لم تكن معروفة في منطقة الخليج بأسرها من قبل، مثل : نشاط الصرافة، والوكالات التجارية، والاستثمار العقاري، والبريد .

ـ استحوذ التجار البانيان في عُمان على مناقصات إنشاء جميع المشاريع الحكومية خلال الفترة من عام 1939م وحتى عام 1970م، وذلك نظرا لامتلاكهم السيولة النقدية، وعلاقاتهم بالعديد من الشركات المصنعة لمواد البناء .

ـ أسهم البانيان في تأسيس الجمارك العمانية منذ ظهورها في عُمان مطلع القرن السادس عشر الميلادي، عندما كلفهم البرتغاليون بتحصيل الرسوم المفروضة على السفن المستخدمة للموانئ العمانية، واستحواذهم على عقد استثمارها على أساس التعاقد السنوي، منذ عهد السيد سلطان بن أحمد وحتى عام 1912م عندما أصبحت إدارة الجمارك تحت الإشراف المباشر للحكومة العمانية، والتي حرصت على الاستفادة من خبرة البانيان، فعينتهم كموظفين تابعين لها في العديد من الوظائف الخاصة بإدارة الجمارك العمانية.

مقابلات شفوية

يُذكر أن الدراسة اعتمدت على مقابلات شفوية عديدة بالإضافة إلى المراجع والدوريات، حيث قام معدّها بمقابلة التاجر البانياني غاندي، والمرحوم فاضل بن غابش الهدابي، والتاجر البانياني فيميل برشوتم، والتاجر البانياني كنكسين آشر ، والشيخ كنك كيمجي ، وكيرتي جيسراني مدير المعبد الهندوسي بمسقط ، ولاتبهاي جيسراني، والتاجر البانياني فيشال كوثاري ، والتاجر البانياني منير توبراني، والتاجر البانياني هريداس جافا.

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق