الأفق الثقافيالتراث الحضاري

قلعة مطرح شرفة جديدة على النص الأزرق

مجلة التكوين

أرتقى ذراها وقاربها بين زيارتين
حمود بن سالم السيابي

صعدت قلعة مطرح أواخر ستينيات القرن الماضي خائفا أترقب بصحبة أخي البدر لزيارة أحد نزلاء الزنزانات.
وصعدتها في السادس من نوفمبر عام ٢٠١٨ بصحبة الابن العزيز أحمد الرحبي وقد غادرها كل السجناء فزرت التاريخ.
وفي زيارتي الأولى كنت أتلفت يمنة ويسرة وأنا أصعد السلالم وأتحسس خطوات السجناء الذين ارتقوا رعب المكان وبعثروا العمر هنا، وتنازعتهم الهواجس ما إذا كانوا سينزلون بعد انقضاء مدة الحبس؟ أم ستنزل بهم النعوش المحمولة على الأكتاف؟.
وفي زيارتي الثانية كنت أصعد نفس السلالم بلا خوف ولا ترقب، بل لأتابع سائحين أوروبيين يوثقان مشهد الصعود بضحكة وحضن، وسلفي وجرعة من عبوة مياه اصطحباها من يختهما الراسي في الميناء، فيما سائحة أخرى تحمل في زرقة عينيها بحرا آخر للبحر.

ورغم أن حبات المسبحة مرت سريعا بين الزيارتين واتسع الفارق الزمني فوهن العظم واشتعل الرأس شيبا إلا أن الشوق لاستعادة الأمس أنساني العمر المقيد في البطاقة الشخصية، ولم أربأ بملفي الصحي فصعدتُ السلم بحيوية الشباب، والتهمتُ المسافة بين السفح والقمة في غمضة عين.
ولم تكن القلعة بغريبة علي لأزورها، فكنت أفتح عيني كل صباح في بيتنا المطرحي على شروق الشمس والأبراج الثلاثة للقلعة فيبدأ النهار.
وأغمض عيني على نجمة تتعامد كل ليلة جهة وسادتي مزفوفة بدقات «طبلة النوبة» القادمة من أكبر طبول قلعة مطرح فيحل المساء.
وكانت قلعة مطرح بهذا الحضور الطاغي هي التي تزورني وتسكنني حتى نخاع النخاع.
وبعد سنوات من كسر النهضة العمانية لقفول زنزانات السجون المرعبة وتحويل الجلالي بأكمله إلى شرفة زرقاء على بحر عمان مجاراة لصنيع الثورة الفرنسية في تحويل سجن الباستيل إلى مزار، واتخاذ قلعة مطرح شرفة للعاصمة التجارية وقصيدة زرقاء للبحر، كان لا بد من تجديد العلاقة مع القلعة وهي تخرج من ربقة السجن إلى رحابة المزار، ومن الثقل على الأنفاس إلى شعلة للحرية.

ها هي القلعة إذن، وهذه بوابتها، وهذا وتد طبل النوبة الذي يضبط ساعة نومنا كل ليلة فيلزمنا إطفاء القناديل.
هنا رتع التاريخ وتقارعت الجيوش وعاد الغرباء أذلاء.
وهنا كان اليعاربة فرائحة التاريخ مسك وعنبر كما يقول نزار.
وهنا كان البرتغاليون يستعيدون في عنفوان قلعة مطرح أشواقهم لحصن «ساو خورخي» في لشبونة.
وهنا كان البوسعيديون وما يزالون ورثة التاريخ وصناع الأمجاد وحماة الديار.

أرمق ثلة من السياح الأوروبيين ينحنون لقراءة اللوحة النحاسية لأحد مدافع القلعة، فأقرأ انحناءاتهم انحناءة للتاريخ.
وأتابع فوجا آخر من الزوار يتحسسون الغضب عند فوهة مدفع آخر فيستعيدون رائعة الكاتب الاسكتلندي «ألاستير ماك لين» «مدافع نافارون».

وأرقب مجموعة تتبادل التهاني عند نقوش مدفع ثالث يأخذهم إلى مجريات الحرب العالمية الثانية التي انتهت باستسلام الألمان وانتحار هتلر وذر رماد رفاته بنهر الإلبا العابر إلى هامبورج.
وكانوا يتنقلون بين مدفع ومدفع وينثرون في فناء القلعة ضحكا و «سلفي» وحكايات.
وكنتُ أبحر في الزمن الذي جاء بكل هؤلاء السياح، لينتقل المكان من سجن مرعب إلى حاضنة للصور، وإطلالة للبحر، وقصيدة للحرية.

وفي خاتمة التطواف بالمدافع وبقية التفاصيل يعود السياح إلى يختهم وفي الأيادي بقايا ماء في العبوات والكثير من الصور التي سيتولى «الواي فاي» نقلها إلى ذويهم وأصدقائهم في القارات، لأنفرد بالقلعة وإطلالاتها على مطرح ومدافعها التي تغير تكليفها الوطني من حماية البلدة إلى استعادة الأزمنة التي شهدتها البلدة.
وأعود لأقرأ اللوحات النحاسية للمدافع كالسياح الذين سبقوني فأحني الهامة للرجال الذي سحبوا هذه المدافع إلى كل هذا العلو، فكانوا رافعات التاريخ قبل أن تعرف الدنيا الرافعات.

أطالع هذا المدفع الفرنسي الصنع كما تشير لوحته النحاسية التي حملت الرقم (١) في تسلسل اللوحات، وأدقق في سنة صنعه التي تعود إلى العام ١٧٩٠ م أي بعد عام من اقتحام الباستيل أشهر سجون فرنسا فأتذكر فرساي وماري أنطوانيت وأسئلة الخبز والكعك.

لقد قُدِّرَ لهذا المدفع الفرنسي لأن يشهد اقتحامين في التاريخ تمثلا في اقتحام رجال الثورة الفرنسية للباستيل وتحويله من سجن إلى مزار، وصدور الأوامر بتحويل قلعة مطرح من سجن إلى مزار.

أستنطق اللوحة التعريفية لهذا المدفع فتجيبني بأنه من فئة ١٢ باوند، وأنه متعدد الفتحات في حلقة القاعدة ما يجعله يعوض درجة الانحراف الجانبي.

لقد اهترأت عربته فأعيد تصميم عربة أخرى له هي طبق الأصل للنسخة الفرنسية لهذه الفئة من المدافع.
وعلى مقربة من المدفع الفرنسي يمد المدفع البريطاني فوهته باتجاه البحر حيث الخطر، فأحني هامتي لعظماء عمان الذين تعاقدوا على شرائه وارتفعوا به إلى هنا بقرار عماني، وليزمجر بقرار عماني.

تقول لي لوحته التي حملت رقم (٢) في التسلسل إنه من فئة ١٢ باوند وأنه ضمن أجيال مدافع أرمسترونغ.
وقد نقش الإنجليز عليه تاريخا ما يزال مقروءا وإن بدا يتآكل كالتاريخ البريطاني نفسه، فبعد أن كان علمهم لا تغرب عنه الشمس، أصبح العلم أسير جزيرته الحالمة فلا يرى حتى الشمس بفعل ضباب الطقس في عاصمة الضباب وضباب التاريخ في أزمنة الانكسار.

أسائل اللوحة النحاسية التعريفية بالمدفع فتقول لي إنه من مخرجات عصر الملك جورج الثالث (١٧٦٠-١٨٢٠).
وما يزال حرف H بارزا في الوجه الأيمن لمركز الدوران.
وقد تم وضع هذا المدفع البريطاني على عربة خشبية معاصرة.

أتنقل بين المدافع المتحفزة هنا فينتابني الشعور بالفخر لما تتمتع به عمان من علاقات منفتحة مع العالم ما جعلها موضع ثقة من الجميع فيتسابقون في تلبية كافة احتياجاتها التسليحية على امتداد التاريخ فيحمحم هذا المدفع القادم من الحديد الإنجليزي المسبوك فئة ٩ باوند في مكانه ليسرد للزائرين هذه الإرادة العمانية التي لا تقبل الإملاءات.

أدقق في تاريخ صنعه الذي يعود إلى أواخر القرن الثامن عشر الميلادي فأتذكر عصر السلطان سلطان بن أحمد الذي أحيا مسقط ومطرح وأعاد حيويتهما في التاريخ، فهذا المدفع بعض تعزيزاته العسكرية التي أعدها سلطان بن أحمد لمطرح لتبقى منيعة في عهده كما كانت قبله وبعده.

وكان من الطبيعي أن يتم توجيه فوهة هذا المدفع نحو البحر ليغطي أمنيا مسار السفن القادمة من الشرق باتجاه خليج مطرح. تقول لوحته النحاسية التعريفية التي تحمل التسلسل رقم (٣) إنه وضع على عربة تعود لأنماط عربات تلك الفترة من التاريخ.

وتدخل المدافع الإسكندنافية على خط التعددية في مصادر التسليح فيتحدث هذا المدفع القادم من إحدى الدول الإسكندانافية قد تكون السويد أو النرويج فلم تسمح نقوشه بالمزيد من التفاصيل أو قد يكون إنتاجا مشتركا لصناعاتهما العسكرية معا.

لقد أخذ المدفع الإسكندنافي العملاق الحيز الأكبر في الربوة التي وضع عليها واتجهت فوهته نحو المنطقة الواقعة آخر الرافعات الشوكية لميناء السلطان قابوس حاليا وكأنه يهم للانقضاض على السفن الداخلة لخليج مطرح.
أما المدفع الفرنسي رقم (٤) في التسلسل فلم يكتف بالانتظار على عربته في فناء القلعة بل اقترب بفوهته من السور وكأنه ضاق ذرعا بالعربة فاتخذ السور مسندًا ليواصل صمته باتجاه زرقة البحر، أو لكأنه أراد الاشتراك مع الرامي في تفتيت أكباد الطامعين.

وتشير اللوحة النحاسية التعريفية لهذا المدفع الفرنسي إلى أنه من فئة ٦ باوند، ويعود تاريخ صنعه للعام ١٧٦٠ أي في عهد الإمام أحمد بن سعيد مؤسس الدولة البوسعيدية.
وتمت زخرفته ب «فلوردي ليز» ووضع على عربة نقل هي نسخة طبق الأصل للعربة الفرنسية التي تعود لطراز تلك الفترة.

وعلى مسافة غير بعيدة منه ينتصب مدفع بريطاني من الحديد المسبوك فئة ١٢ ياردة وحمل التسلسل رقم (٥) بين مدافع القلعة.
ولقد عانى هذا المدفع البريطاني أكثر من غيره من عاريات الزمن فانمحت كتاباته وزخارفه وبدا تحديد عمره متعذرا.
وقد قاربت اللوحة النحاسية تصنيفه إلى أنماط مدافع القرن الثامن عشر دون تحديد للسنة الفعلية للصنع.
وفي زاوية أخرى من فناء القلعة ينتصب المدفع رقم (٦) في التسلسل ليتجه صوب برج المراقبة في ميناء السلطان قابوس وهو مدفع بريطاني من فئة (١٢) باوند ومن نوع «ديمي» ومن نمط «بورغرد» الذي شاع استخدامه في الفترة ما بين (١٧١٦-١٧٢٦).

وتحدد اللوحة صناعته بالعام ١٧٢٠م الذي يوافق عصر الإمام سيف بن سلطان الثاني اليعربي.
ويبقى الإنجليز أكثر الأصدقاء حضورا في تاريخنا الحديث فكان من الطبيعي أن تكون بريطانيا أحد المصادر الرئيسية لترسانتنا العسكرية فاقترب من مدفع بريطاني آخر تم تثبيت لوحته النحاسية التعريفية على نفس خشب العربة التي يشمخ عليها، عكس بقية المدافع التي ثبتت لوحاتها على الأسوار.

ويشير هذا المدفع الذي حمل تسلسل رقم (٧) إلى أنه مدفع بريطاني من نوع ديمي ويعود للعام ١٧٠٠ أي أواخر عهد اليعاربة.
ولم تفصح اللوحة عن قوة النيران وفئته التصنيفية فاكتفت بالإشارة إلى أنه يعرف ب «روز ولي العهد».
وأن عمر عربته أحدث من المدفع بخمسة وعشرين عاما أي تعود للعام ١٧٢٥ م.
ويعيدني مجددا المدفع رقم (٨) إلى اسكندنافيا لأصافح مدفعا تقول لوحته النحاسية التعريفية إنه من فئة ٨ باوند ومن أجيال مدافع «فينبانكرز».

وترجع اللوحة تاريخ صنعه إلى مطلع القرن الثامن عشر وتم تثبيته على عربة نقل من الطراز البريطاني السائد في الربع الأول من القرن الثامن عشر.

وأقف في ختام التطواف بمدافع قلعة مطرح عند أهم وأحدث مدافع القلعة الذي يحتل أرفع أمكنتها بجوار سارية علم القلعة ويحمل الرقم (٩) في التسلسل.

وتقول اللوحة إنه يستخدم لأغراض الدفاع عن الموانئ.
وقد زمجر هذا النوع من المدافع في ساحات معارك الحرب العالمية الثانية.
ويكتسب أهميته التاريخية لندرته كون شركة هوتكس الفرنسية المصنعة له توقفت عن العمل فأصبح تواجده في ترسانات الجيوش غير متكرر.

وتشير اللوحة النحاسية التعريفية بهذه التحفة الفرنسية إلى أنه من فئة ٣باوند وأن مدى نيرانه يصل إلى خمسة آلاف ياردة.
ويرجح أن يكون مدفع هوتكس قد أضيف إلى مدافع القلعة في عهد السلطان سعيد بن تيمور.
ويشمخ هذا المدفع على منصة حديدية يتم تحريكها يدويا وفق الزوايا والدرجات المطلوبة.

ولأن المدافع هي هيبة وجواهر وكنوز القلاع في كل مكان فهي في عمان إلى جانب كل ذلك صفحات من التاريخ المحفور على الفولاذ.

وهي مع السارية القديمة للراية السلطانية في البرج الشرقي أجمل ما بقي بقلعة مطرح بعد أن أخليت الزنازين وكسرت القيود.

وكما نزل السياح وفي الرقاب كاميرات تترنح وفي الأيادي عبوات ماء وهواتف للسلفي لاقتناص أجمل اللحظات، نزلت وفي هاتفي مئات الصور للقلعة التي تسكنني منذ الطفولة ولمدافعها المدوية في التاريخ.

ورغم أن النزول أسهل من الطلوع فكنتُ على النقيض من هذه المعادلة، فقد طلعت بشوق لأرى الأمس، ونزلتُ وقد انطفأ الشوق ليشتعل مكانه العمر الذي تجاهلته في البطاقة الشخصية، ويثور معه ملفي الصحي الذي نسيته.

وتبقى قلعة مطرح مهيبة في طفولتنا لأنها تذكرنا برعب السجن، ومهيبة في العمر الذي نتحشرجه لأنها متحف لكنوز من الفولاذ الصانع للتاريخ والشاهد على التاريخ.
————
مسقط في ٢٥ يناير ٢٠١٩م.

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق