ملف: الدكتور طومس.. حكاية طبيب

الفليم الوثائقي الدختر طومس

تقرير| وزارة الإعلام تطلق الفيلم الوثائقي “الدختر طومس”

احتفت ‏وزارة الإعلام بإطلاق الفيلم الوثائقي الدختر طومس الذي يوثق سيرة الدكتور الأمريكي ويلز تومز

من عمان | فلم “الدختر طومس” مساهمة في حفظ الذاكرة الوطنية

«الدختر توماس».. حكيمٌ داوى مرضاه بلغة الإنسانية

عباس الزدجالي – الرؤية

تُقاس الإنسانية الحقيقية بمدى العطاء والتفاني في إنقاذ الأرواح، والقدرة على التجسير بين الثقافات دون قيد أو شرط. وفي تاريخ الرعاية الصحية المدنية الحديثة في سلطنة عُمان، يبرز اسم الدكتور وليام ويلز ثومز كأحد أنقى النماذج التي تجسد هذا الفكر الإنساني الرفيع. ورغم أن الاسم الأصلي للعائلة هو ثومز Thoms، إلا أنَّ العُمانيين تداولوه شعبيًا بصيغة «توماس» أو «الدختر توماس»، وهي التسمية التي التصقت به في الذاكرة المحلية حتى اليوم.

فقد كرس هذا الطبيب أكثر من ثلاثة عقود من عمره في خدمة العُمانيين، ووقف إرثه شاهدًا استثنائيًا على نبل المهنة؛ إذ اتسم باحترام مُطلق لعقيدة المجتمع وثقافته، متمسكًا برسالته الطبية السامية بعيدًا عن أي مساعٍ للتغيير العقائدي، رغم كونه جزءًا من إرسالية كنسية.

ولد الدكتور توماس في البحرين عام 1903 لعائلة من الأطباء المبادرين، وعاش تفاصيل الواقع الصحي الصعب للمنطقة منذ طفولته. ورغم رحيل والديه وهو لا يزال غض الإهاب، إلا أنه عاد إلى الولايات المتحدة ليتلقى تعليمه الطبي، متخرجًا في كلية الطب بجامعة ميشيغان. وبدلًا من السعي وراء مسيرة مهنية مدرة للمال في أمريكا، اختار العودة إلى منطقة الخليج العربي التي أحبها. وكخطوة أساسية لتعميق تواصله مع المجتمع، استقر في البصرة بالعراق لفترة كافية حتى أتقن اللغة العربية وعاداتها إتقانًا تامًا.

وفي ذاكرة مسقط القديمة، لم يكن مرضى الجذام مجرد مرضى، بل فئة معزولة تعيش خارج المدينة تقريبًا، يحيط بها الخوف والوصمة الاجتماعية. وقد وصفت تقارير الإرسالية الأمريكية في بدايات القرن العشرين مشاهد مؤلمة لمصابين يفترشون الطريق بين مسقط وسداب طلبًا للصدقة، بينما يتجنبهم الناس خشية العدوى.

تلك المشاهد التي رآها توماس صغيرًا تركت أثرًا عميقًا في نفسه، ولم تدفعه إلى النفور، بل أيقظت داخله حسًا إنسانيًا مبكرًا دفعه لاحقًا إلى دراسة الطب والعودة لخدمة المرضى والمنبوذين اجتماعيًا.

وفي عام 1939، حط الدكتور توماس رحاله في عُمان ليتولى إدارة المستشفى الإرسالي في مسقط ومطرح وكبير أطبائه الجراحين. وبفضل نشأته في المنطقة، كان يمتلك فهمًا ثقافيًا واجتماعيًا عميقًا، فضلاً عن علاقة الصداقة والزمالة التي ربطته منذ الطفولة بالسلطان سعيد بن تيمور، مما مهَّد لبناء جسور متينة من الثقة المتبادلة مع القيادة العُمانية والأهالي على حد سواء.

وتكشف بعض الروايات التاريخية عن طبيعة تلك العلاقة الإنسانية التي نشأت بين الطبيب الأمريكي والمجتمع العُماني وقياداته الدينية آنذاك. ففي كتاب “المسيحيون في عُمان” للمؤلف Ray F. Skinner يرد وصف لأول لقاء جمع الدكتور توماس بالإمام محمد بن عبدالله الخليلي في الرستاق عام 1940؛ حيث استُقبل بالقهوة والحلوى وماء الورد وفق التقاليد العُمانية.

وخلال اللقاء سأل الإمام عن سبب تركهم بلادهم والقدوم للعمل في مسقط، فأوضح توماس ورفاقه أنهم جاءوا استجابة لتعاليم المسيح في علاج المرضى وتعليم الناس. وعندما أكدوا إيمانهم بالله الواحد، أجاب الإمام الخليلي قائلاً: «أنتم لستم عبدة أوثان ولا كفارًا، بل من أهل الكتاب… نعتقد أنكم مخطئون في بعض معتقداتكم، لكننا نحترمكم لأنكم تخافون الله… ويمكنكم السير بأمان في بلادنا».

ثم دعا لهم بالتوفيق والحكمة في علاج المرضى، وأمر بتوفير دليل يرافقهم إلى مريضهم. وقد شكل ذلك اللقاء بداية علاقة طويلة وودية بين الطبيب الأمريكي والإمام الذي وصفه الكتاب بأنه “قائد روحي مسلم استثنائي”.

حين بدأ الدكتور توماس عمله، كانت عُمان تفتقر إلى البنية التحتية والمستشفيات الحديثة. وبمعاونة زوجته “بيث سكودر”، التي تولت إدارة العمليات والتشغيل، استطاع تحويل العيادات البدائية إلى مؤسسات صحية رائدة. وخلال الحرب العالمية الثانية، ومع انقطاع خطوط الإمداد الدولية، تحمل عبء الطوارئ الطبية في البلاد بمفرده بوصفه الجراح الوحيد المستقر في عُمان آنذاك. وقد عُرف كطبيب عيون بارع، حيث أعاد نعمة البصر لآلاف المواطنين الذين عانوا من المياه البيضاء (الكاتاراكت) والتراخوما.

كما كان له دور محوري في توسعة مستشفى الرحمة بمطرح، وتأسيس أجنحة متخصصة لعلاج الجذام، والسل، والأمراض المعدية الأخرى. ولم تقف الرعاية التي يقدمها عند حدود الجغرافيا؛ فحين كان يتعذر على المرضى القدوم إلى مطرح، كان الدكتور توماس يحزم معداته الطبية على متن الجمال والحمير، منطلقًا في رحلات شاقة نحو الولايات الداخلية والبلدات الجبلية البعيدة لعلاج القرويين والبدو الرحل. وبحلول الستينيات، وتحت إشرافه الإداري والطبي، باتت شبكة المستشفيات هذه تدير أكثر من 90 ألف حالة سنويًا، لتصبح ثاني أكبر جهة توفر العلاج في عُمان بعد الجيش السلطاني آنذاك.

ورغم المكانة الإنسانية الكبيرة التي حظي بها «الدختر توماس» في الذاكرة العُمانية، فإن وجود البعثات الطبية الأجنبية في الخليج وعُمان لم يكن منفصلًا تمامًا عن السياق التبشيري الغربي في تلك المرحلة التاريخية.

فقد أشار الباحث العُماني د. ناصر حمد العزري، في دراسة منشورة بالمجلة الطبية لجامعة السلطان قابوس بعنوان “Sent to Explore, Conquer and Heal”، إلى أن الإرساليات الإنجيلية الأمريكية رأت في الطب وسيلة فعالة للوصول إلى المجتمعات المحلية في الجزيرة العربية، بعد أن أدرك المبشرون صعوبة تحقيق اختراق ديني مباشر داخل المجتمعات المسلمة المحافظة. ولهذا أصبح “شفاء الأجساد” بوابة لمحاولة “هداية الأرواح”، بحسب توصيف الدراسة.

وتشير الدراسة إلى أن الإرسالية العربية الأمريكية بدأت نشاطها في عُمان عام 1893، وأن الطب لعب دورًا محوريًا في بناء حضورها داخل المجتمع، خصوصًا بين الفقراء والمرضى والمصابين بأمراض مزمنة ومنبوذة اجتماعيًا كالجذام.

كما لفتت إلى أن الخدمات الطبية الإنسانية التي قدمها الأطباء والممرضون الأمريكيون، رغم ارتباطها الفكري بالمشروع التبشيري، نجحت في الوصول إلى قلوب كثير من العُمانيين الذين رأوا في هؤلاء الأطباء نماذج إنسانية صادقة تعيش بينهم، وتأكل طعامهم، وتشاركهم معاناتهم اليومية.

ومع ذلك، تؤكد التجربة العُمانية أن محاولات التنصير لم تحقق النجاح الذي كانت تتطلع إليه الإرساليات، إذ ظل المجتمع العُماني متمسكًا بهويته الإسلامية والدينية والثقافية.

وفي المقابل، بقي الأثر الأعمق والأكثر رسوخًا هو الإرث الطبي والإنساني الذي ساهم في إدخال الطب الحديث وتخفيف معاناة آلاف المرضى في مرحلة كانت البلاد تفتقر فيها إلى أبسط الخدمات الصحية الحديثة. وربما لهذا السبب احتفظ العُمانيون بذكرى «الدختر توماس» بوصفه طبيبًا وإنسانًا قبل أي شيء آخر، حتى صار اسمه جزءًا من الذاكرة الشعبية العُمانية نفسها.

إن ما رفع مكانة الدكتور توماس إلى مرتبة “الأسطورة الإنسانية” في الوجدان العُماني هو وضوحه الأخلاقي الشديد. فرغم عمله تحت مظلة الإرسالية العربية للكنيسة المصلحة في أمريكا، إلا أنه آمن بيقين راسخ بأن تفويض الطبيب الأوحد هو العلاج وإرساء قيم الرحمة، وليس استغلال حاجة المرضى لتغيير دينهم. وفي زمن كانت فيه بعض الجماعات الإرسالية حول العالم تواجه انتقادات لربطها المعونات الطبية بالتبشير، وضع الدكتور توماس حدًا أخلاقيًا صارمًا وفصلًا تامًا بين العمل الإنساني والأجندة الدينية.

لقد أبدى احترامًا عميقًا ومطلقًا للدين الإسلامي والتقاليد الأصيلة للشعب العُماني، مؤمنًا بأن جوهر الرسالة الإنسانية يتجسد في العطاء الصادق والخدمة المجردة، لا في البروباغندا الدينية.

عامل مرضاه بكرامة بالغة، وصبّ جل تركيزه على تخفيف معاناتهم الجسدية. ولأنه لم يحاول يومًا المساس بالهوية الدينية لمن يطببهم، حظي بمحبة وتقدير جارفين من المجتمع العُماني بكافة أطيافه، وصار يُنظر إليه لا كأجنبي يحمل غاية خفية، بل ك«حكيم» حقيقي ونبيل.

تقاعد الدكتور توماس وزوجته في عام 1970، بالتزامن مع فجر النهضة العُمانية الحديثة. وكان قد أنفق كل مدخراته وموارده الشخصية في سبيل رعاية مرضاه، ليرحل عن الدنيا فقيرًا من المال، لكنه كان ثريًا بمحبة أمة بأكملها. غيبه الموت في 17 أكتوبر 1971، واختار أن يوارى ثرى مسقط التي أحبها. ونُقش على شاهده عبارة مأثورة بالإنجليزية تلخص فلسفة حياته الزاهدة: “Such as I have give I thee”، وهي اقتباس من الإنجيل يترجم في السياق إلى: «الذي لي فإياه أعطيك».

وتحمل هذه العبارة المقتبسة دلالة فلسفية بليغة؛ فالآية في أصلها الديني تبدأ بـ«ليس لي فضة ولا ذهب، ولكن الذي لي فإياه أعطيك»، وهو ما جسده الدكتور توماس في واقع حياته حرفيًا.

فقد اختار ألا يلتفت إلى بريق الثروة أو يجمع الفضة والذهب، بل آثر أن يهب الشيء الوحيد والنفيس الذي كان يملكه، وهو علمه الطبي الخالص ومهارته الجراحية الفذة، ليقدمها كاملة وبالمجان كقربان لشفاء العُمانيين. وبعد مرور عقود على رحيله، لا يزال الأثر الذي تركه عصيًا على النسيان؛ حيث أثبت «الدختر توماس» أن الرسالة الطبية السامية تتجاوز الحدود واللغات والأديان، تاركًا خلفه إرثًا من الإنسانية الخالصة في قلب عُمان.


المصادر والمراجع المعتمدة:

• كتاب Faith, Hope, and Love: The Hakeem’s Journey للمؤلف ديفيد جي. ديكاسون، الصادر عن Hope College.

• الفيلم الوثائقي السينمائي الدختر توماس من إنتاج Ministry of Information.

• الأرشيف التاريخي ل The Arabian Mission وReformed Church in America.

• سجلات وإرث Al Amana Centre ومستشفى الإرسالية الأمريكية في عُمان والخليج.

• كتاب Christians in Oman للمؤلف Ray F. Skinner.

• مقالة “The Lepers in Muscat” للدكتورة Elizabeth G. Cantine المنشورة في مجلة Neglected Arabia العدد ٧٢ (يناير مارس ١٩١٠).

• لقاء وحوار أرشيفي منشور في ملحق «أشرعة» بجريدة الوطن العُمانية بتاريخ ١١ فبراير ٢٠١٨.

• د. ناصر حمد العزري، Sent to Explore, Conquer and Heal: History of the Evolution of Biomedicine in Oman during the 19th Century، منشور في Sultan Qaboos University Medical Journal، ٢٠١١.

“الدختر طومس” والذاكرة العُمانية

د. سليمان بن عمير المحذوري – الرؤية

بتاريخ 19 مايو 2026، نظّم النادي الثقافي جلسة حوارية بعنوان “من الطبيب توماس إلى التعايش”. المشاركون في هذه الندوة سلطوا الضوء على جوانب تاريخية مهمة لا سيَّما تلك المتعلقة ببواكير الخدمات الصحية في عُمان خلال النصف الأول من القرن العشرين. وكما هو معلوم لم تكن في عُمان خدمات طبية بالمعنى المعروف قبل عام 1970؛ بيد أنّ الإرسالية العربية الأمريكية في مسقط ومنذ تأسيسها في العقد الأخير من القرن التاسع عشر، كان لها إسهام في تقديم خدمات تعليمية وطبية للسكان المحليين.

ولعل الذاكرة العُمانية ما زالت تحتفظ بذكريات عن العلاج في مطرح، وبشكل خاص عن الطبيب الأمريكي توماس أو “الدختر طوماس” كما أطلق عليه العُمانيون، وحتى اليوم هنالك شهود أحياء عاصروا تلك الحقبة، وعملوا جنبًا إلى جنب مع هذا الطبيب في مستشفى الإرسالية الأمريكية، والذي عُرف لاحقًا بمستشفى الرحمة. الدكتور ويلز توماس ولد في البحرين، وتخرج طبيبًا من جامعة أمريكية، وعاد إلى عُمان مقتفيًا خطى والده الطبيب شارون توماس، وكان له حضور لافت في عُمان منذ عام 1939م ولمدة أربعة عقود متواصلة.

ومن جميل الصدف، أن وزارة الإعلام دشّنت في 20 مايو 2026 فلمًا وثائقيًا وبإخراج رائع يتناول سيرة حياة الدختر طومس؛ الشخصية الأجنبية التي تركت أثرًا بارزًا اجتماعيًا وإنسانيًا في عُمان. ولا شكّ أنّنا بحاجة إلى هكذا ندوات تخصصية، وأفلام وثائقية تلقي الضوء على ملفات تاريخية منسية مثل التاريخ الاجتماعي والثقافي خاصة في ظل محدودية الدراسات الأكاديمية والبحثية التي تُعنى بالجوانب الاجتماعية على وجه الخصوص. وبصرف النظر عن أي تحفظات يُمثل هذا التاريخ ذاكرة الشعوب، ومرآة تعكس العادات والتقاليد، وتطور المجتمع والتحولات فيه، وكيف تشكّلت الهوية الوطنية على مدار حقب تاريخية متوالية. وكما يقولون ليس من رأى كمن سمع؛ فقد كنت من بين المدعوين لحضور تدشين هذا الفلم، وعقب نهاية العرض أدليت بتعليق نشرته وكالة الأنباء العُمانية حول أهمية الفلم في حفظ إرث تاريخي مهم، وتوثيق صورة جميلة للتعايش في عُمان وقبول الآخر.

وإجمالًا أستطيع القول إنّ العمل كان احترافيًا جسّد قصة حقيقية لهذا الطبيب، وقدّم صورة بصرية سينمائية جذّابة من خلال حضور شخصيات أكاديمية وأخرى ذات صلة مباشرة بالطبيب سواء من أفراد أسرته أو ممن عملوا معه؛ فيما كانت الصور والوثائق داعمًا لتكاملية العمل، والخروج برؤية واضحة ومركزة للمشاهد.

وحسنًا فعلت وزارة الإعلام بتبني مشروع إنتاج سلسلة أفلام وثائقية حول تاريخ عُمان العظيم بمختلف جوانبه السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية من خلال إبراز نماذج حضارية مهمة كأرضية صلبة، وأساس متين لمواصلة أجيال عُمان حمل الراية من أجل بناء حاضر ومستقبل عُمان. وفي هذا المقام ربما من المناسب الالتفات للتاريخ البحري العُماني العريق بكل ما يحمله من تفاصيل وقصص إنسانية وحضاريّة شكّلت هوية عُمان منذ القدم وإلى يومنا هذا.

برؤية معاصرة ومعايير إنتاجية حديثة
“الإعلام” تطلق الفيلم الوثائقي “الدختر طومس” لإبراز الجوانب الإنسانية والحضارية في المجتمع العُماني

◄ الحراصي: توثيق التاريخ الوطني يُشكّل جزءًا أساسيًّا من مسؤولية وزارة الإعلام

مسقط- العُمانية

احتفت وزارة الإعلام بإطلاق الفيلم الوثائقي “الدختر طومس” من خلال عرض أُقيم على مسرح الوزارة مساء أمس وسط حضور ثقافي وفني وإعلامي وعدد من صنّاع المحتوى الثقافي في سلطنة عُمان.

وأكد معالي الدكتور عبدالله بن ناصر الحراصي وزير الإعلام- في تصريح صحفي- أن الفيلم الوثائقي “الدختر طومس” يأتي ضمن برنامج وزارة الإعلام الهادف إلى توثيق التاريخ العُماني وإبراز الجوانب الإنسانية والحضارية في المجتمع العُماني، من خلال إنتاج أعمال إعلامية ووثائقية تُقدَّم برؤية معاصرة ومعايير إنتاجية حديثة. وأضاف معاليه أن الوزارة عملت خلال السنوات الماضية على إنتاج عددٍ من الأفلام والبرامج الوثائقية البارزة، من أهمها سلسلة “بيت العجائب” بأجزائها الثلاثة، وبرنامج “ولنا أثر”، إلى جانب أعمال أخرى تُعنى بحفظ التراث الثقافي والذاكرة الوطنية، وتقديمها للأجيال الجديدة وللجمهور العربي والدولي بأسلوب بصري معاصر. وأشار معاليه إلى أن الفيلم يتناول شخصية الطبيب الأمريكي الدكتور ويلز تومز، المعروف محليًّا بـ”الدختر طومس”، الذي ترك أثرًا إنسانيًّا وطبيًّا بارزًا في الذاكرة العُمانية، ويستعرض مرحلة مهمة من تطور الخدمات الصحية في سلطنة عُمان من خلال معالجة تجمع بين التوثيق التاريخي والعمق الدرامي والإنساني. وأوضح أن توثيق التاريخ الوطني يُشكّل جزءًا أساسيًّا من مسؤولية وزارة الإعلام الثقافية والإعلامية، بما يُسهم في تعزيز الوعي الوطني، وترسيخ الهوية العُمانية، وصون الذاكرة الوطنية للأجيال القادمة.

وأكد عددٌ من المختصين في الشأن الثقافي والفني في سلطنة عُمان أن ما قامت به وزارة الإعلام من توثيق سينمائي لمسيرة الطبيب طومس، في سياق بصري يعد رصيدًا معرفيًّا ومرآة تعكس الجهود المؤسسية في رصد التحولات الاجتماعية والثقافية واستعراض للأرشيفات المصوّرة، ما يمكّن الأجيال الحالية من التعرف على التجارب المهمة التي تحققت على أرض سلطنة عُمان.

وقال المخرج السينمائي العُماني محمد بن علي الكندي إنه يمكن النظر إلى فيلم “الدختر طومس” كونه نموذجًا لفكرة الوثائقي الذي لا يسرد الحكاية فقط، بل يعيد تشكيل الوعي تجاهها، مشيرًا إلى أن الفيلم الوثائقي حينما يتناول شخصية أو قضية اجتماعية، يمنحها مساحة إنسانية عميقة تتجاوز التصنيف المباشر، ليكشف تفاصيل الحياة اليومية، والهواجس، والعلاقات، والتحولات الثقافية التي قد لا تلتقطها وسائل الإعلام التقليدية. وهنا تكمن قوة الوثائقي؛ إذ يجعل المشاهد يعيش التجربة لا يسمع عنها فقط.

وأشار إلى أن الفيلم الوثائقي قادر على عكس التنوع الثقافي المجتمعي بصورة بالغة العمق، لأنه يتعامل مع الثقافة باعتبارها ممارسة حياتية لا شعارًا نظريًّا؛ فهو يوثّق العادات واللهجات، والملابس، وأنماط التفكير، وحتى تفاصيل المكان كونها عناصر حية في بناء الهوية.

وقال الدّكتور سليمان بن عمير المحذوري الباحث في الشؤون التاريخيّة إن هذه الأعمال توثق جوانب بارزة من التاريخ العُماني، بما في ذلك التاريخ الصحي الذي يحتاج إلى هذا النوع من التوثيق. وأضاف أن هذا الفيلم يسهم في حفظ إرث تاريخي عُماني خلال حقبة زمنيّة معيّنة، وهو أمر مهمّ لمختلف الأجيال للاطلاع على هذا التوثيق، خاصّة الجوانب الصحيّة التي ما زالت بحاجة إلى مزيد من التوثيق، والجوانب الإنسانية التي يقدمها الآخر، وكنموذج من نماذج التعايش بين العُمانيين ومختلف الشخصيّات الأجنبيّة التي تزور عُمان أو تقيم فيها.

من جانبه، قال المخرج السينمائي محمد بن عبدالله العجمي إن فيلم “الدختر طومس” يمثل تجربة مهمة ضمن مسار صناعة الأفلام العُمانية، خاصة في توجهه نحو تناول موضوعات مرتبطة بالذاكرة الإنسانية والاجتماعية في سلطنة عُمان، مثل هذه الأعمال تضيف بُعدًا ثقافيًّا ومعرفيًّا للسينما المحلية، لأنها لا تكتفي بالسرد الفني فقط، بل تسهم أيضًا في توثيق قصص وتجارب تحمل قيمة تاريخية وإنسانية للمجتمع.

«الدختر طومس».. شهادات تروي سيرة طبيب القلوب

كتبت – خلود الفزاري – عُمان

في أمسية ثقافية وإعلامية احتضنها مسرح وزارة الإعلام، دشّنت الوزارة مساء اليوم فيلم «الدختر طومس»، وسط حضور لافت من الإعلاميين والمثقفين والمهتمين بالشأن الثقافي والتوثيقي. ويأتي الفيلم في إطار تسليط الضوء على شخصية الطبيب المعروف بـ«الدختر طومس»، عبر توثيق رحلته في مواجهة الأوبئة التي كانت منتشرة في تلك الحقبة، وإسهاماته في تقديم الرعاية الصحية للمجتمع العُماني، وتدريب الكوادر الطبية، بما عزز من حضوره الإنساني والطبي، وانتهى إلى نيله ثقة وقلوب العُمانيين. ويأخذنا الفيلم إلى بدايات القرن العشرين، حين وصل الطفل ويلز طومس مع والده الطبيب شارون طومس وعائلته إلى ولاية مطرح، واستقروا في بيت البرندة الذي اتخذه طومس الأب مقرا له، وخصّص فيه غرفة لعلاج المرضى، وأخرى لتكون صيدلية، ليترسخ في وجدان الطفل منذ نعومة أظافره مشهد معاناة المرضى وأهمية رعايتهم.

ويبدأ الفيلم بمشهد تمثيلي للطفل ويلز طومس برفقة والده أمام بوابة مطرح؛ حيث يرى عددا من المنبوذين يتوشحون أغطية، وأمامهم أطباق فارغة يلتمسون العطف من السائرين.

ويتوجه الطفل إلى والده مستفسرا عن سبب معاناة هؤلاء الناس، فيخبره والده بأنهم يعانون من الجذام، وبفطرته الطفولية يسأل إن كان ثمة علاج لهم، إلا أن والده يجيبه بأن هذا المرض لا علاج له، لكنه قد يكون قابلا للعلاج في المستقبل، ويُتبِع ذلك بعبارة علقت في ذهن الطفل ذي الثمانية أعوام: «وربما يكون لك دور في ذلك».

ويروي الفيلم سيرة الطبيب ويلز طومس وعلاقته بعُمان؛ حيث وصل برفقة والده ضمن البعثة الإرسالية العربية الأمريكية. وقبل مجيء العائلة إلى عُمان، كانت تقيم في مملكة البحرين، وتوفيت والدته هناك بعد إصابتها بعدوى التيفوئيد.

وبعد انتقالهم إلى سلطنة عُمان عام 1909، كان للطبيب شارون طومس دور بارز في علاج المرضى، وأثناء محاولته توصيل خط الهاتف بين مركز العلاج في مطرح ومسقط، سقط والده أثناء تركيب الخط وتوفي على إثر الحادث. وعادت العائلة إلى أمريكا برفقة زوجة الأب، وعانوا هناك من العوز والأحوال الصعبة. لكن إرادة الطفل ويلز طومس لم تتوقف، وبقي مشهد الناس المجذومين يطارده، ليكمل دراسته في جامعة ميتشجن ويتخرج في قسم جراحة العيون.

تلقى بعدها عرضا للعمل جراحا، لكنه فضّل أن يتبع خطى والده، فالتحق بالإرسالية، وذهب للعمل في البحرين، ثم وصل إلى سلطنة عُمان عام 1939م.

وفي عُمان، عمل «الدختر طومس» في المستشفى مع زوجته بيث، التي تعرف عليها في الجامعة، وكانت تعمل في الإدارة مسؤولة عن التمريض ودفع الرواتب وتموين المستشفى.

وهنا بدأت علاقة الطبيب بمرضاه الذين كان يناديهم بـ«أمي وأبي وأختي وأخي وولدي وابنتي»، بحسب شهادة ابنته لويس.

ويستند الفيلم إلى شهادات العائلة والمؤرخين وعامة الناس، فضلا عن الممرض الذي كان شاهدا على عمله في المستشفى. ويتناول الفيلم واقع عُمان في ذلك الزمان؛ حيث كانت تعاني من قلة الرعاية الصحية وانعدام المستشفيات، فلم يكن هناك سوى مستشفى واحد للوكالة البريطانية، وكان يعالج أبناء الإمبراطورية البريطانية فقط. فجاءت الإرسالية لهدف ديني في البداية، إلا أن الواقع حوّل مسارها إلى الجانب الخدمي بعد أن وجدوا تمسك العُمانيين بثوابتهم ومعرفتهم الدينية بالنبي عيسى -عليه السلام- فكان الاتجاه لخدمة المجتمع وعلاج المرضى.

شهادة العائلة

قدّم الفيلم مجموعة من الصور التي التقطتها العائلة للطبيب ويلز طومس، وكانت ابنته تروي التفاصيل مع كل صورة، كما أن زوجها الدكتور ديكسون، الذي كتب سيرة الدختر طومس، يشاركها سرد التفاصيل.

فحين وصل طومس إلى سلطنة عُمان باشر العمل في المستشفى الذي كان العلاج فيه متوقفا بسبب نقص الكادر، وقام بتدريب العديد من الشباب. ويذكر الزوجان أن مرض التراخوما كان متفشيا، ويسبب انقلابا في جفن العين، وكان الذباب يُرى على عيون ووجوه الأطفال، ولم يكن في المستشفى سوى خمسين سريرا آنذاك.

وقد قام طومس، وكان الجراح الوحيد في عُمان، بإجراء عمليات جراحية لأعداد تصل إلى تسعة مرضى في الوقت نفسه، وبعد الجراحة كان يقوم بتضميد العين، ليتعافى المرضى بعد أن كان المرض يؤدي إلى العمى في كثير من الحالات. ولم يقتصر عمل طومس على علاج العيون، وإنما كان يعالج مختلف الأمراض، ويسهم في الرعاية الطبية داخل المستشفى بعد أن أعاد إحياءه.

ووصف نورمان، ابن الدختر طومس، حال عائلته التي كانت بصحبته في عُمان والأجواء التي عاشوها؛ حيث كان يختلط بالناس في جلساتهم المسائية، ويتناول التمر والقهوة، وكان يحب النسيج العُماني المتجانس وعاداتهم، كما تعلم اللغة العربية وأتقنها بطلاقة. ووصف الحياة بأنها كانت عائلية ودافئة، وكانوا يزورون البيوت العُمانية، ويلعبون مع أبناء العاملين في المستشفى.

ويروي زوج ابنته ثقة السلطان سعيد بن تيمور بالطبيب طومس؛ حيث صحبه في رحلة إلى محافظة ظفار لمدة شهر، وهناك تعرضوا لهجوم البعوض. ويذكر أن الدختر طومس ذهب ليعاين أشجار جوز الهند، ووجد خمسة آبار، وألقى نظرة على البئر الأول ووجد أن البعوض يخرج منه، ولاحظ أن البئر الخامس لا يخرج منه البعوض بسبب وجود الأسماك الصغيرة، فنصح بتوزيع الأسماك على بقية الآبار، مما حدّ من أعداد البعوض، كما قام بعلاج العديد من المرضى أثناء رحلته تلك. ثم حكت ابنته رحلتها مع والدها إلى نزوى، حين ذهب لعلاج الإمام محمد بن عبدالله الخليلي حين أصابه النزول الأبيض؛ حيث أُقيمت له غرفة في قلعة نزوى تم تعقيمها، وتم تحويل أحد الأبواب إلى طاولة وتم تركيب القوائم، وتتذكر أنها كانت تحمل المصباح لمساعدة والدها أثناء إجرائه للعملية، وبعدها عاد إلى مطرح.

ومع كل هذه الأحداث لم ينسَ الطبيب مشهد المجذومين في طفولته، وفي إحدى المرات جلس مع تاجر هندي يخبره عن قطعة أرض محاذية للمستشفى وعن رغبته في استغلالها لعلاج الأمراض المعدية كالسل والجذام وغيرها، فقال له التاجر: إنه مستعد لتمويل ثلاثة أجنحة: أحدها جناح السل، والثاني للجذام، والثالث للأمراض المعدية، وطلب منه التماس الأرض من السلطان وإبلاغه بوجود التمويل. ووافق السلطان سعيد بن تيمور على منح الأرض لعلاج الأوبئة، وتحقق حلم الطفل ويلز بعلاج هؤلاء المصابين. ونجح المستشفى في توظيف ثمانين موظفا، وكان الناس يصطفون بأعداد كبيرة بعد أن رأوا نجاحه في علاج الأمراض، وأطلقوا على المستشفى شعبيا اسم «مستشفى طومس» تكريما له.

قراءات الأكاديميين

ويحكي الباحثون معاناة عُمان مطلع القرن العشرين من الأمراض والأوبئة مع عبور السفن إلى موانئها، مما أدى إلى انتقال أمراض الجدري والكوليرا والطاعون والتيفوئيد والجذام والملاريا والزحار، فضلا عن أمراض أخرى. ومع الأوضاع الصحية الصعبة، وقلة الموارد، وضعف البنية الطبية، كانت مواجهة الأمراض تلحق الضرر بالناس، فكانوا يلجأون إلى الطب الشعبي والعلاج بالكي لمواجهة خطر هذه الأمراض. وشرح الباحثون قدوم البعثة الإرسالية ووجود الطبيب طومس الأب برفقة عائلته، ثم عودة الابن لمواصلة مسيرة والده، وقد أكد التوثيق رواية الأبناء بشهادة التاريخ والواقع المروي في عُمان.

وبذل الدختر طومس، بحسب روايات المؤرخين، جهودا كبيرة في تدريب الكوادر العُمانية وتأهيلهم على التمريض والعمل الصحي، كما حصل العديد من الشباب العُمانيين على دورات تدريبية في التعامل مع المرضى وعلاجهم.

وبعدها أصبح المستشفى مقرونا بهذا الطبيب، وأصبح يُعرف بين الناس باسم «مستشفى طومس». وأكد المؤرخون أن المستشفى لم يقتصر عمله على علاج الناس المحليين، وإنما امتدت خدماته لعلاج المرضى من دول الخليج، وكان المرضى يتوافدون عليه من إيران وباكستان. ولم يميز المستشفى بين فقير أو غني، وكان متاحا لكل فئات المجتمع.

أما الطبيب ويلز طومس فهو شخص ودود قريب من الناس، وكان يزور الأسواق ليتفقد وضع الناس وأحوالهم الصحية. ويقول خلفان بن عزيز الأخزمي، الممرض الذي عمل مع الدختر طومس، إنه لم يرفع صوته يوما مهما كان الضغط عليه، وإن تجاوز أحد حدوده من أهل المرضى -وهذا قد يحصل- كان يكتفي بقول: «أخوي» دون أي كلمة إضافية، وقد عُرف بأخلاقه العالية وحسن تعامله مع المرضى.

وزار الطبيب طومس الداخل العُماني في رحلات علاجية إلى نزوى والرستاق وصور والبريمي وغيرها، كما أن علاقته بالسلطان سعيد بن تيمور منذ الطفولة وسّعت نطاق الخدمة. وتم التطرق إلى المبادرات التي أشرف عليها لدعم التبرعات وتوسعة المستشفى وتوفير الأدوية والأدوات الطبية والأسرة والأغطية، فضلا عن المطابخ والبئر المزود بالمضخة الهوائية. ومع تبرع أشخاص من أمريكا بالمولد الكهربائي وجهاز الأشعة، حيث لم تكن أي تقنية للعلاج متوفرة حينها، حضر السلطان سعيد بن تيمور لتدشين الآلة، وللذكرى تم التقاط صورة مصافحة السلطان للدختر طومس بالأشعة السينية لتخليد الذكرى التاريخية، وتشير الإحصاءات إلى أن المستشفى كان يعالج أكثر من تسعين ألف مريض سنويا. وجاءت النهضة المباركة بقيادة السلطان قابوس -طيب الله ثراه- لتنهي فصلا من صعوبة العلاج، بتوفير المستشفيات في جميع ربوع عُمان. وتشير ابنته لويس إلى أن والدها تقاعد مع بزوغ النهضة المباركة من الخدمة المتواصلة، ولم يكن بصحة جيدة في سنواته الأخيرة، وبعد عودته إلى الولايات المتحدة تم تشخيصه بالسرطان وتوفي بعد سنة ونصف من وصوله، ولحبه وتعلقه بعُمان طلب قبل وفاته أن يُدفن جزء من رفاته فيها.

أدوات التوثيق

تم تصوير الفيلم في الولايات المتحدة الأمريكية وفي سلطنة عُمان، معتمدا على منهج توثيقي تنوّعت فيه المصادر بين الشهادات الحيّة، والمواد الأرشيفية، والصور واللقطات المرئية، إضافة إلى التسجيلات الصوتية والدراسات الأكاديمية. واعتمد البناء السردي في الفيلم على شهادات العائلة، ثم انتقل إلى آراء الأكاديميين والباحثين الذين قدّموا قراءة تحليلية وسياقية للفترة التاريخية، وتوجّه أخيرا إلى آراء الجمهور من الشارع، مع إدراج شهادة لأشخاص عايشوا تلك المرحلة، ومنهم الممرض خلفان بن عزيز الأخزمي الذي عاصر الطبيب. واستند الفيلم إلى مصادر مكتوبة موثقة في مجلة الإرسالية العربية (العدد: السبعون، 1909)، التي تضمنت يوميات الدكتور شارون طومس، حيث وثّقت افتتاح المستوصف والصيدلية في مطرح في بيته، وحجم العمل الطبي اليومي، ووصفت علاقته بالمجتمع المحلي واعتباره لمطرح دارا له، وتقييمه الإيجابي للبيئة الطبية من حيث ثقة المرضى واستجابتهم للعلاج.

كما تتبّع الفيلم الأماكن التي ارتبطت بحياة الدختر طومس، مثل بيت والده وبيته والمستشفى الذي عمل فيه والجامعة التي درس فيها، مع عرض صور ومقاطع حديثة وأرشيفية لتلك المواقع. وشمل التوثيق أماكن أخرى وردت في سير الأحداث، مثل سوق مطرح وقلعة نزوى ورحلة محافظة ظفار، مع عرض صور ولقطات توثّق تلك الأماكن في الماضي أو الحاضر.

واستخدم الفيلم مواد أرشيفية بصرية وصوتية توثّق الحياة في تلك المرحلة، وصورا لعائلة الطبيب وطفولته، وصورة تجمعه بالسلطان سعيد بن تيمور، وأخرى يظهر فيها أبناؤه مع السلطان قابوس بن سعيد، إضافة إلى مقطع أرشيفي يظهر فيه الطبيب نفسه بصوته وهو يروي تفاصيل قدومه إلى عُمان عام 1939 برفقة زوجته وأبنائه الأربعة، ووصفه لطبيعة البلاد الجغرافية وتجربته الأولى عند الوصول، بالإضافة إلى تسجيلات صوتية يصف فيها العادات الاجتماعية المرتبطة بالضيافة والقهوة، ويذكر فيها تجربته مع الطقوس اليومية، وشهادته حول الواقع الصحي في عُمان؛ حيث تحدث عن انتشار الملاريا والزحار والسل والجذام وحجم التحديات الطبية التي واجهها، إلى جانب إشارته إلى الجهود المبذولة في علاج الجذام على مدى سنوات طويلة، وعدد الحالات التي تم التعامل معها وتحسّن بعضها بعد العلاج، وتضمن الفيلم أيضا مقطعا مرئيا يظهر فيه الدختر طومس وهو يسير إلى جانب السلطان قابوس بن سعيد في شبابه.

اعتمد الفيلم على الدمج بين الصورة الأرشيفية والمواد المعاصرة، إضافة إلى استخدام مقاطع تمثيلية قصيرة جدا دعما للسرد، وظل الطابع التوثيقي هو الغالب على البناء العام للعمل.

طاقم العمل

شارك في العمل ديفيد ديكسون، بروفيسور في جامعة غرب ميتشجن، وزوج ابنة الدكتور طومس ومؤلف سيرته، ولويس طومس ديكسون، ابنة الدكتور طومس، ونورمان طومس، ابن الدكتور طومس، وخلفان بن عزيز الأخزمي، ممرض سابق في مستشفى الرحمة، إلى جانب كل من الباحثين: الدكتور سليمان الحسيني، مدير مركز الخليل بن أحمد الفراهيدي للدراسات العربية والإنسانية بجامعة نزوى، والدكتور سليم الهنائي، أستاذ مساعد بجامعة نزوى ومدير تحرير مجلة الخليل للعلوم، والدكتور علي بن محمد سلطان، باحث في تاريخ مطرح، والدكتورة أمل الخنصوري، باحثة في التاريخ العُماني، وجاستن مايرز، المدير التنفيذي لمركز الأمانة، ومحمد الشعيلي، المدير العام المساعد لمركز الأمانة.

والفيلم من إنتاج وزارة الإعلام وإخراج أحمد شلبي.

وزارةُ الإعلام تحتفي بإطلاق الفيلم الوثائقي “الدختر طومس”

العُمانية/ احتفت وزارة الإعلام بإطلاق الفيلم الوثائقي “الدختر طومس” من خلال عرض أُقيم على مسرح الوزارة وسط حضور ثقافي وفني وإعلامي وعدد من صنّاع المحتوى الثقافي في سلطنة عُمان.

وأكد معالي الدكتور عبدالله بن ناصر الحراصي وزير الإعلام في تصريح صحفي أن الفيلم الوثائقي “الدختر طومس” يأتي ضمن برنامج وزارة الإعلام الهادف إلى توثيق التاريخ العُماني وإبراز الجوانب الإنسانية والحضارية في المجتمع العُماني، من خلال إنتاج أعمال إعلامية ووثائقية تُقدَّم برؤية معاصرة ومعايير إنتاجية حديثة.

وأضاف معاليه: عملت الوزارة خلال السنوات الماضية على إنتاج عددٍ من الأفلام والبرامج الوثائقية البارزة، من أهمها سلسلة “بيت العجائب” بأجزائها الثلاثة، وبرنامج “ولنا أثر”، إلى جانب أعمال أخرى تُعنى بحفظ التراث الثقافي والذاكرة الوطنية، وتقديمها للأجيال الجديدة وللجمهور العربي والدولي بأسلوب بصري معاصر.

وأشار معاليه إلى أن الفيلم يتناول شخصية الطبيب الأمريكي الدكتور ويلز تومز، المعروف محليًّا بـ “الدختر طومس”، الذي ترك أثرًا إنسانيًّا وطبيًّا بارزًا في الذاكرة العُمانية، ويستعرض مرحلة مهمة من تطور الخدمات الصحية في سلطنة عُمان من خلال معالجة تجمع بين التوثيق التاريخي والعمق الدرامي والإنساني.

وأوضح أن توثيق التاريخ الوطني يُشكّل جزءًا أساسيًّا من مسؤولية وزارة الإعلام الثقافية والإعلامية، بما يُسهم في تعزيز الوعي الوطني، وترسيخ الهوية العُمانية، وصون الذاكرة الوطنية للأجيال القادمة.

وأكد عددٌ من المختصين في الشأن الثقافي والفني في سلطنة عُمان أن ما قامت به وزارة الإعلام من توثيق سينمائي لمسيرة الطبيب طومس، في سياق بصري يعد رصيدًا معرفيًّا ومرآة تعكس الجهود المؤسسية في رصد التحولات الاجتماعية والثقافية واستعراض للأرشيفات المصوّرة، ما يمكّن الأجيال الحالية من التعرف على التجارب المهمة التي تحققت على أرض سلطنة عُمان.

وقال المخرج السينمائي العُماني محمد بن علي الكندي: يمكن النظر إلى فيلم “الدختر طومس” كونه نموذجًا لفكرة الوثائقي الذي لا يسرد الحكاية فقط، بل يعيد تشكيل الوعي تجاهها.

فالفيلم الوثائقي حينما يتناول شخصية أو قضية اجتماعية، يمنحها مساحة إنسانية عميقة تتجاوز التصنيف المباشر، ليكشف تفاصيل الحياة اليومية، والهواجس، والعلاقات، والتحولات الثقافية التي قد لا تلتقطها وسائل الإعلام التقليدية. وهنا تكمن قوة الوثائقي؛ إذ يجعل المشاهد يعيش التجربة لا يسمع عنها فقط.

وأشار إلى أن الفيلم الوثائقي قادر على عكس التنوع الثقافي المجتمعي بصورة بالغة العمق، لأنه يتعامل مع الثقافة باعتبارها ممارسة حياتية لا شعارًا نظريًّا. فهو يوثّق العادات واللهجات، والملابس، وأنماط التفكير، وحتى تفاصيل المكان كونها عناصر حية في بناء الهوية.

ومن خلال هذه العناصر تتشكل رؤية الفيلم وأهدافه؛ إذ يصبح الوثائقي مساحة لحفظ الخصوصية الثقافية، وفي الوقت ذاته نافذة للحوار مع الثقافات الأخرى. ولذلك نجد أن بعض الأفلام الوثائقية تتحول إلى جسر إنساني يربط بين المجتمعات، لأنها تتيح للآخر أن يرى الإنسان المختلف عنه في ظروفه وأحلامه ومخاوفه المشتركة.

وأكد أن دور الأفلام الوثائقية في حفظ الذاكرة المجتمعية أصبح أكثر أهمية من أي وقت مضى، خاصة في ظل التحولات السريعة التي يشهدها العالم. فهو يشبه أرشيفًا بصريًّا حيًّا، لكنه لا يحفظ الوقائع فقط، بل يحفظ المشاعر أيضًا؛ أي الطريقة التي عاش بها الناس تلك اللحظات، كما تسهم الأفلام الوثائقية في تعزيز التواصل الثقافي والتاريخي بين الأجيال المختلفة، لأنها تنقل الخبرة الإنسانية من جيل إلى آخر عبر لغة الصورة. فالأجيال الجديدة قد لا تعيش الأحداث الكبرى التي مرّت بها المجتمعات، لكنها تستطيع عبر الوثائقي أن تقترب من تفاصيلها النفسية والاجتماعية، وأن تفهم أثرها في تشكيل الهوية الجماعية.

وأشار إلى أهمية قيام وزارة الإعلام على إنتاج فيلم وثائقي درامي عن “الدختر طومس” في كونه مشروعًا يتجاوز البعد الفني أو التوثيقي التقليدي، ليصبح فعلًا ثقافيًّا ووطنيًّا وإنسانيًّا يعيد قراءة جزء مهم من الذاكرة العُمانية الحديثة.

فهذا النوع من الأعمال لا يقدّم شخصية تاريخية فحسب، بل يوثّق مرحلة اجتماعية وصحية عاشها المجتمع العُماني في زمن التحولات الكبرى قبل النهضة الحديثة وبعدها. ومن خلال شخصية “الدختر طومس”” يمكن استحضار صورة الإنسان العُماني، وطبيعة الحياة اليومية، والتحديات الصحية، والعلاقات الإنسانية التي تشكلت في تلك المرحلة.

كما أن اختيار الفيلم الوثائقي الدرامي تحديدًا يحمل أهمية خاصة؛ لأنه يجمع بين قوة الوثيقة التاريخية وعمق المعالجة الدرامية. فالوثائقي يمنح العمل مصداقيته التاريخية عبر الشهادات والأرشيف والحقائق، بينما تمنح الدراما القدرة على إعادة إحياء المشاعر والتفاصيل الإنسانية التي قد لا تنقلها المادة التوثيقية وحدها. وهذا المزج يساعد على إيجاد تفاعل وجداني لدى المشاهد، خصوصًا الأجيال الجديدة التي لم تعاصر تلك الحقبة.

وبيّن أنه من الناحية الثقافية، يسهم الفيلم في حفظ الذاكرة المجتمعية من النسيان، لأن الشخصيات الإنسانية المؤثرة كثيرًا ما تبقى في الرواية الشفوية أكثر من حضورها في التوثيق البصري. وهنا يتحول الفيلم إلى “أرشيف بصري حي” يحفظ الحكايات والتجارب والعلاقات الاجتماعية للأجيال القادمة. أما اجتماعيًا، فإن العمل يبرز جانبًا مهمًا من القيم العُمانية، مثل الوفاء، والتسامح، والاعتراف بمن خدم المجتمع بإخلاص مهما كانت خلفيته الثقافية أو الوطنية.

ولذلك فإن استعادة سيرة “الدختر طومس” تعكس أيضًا صورة المجتمع العُماني المنفتح إنسانيًّا والقادر على بناء علاقات قائمة على الاحترام والتقدير المتبادل. كما يحمل الفيلم دلالات رمزية عميقة؛ إذ إن شخصية الطبيب هنا لا تمثل فردًا فقط، بل ترمز إلى فكرة “الإنسان المنقذ” أو “الضمير الإنساني” داخل مجتمع كان يواجه تحديات صحية واجتماعية معقدة. كما أن المكان العُماني نفسه داخل الفيلم يتحول إلى عنصر دلالي يوثق البيئة والذاكرة والتحولات الثقافية.

وأضاف: إن إنتاج هذا العمل من قبل من وزارة الإعلام يمنح الوثائقي قيمة وطنية، لأنه يؤكد اهتمام المؤسسات الثقافية في سلطنة عُمان بتوثيق التاريخ الاجتماعي والإنساني، لا الاكتفاء بالتاريخ السياسي أو الرسمي فقط.

وهذا تطور مهم في الوعي الثقافي البصري؛ لأن الأمم لا تُبنى بذاكرة السلطة وحدها، بل أيضًا بذاكرة الناس البسطاء والتجارب الإنسانية التي صنعت وجدان المجتمع.

وقال الدّكتور سليمان بن عمير المحذوري باحثٌ في الشؤون التاريخيّة: إن هذه الأعمال توثق جوانب بارزة من التاريخ العُماني، بما في ذلك التاريخ الصحي الذي يحتاج إلى هذا النوع من التوثيق كونه يروي قصة طبيب وهو الدكتور طومس، الذي قدم خدمات صحيّة وإنسانيّة في عُمان خاصة خلال النصف الأول من القرن العشرين، وهي فترة مهمّة تُعدّ من بدايات تأسيس الخدمات الصحيّة في سلطنة عُمان.

وأضاف أن هذا الفيلم يسهم في حفظ إرث تاريخي عُماني خلال حقبة زمنيّة معيّنة، وهو أمر مهمّ لمختلف الأجيال للاطلاع على هذا التوثيق، خاصّة الجوانب الصحيّة التي ما زالت بحاجة إلى مزيد من التوثيق، والجوانب الإنسانية التي يقدمها الآخر، وكنموذج من نماذج التعايش بين العُمانيين ومختلف الشخصيّات الأجنبيّة التي تزور عُمان أو تقيم فيها.

من جانبه قال المخرج السينمائي محمد بن عبدالله العجمي: “أرى أن فيلم (الدختر طومس) يمثل تجربة مهمة ضمن مسار صناعة الأفلام العُمانية، خاصة في توجهه نحو تناول موضوعات مرتبطة بالذاكرة الإنسانية والاجتماعية في سلطنة عُمان، مثل هذه الأعمال تضيف بُعدًا ثقافيًّا ومعرفيًّا للسينما المحلية، لأنها لا تكتفي بالسرد الفني فقط، بل تسهم أيضًا في توثيق قصص وتجارب تحمل قيمة تاريخية وإنسانية للمجتمع”.

وأضاف: تناول الفيلم مرحلة مرتبطة بتطور الرعاية الصحية والاجتماعية يمنح العمل أهمية خاصة، باعتباره جزءًا من توثيق التحولات التي شهدتها سلطنة عُمان عبر مراحل مختلفة، وهذا النوع من الأفلام يعزز حضور السينما كوسيلة لحفظ الذاكرة ونقل الهوية والثقافة للأجيال القادمة بلغة بصرية مؤثرة وقريبة من الجمهور.

ويرى أنه يمكن استثمار القيمة الثقافية التي يقدمها العمل من خلال حضوره في المهرجانات والفعاليات الثقافية والمؤسسات التعليمية، ليكون مرجعًا بصريًّا مهمًّا، وكذلك مصدر إلهام لصناع الأفلام الشباب لتقديم أعمال تستند إلى القصص العُمانية والموضوعات المحلية بروح سينمائية معاصرة قادرة على الوصول محليًّا ودوليًّا، خصوصًا أن الجمهور اليوم أصبح أكثر اهتمامًا بالأعمال التي تحمل هوية حقيقية وقصصًا نابعة من المجتمع نفسه، وهذا ما يمنح الفيلم قيمة إضافية، كونه يقدم تجربة تستند إلى الذاكرة العُمانية وتعيد تقديمها ضمن قالب بصري حديث يواكب تطور الصناعة السينمائية.

وبيّن أن مثل هذه التجارب تفتح المجال أمام إنتاج المزيد من الأعمال التي تتناول الشخصيات البارزة والقصص العُمانية الملهمة، وتمنح صناع الأفلام الشباب الثقة في أن المحتوى المحلي قادر على المنافسة والوصول متى ما تم تقديمه بجودة ورؤية فنية واضحة.

[thumb_vote align="right"]

أترك تعليقاتك هنا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *