
مشهد ١
رفع الامام الحسين عليه السلام طفله الرضيع عاليا في أرض كربلاء يوم العاشر من محرم ، وقد أحاط به الجيش الجرار من الأعداء ، طالبا له قليلا من الماء حتى لايموت من العطش بعد أن منع عنهم الجيش الماء لأيام .
كان القرار الباتر : “لاتبقوا لأهل هذا البيت من باقية ” ..وسرعان ماأتى الطفل الرضيع سهم حرملة المسموم في عنقه، فقتله من الوريد إلى الوريد.
مشهد٢
عندما وصلت بنات رسول الله( ص) سبايا الى باب الساعات، تمهيدا لإدخالهن إلى القصر في دمشق ، وهن مقيدات بالسلال والحبال ، “وَسُبِيَ أهْلُكَ كَالعَبِيدِ، وَصُفِّدُوا فِي الحَدِيْدِ، فَوقَ أقْتَابِ المطِيَّاتِ، تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ حَرُّ الهَاجِرَات” ، يتقدمهن رؤوس شهداء آل بيت رسول الله على الرماح ، وأمامهم رأس الامام الحسين عليه السلام على رمح طويل.
أطل الدعي بن ميسون النصرانية من شرفة قصره فرحا مسرورا شامخا مرددا :
لعبت هاشم بالملك فلا…
خبر جاء ولاوحي نزل .
حقيقة :
مشهدان يلخصان حقيقة كان يعمل عليها ابن ميسون المنافق ، وهي أن في إبادة آل البيت قضاء على الاسلام . آمن بأن هؤلاء من صنعوا مايدعى بالاسلام ، فالقضاء عليهم قضاء على ماادعوه من دين واسلام ورسالة سماوية وقرآن !!
السبب:
كيف لايشك بالاسلام والقرآن ، وكيف لايأمر بقتل الآل، وقد تربى على يدي سرجون الرومي في دمشق ، ورضع رفض وبغض الاسلام من الروم ، فكان الوكيل المخلص كما كان والداه وأجداده .
قاد الوكيل حربا لاهوادة فيها لإبادة الآل من فوق عرشه في دمشق ، فقد كان سرجون مربيه ومستشاره الخاص ، كما كان مستشار والده من قبل ، كان يقول له انها مهمة بدأها جده ووالده وعليه أن يكملها ، لقد كان الأصيل مردة النصارى واليهود ، ومحرفي كتب ورسالات السماء ، واندمج هو في الأصيل بحكم تربيته ونشأته على أيديهم ، وقد مات والده على غير ملة الاسلام كما ورد في الحديث النبوي الشريف.
كانت عداوة متأصلة لرسول الله( ص) ودينه الحنيف ، ورغبة مبيتة تنتظر الظرف المواتي لإبادة أهل بيت النبي وعميدهم الحسين سيد شباب أهل الجنة ، أحد الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ، أحد العترة الطاهرة الباقية ، أحد من شمله معنى الثقل الأصغر الذي بحفظه يحفظ الثقل الأكبر وهو القرآن الكريم ، فقد قال أبو سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وآله: ” إنِّي قد تركتُ فيكم ما إنْ أخذتم به، لن تضلُّوا بعدي: الثَّقلَينِ – أحدهما أكبرُ مِن الآخَر – كتاب الله، حبْلٌ ممدود من السَّماء إلى الأرض، وعِترتي أهل بيتي، ألَا وإنهما لن يَفترِقَا حتى يرِدَا عليَّ الحوضَ .”
قوى الشر تتحد:
هل نستغرب عندما ينقل المؤرخون أن كل قوى الأرض الشريرة اتحدت وشاركت في سفك دم الامام الحسين في كربلاء ، بدءا بجيوش النفاق الاعرابي مرورا بجيوش حاخامات التلمود ، إنتهاء بجيوش من حرفوا الانجيل ، لقد تجمعوا كلهم في أرض كربلاء.
أين الأمة :
كانت كربلاء حربا بين جبهة الاسلام وجبهة النفاق ، وكانت الأمة غافلة ، سادرة في سباتها ، لاتدري مايراد بها ، كانت ترى هذا الصراع صراع ملوك على الكراسي ، صراعا بين البيت الهاشمي والبيت الأموي على الحكم !
نست الأمة بذاكرتها السمكية القصيرة كم من محاولات اغتيال تعرض لها الرسول على يد أعداء الدين من اليهود والمجرمين منذ كان طفلا ، نست كم من حرب شنت على الاسلام من الكفار واليهود والمنافقين ، نست كم من فتنة مرت على المسلمين وكان وراءها أياد داخلية وخارجية خبيثة .
نست الأمة حديث النبي الشريف عن الثقلين وتلازمهما ، الذي روي بكثرة على لسان الصحابة والتابعين ، وبعبارات متشابهة .
نست الأمة أن أهل البيت هم السور الواقي للقرآن الكريم والاسلام ، نست ماكان ابن ميسون النصرانية يفهمه بأن في فناء أهل البيت فناء للاسلام .
دين محمد ( ص):
قال الامام الحسين قبل مصرعه بلحظات :” ان كان دين محمد لم يستقم الا بقتلي فيا سيوف خذوني .”
قالها الحسين عليه السلام قبل أن يمضي شهيدا مسلوبا عريانا عطشانا غريبا ، قالها عميد الثقل الأصغر قبل أن ترفع رأسه على رمح طويل وتقطع أوصاله ويسلب ثيابه ، قالها قبل أن تدوسه الخيول الأعوجية بنعالها الحديد وتقطعه إربا إربا ، قالها قبل أن يلقى على وجه الرمضاء ثلاثة أيام بدون دفن .
قالها وهو يدري ماسيجري على حريمه من سبى وضرب وأسر وسلب ونهب وتعذيب ، وهتك ستر ، وترحيل من بلد الى بلد على مطايا عجفاء إمعانا للشماتة وكسر روح الصمود وامعانا في الاذلال.
لقد ضحى الثقل الأصغر بنفسه الى آخر قطرة دم منه، ومن دم رجاله وأطفاله ونسائه للحفاظ على الثقل الأكبر .
ولولا طوفان الدم الطاهر للامام الحسين وذريته وأصحابه ، وانتصاره على السيف ؛ لضاع الاسلام واندرست آثاره ، فالاسلام محمدي الوجود حسيني البقاء ، فقد قال النبي صلى الله عليه وآله ، ورواه صحيح مسلم : “حسين مني وأنا من حسين”
زينب جبل الصمود والتبيين:
مع مقتل الامام الحسين بدأت رحلة سبي زينب وبنات الرسالة ، لكن زينب مع كل العذاب والاهانة والأسر والتدمير الجسدي والنفسي أكملت رحلة الصمود والتصدي التي بدأها الحسين : فتصدت لإبن ميسون النصرانية دون وجل أو خوف وهو جالس على عرشه يتفرج على اذلالها وبنات الرسالة ، شامتا فيها ، وألقت في وجهه هذه الحقيقة :” …فكِدْ كيدَك، واسْعَ سعيَك، وناصِبْ جهدك، فوَاللهِ لا تمحو ذِكْرَنا، ولا تُميت وحيَنا، ولا تُدرِكُ أمَدَنا، ولا تَرحضُ عنك عارها ( أي لا تغسله )، وهل رأيُك إلاّ فَنَد، وأيّامك إلاّ عَدَد، وجمعك إلاّ بَدَد!! يوم ينادي المنادي: ألاَ لَعنةُ اللهِ علَى الظالمين ! فالحمد لله الذي ختم لأوّلنا بالسعادة ولآخرنا بالشهادة والرحمة …”
لقد بدأت زينب رحلة التبيين والتوعية ، رحلة البكاء ، ونشر سرادق العزاء بطول بلاد الاسلام وعرضها ، لإيقاظ الأمة من غفلتها وسباتها، وذاكرتها السمكية ، وتصويب بوصلتها للحفاظ على بيضة الاسلام والقرآن.
دموعنا :
يأتي إحياء الذكرى بالدموع كل عام لتكملة رحلة تبيين زينب، رحلة ايقاظ الوعي ، رحلة رفض الغفلة ، رحلة تكريس تلازم القرآن مع أهل البيت الطاهرين ، كما صرح النبي مرارا وتكرارا . فالدموع تحفظ تضحية الحسين العظيمة في سبيل بقاء وحفظ الاسلام المحمدي الأصيل، وقيم النبي محمد (ص) والقرآن ، كما أنزلت عليه بلا زيادة أو نقصان ، بلا نقص أو تشوه .
كربلاء:
“كل أرض كربلاء ، وكل يوم عاشوراء .”
قال الامام الحسين عليه السلام لا لبيعة ابن ميسون الفاسد الفاسق المجاهر بالمعاصي قاتل النفس المحترمة ، قال لا وعرف ماذا ستكون النتيجة ، عرف عظم التضحية التي سيقدمها ، فمضى شهيدا غريبا في كربلاء مناديا : ” ألا من ناصر ينصرنا ، ألا من ذاب يذب عن حرم رسول الله “
عرف ببصيرته أن في كربلاء سينتصر الاسلام بكل قيمه من الحق والخير والعدل والحرية والعزة والصلاح والاصلاح ، في كربلاء ستنتصر السماء برسالتها السامية على شياطين الأرض ومجرميها.
الحسين الثمن والجزاء ١
كان الثمن كبيرا وفادحا وموجعا جدا في سبيل الله ورسالة الاسلام ، فقد قال الامام الرضا عليه السلام “… إن يوم الحسين أقرح جفوننا، وأسبل دموعنا، وأذل عزيزنا بأرض كرب وبلاء، أورثتنا الكرب والبلاء إلى يوم الانقضاء، فعلى مثل الحسين فليبك الباكون ….”
فأبى الله تعالى الا أن يعز الحسين ويخلده ، ويخلد مصيبته ، يخلد آلامه وتضحياته ، يخلد دمه ، ليكون رمزا لانتصار الدم على السيف ، ورمزا للانتصار على كل مجرم وظالم ، ورمزا للاباء والصمود ، ورمزا لكل حر ومناضل، لقد خلدت كربلاء.
الحسين الثمن والجزاء ٢
بارك الله تعالى في ذريته، فكان أبا للأئمة من بعده ، الذرية الطاهرة التي سعى آل حرب لإبادتها ، فأين آل البيت الآن ، وأين آل حرب ؟
لقد بقي الثقل الأصغر ملازما للثقل الأكبر كما أراد الله تعالى ، وبقي المهدي المخلص ينتظر العالم ظهوره ، بقية نسل الآل المبارك ، بقية الله ووارث الانبياء والمرسلين ؛ ليحقق النصر والفتح المبين لدينه ، لتمتلئ الارض كلها قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا ، وليسطع عليها كلها من أقصاها الى أقصاها نور الاسلام والقرآن.



