دراسة “هارفارد” الطويلة الأمد عن النمو البشري (1 – 8)

أ. د. حيدر بن أحمد اللواتي – الرؤية

(1)

البحث عن السعادة والرضا في الحياة، من الأمور التي سعى الإنسان لها منذ القِدم، وقدَّمت الفلسفات والأديان المختلفة وجهات نظرها حول سِر سعادة الإنسان وشعوره بالرضا، ومع التوجه نحو المعرفة العلمية سعت الدراسات العلمية سعيًا حثيثًا للكشف عن سر سعادة الإنسان وشعوره بالرضا، لكن المنهج العلمي يختلف تمامًا عن منهجيْ الفلسفة والأديان؛ فالعلم قائم على التجربة والملاحظة، بينما تقوم الفلسفات المختلفة على التأملات والتجارب الشخصية، وتقوم الأديان على مصادر غيبية عُليا في الأعم الأغلب.

ومن هنا انطلقت فكرة أبحاث الحياة، التي تركز على فهم رحلة الإنسان كاملة، من لحظة الولادة حتى الشيخوخة، وتسعى هذه الأبحاث لمعرفة كيف ينمو الإنسان ويتغير جسديًا وعقليًا وعاطفيًا واجتماعيًا مع مرور الزمن، وكيف يؤثر كل هذا على شعوره بالسعادة والرضا.

واحدة من أشهر هذه الدراسات هي دراسة جامعة هارفارد حول دورة الحياة، التي بدأت عام 1938، والمعروفة أيضًا بـ”دراسة هارفارد الطويلة الأمد عن النمو البشري”، وقد بدأت مع 724 شابًا أمريكيًا، تراوحت خلفياتهم بين طلاب جامعة هارفارد وأفراد من أحياء فقيرة في بوسطن بالولايات المتحدة؛ بهدف تتبُّع تغيّر صحتهم النفسية والجسدية، وظروفهم الاجتماعية والاقتصادية، وتأثير كل ذلك على جودة حياتهم.

كانت العينة في البداية تقتصر على الذكور؛ لأن التركيز آنذاك كان على فهم صحة الرجال الشباب في فترة ما بعد “الكساد الكبير” وقبل الحرب العالمية الثانية، وتم اختيار المشاركين بعناية ليشملوا طيفًا واسعًا من الطبقات الاجتماعية، من النخبة الأكاديمية إلى الطبقات العاملة.

ومع مرور السنوات، توسعت الدراسة لتشمل زوجات المشاركين وأبناءهم؛ مما منح الباحثين نافذة أعمق وأكثر تعقيدًا على دورة الحياة عبر أجيال متعاقبة.

خلال هذه الرحلة البحثية الطويلة، جمع الباحثون بيانات غنية شملت مقابلات مُنتظَمة، وفحوصات طبية، واختبارات نفسية، ومسحًا للحالة الاجتماعية والاقتصادية، ولم يغفلوا حتى الأحداث الكبرى في حياة المشاركين مثل الزواج، والطلاق، والوظائف، والأمراض، إلى جانب العادات اليومية كالتدخين والتمارين الرياضية.

تميَّزت الدراسة بمنهجيتها الطويلة الأمد التي تتابع التغيرات الفردية عبر الزمن؛ فهي ما زالت مستمرة؛ مما يمنحها قدرة فريدة على كشف كيف تؤثر ظروف الحياة المختلفة في مسار الإنسان، وبذلك فهي أكثر موضوعية وأكثر مصداقية من الدراسات التي يتم الكشف عنها بين حين وآخر والتي لا تمتد إلّا لبضع سنوات، أو تلك التي تصدر سنويًا والتي تشير إلى الدول الأكثر سعادة.

لكن وعلى الرغم من القيمة الكبيرة لهذه الدراسة ونتائجها العميقة؛ حيث إنها صدرت من أرقى الجامعات العالمية وتُعد من أكثر الدراسات واقعية، وبذل فيها الباحثون -وما زالوا- عقودًا من الزمن، إلّا أنها لم تَحظ بالاهتمام الذي تستحقه، حتى إن الكثيرين منَّا لم يسمعوا بها قبل أن يتحدث عنها الباحث الرئيسي في إحدى محاضرات TED المشهورة؛ حيث أشار فيها إلى أهم النتائج التي توصّل إليها البحث.

لا نعرف سبب التغاضي وإهمال هذه الدراسة بهذا الشكل الملحوظ، إلّا أن الباحث الرئيسي السابق جورج إي فايلانت George E. Vaillant يقول في كتابه “نجاحات الخبرة.. رجال الدراسة الممولة من هارفارد Triumphs of Experience: The Men of the Harvard Grant Study ما معناه: “من الصعب إقناع عقول وول ستريت في القرن الواحد والعشرين بأن الحب هو كل ما تحتاج إليه”؛ فمثل هذه الحقيقة لا تبيع منتجاتهم، ولا تُضخِّم حساباتهم المصرفية.

هذا ما جعلني أقضي فترة الصيف الماضية، أُطالع في كُتب الباحثين الذين نشروا نتائجهم في عدد من كتبهم، وقد وجدتُ أن النتائج التي توصلوا إليها مُهمة، وخاصةً في هذا العصر الذي تطغى فيه المادة، وتُعد مؤشرًا حاسمًا لدى البعض في تقييم جودة الحياة، إلّا أن الإحصائيات التي ذُكرت في هذه الدراسة تشير إلى عكس ذلك تمامًا، وأن المادة لم تكن عاملًا حاسمًا قط! كما إن الدراسة أشارت إلى أن التعليم وجودته أو تحقيق الأهداف الشخصية أو الشهرة، كل هذه الأمور لم تكن من العوامل الحاسمة في شعور الإنسان بالرضا والسعادة!

وجرى وضع عدد من المعايير الواضحة في تحديد جودة الحياة؛ مثل: الاستمتاع بالعمل، واللعب، والإقبال على الحياة، ومستوى الشعور بالضغوط النفسية، والعلاقات الزوجية الجيدة، والعلاقة مع الأبناء، إضافة إلى العلاقات الاجتماعية القوية التي يستطيع أن يلجأ لها الرجل عند الحاجة، والتمتع بصحة جسدية وعقلية جيدة طوال سنوات حياته، بجانب وجود دخل مادي ووضع اقتصادي جيد لا يحتاج فيه إلى الآخرين، مع التركيز على المرحلة العمرية ما بين عمر الستين والخامسة والثمانين.

وكان هدف الدراسة هو معرفة العوامل المختلفة كالعوامل الوراثية، والوضع الاجتماعي والدخل المادي، ومستوى تعليم الأبوين ومستوى تعليم الأبناء، وأثر كل هذه العوامل على جودة الحياة في تلك المرحلة من العمر.

تجدر الإشارة إلى أن هناك عددًا من الدراسات المُشابهة لهذه الدراسة وإنْ كانت لأغراض مختلفة؛ فهناك دراسة أُجريت في لندن وأخرى في نيوزيلندا، لكن مما يؤسف له أننا في عالمنا العربي نفتقر إلى دراسات شبيهة، على الرغم من عدم الحاجة إلى تقنيات معقدة للقيام بها، وعلى الرغم من أهميتها، ومثل هذه الدراسة لها أثر بالغ في تصحيح المسار ومعرفة تأثير التغيرات المتسارعة التي تعصف بعالمنا اليوم.

في مقالنا القادم سنتحدث عن بعض الإحصائيات غير المتوقعة والتي أُشير إليها في هذه الدراسة.

(2)

تحدثنا في مقالنا السابق عن واحدة من أشهر دراسات جامعة هارفارد حول دورة الحياة، التي بدأت عام 1938، والمعروفة أيضًا بـ”دراسة هارفارد الطويلة الأمد عن النمو البشري”، وأهمية هذا النوع من الدراسات، وفي هذه المقالة سنعرض بعض الإحصائيات المهمة، ولكن يجب التأكيد بأن هذه السلسلة من المقالات لا تهدف إلى تغطية جميع جوانب الدراسة، وإنما تشير إلى بعضها.

فقد توصَّل الباحثون في هذه الدراسة إلى عدد من الملاحظات القائمة على ضوابط واضحة قابلة للقياس، وسأذكر بعضًا ممَّا ذُكِر في كتبهم المختلفة؛ إذ أشاروا إلى أنه لا علاقة بين مستوى دخل الفرد وبين مستوى الذكاء الذي يتم تحديده باستخدام “IQ Test”؛ حيث إن مستوى ذكاء الأفراد الذين يتراوح بين 110 إلى 115 ومستوى ذكاء الأفراد الذين يفوق 150 لا يختلف ولا يُعد عاملًا مُهمًا في التنبؤ بمستوى دخل الفرد، بينما لوحظ أن الأفراد الذين لديهم علاقة أخوية قوية في صغرهم كان دخلهم السنوي يزيد بأكثر من 51000 دولار (كمعدل، عام 2009)، مقارنة بالإخوة الذين لا يملكون هذه العلاقة الأخوية القوية، أو من لم يكن لديهم إخوة.

كما إن الرجال الذين ينشأون في أسر مُتماسِكة ومُحِبة فإن دخلهم يزيد بالمعدل بـ66000 دولار سنويًا، مقارنة بالرجال الذين نشأوا في أُسر مُفكَّكة ولا تربطهم علاقات أسرية قوية. ومن الملاحظات الفارقة واللافتة للنظر، أن بعض الرجال الخاضعين للدراسة استطاعوا بعد الحرب العالمية الثانية أن يرتقوا إلى رتب عسكرية عُليا؛ فحصلوا على رتبة (رائد)، بينما آخرون ظلوا جنودًا. فما الذي أحدث هذا الفارق؟
تبيَّن أن الرتبة العسكرية التي حصل عليها هؤلاء لم تكن نتيجة لبنيتهم العضلية، أو الطبقة الاجتماعية، أو ذكائهم أو قدرتهم على التحمل، إنما العامل الحاسم كان الأُسر المتماسكة والعلاقات الاجتماعية الدافئة التي تربوا ونشأوا فيها، فمن هؤلاء حصل 24 (من أصل 27) على رتبة ملازم أول على أقل تقدير، وأربعة حصلوا على رتبة رائد، بالمقابل من ثلاثين رجلًا تربوا في أسر افتقدت إلى دفء العواطف وعاشوا طفولة سيئة، لم يصل أحد منهم إلى رتبة رائد، ولم يصل ثلاثة عشر منهم إلى رتبة ملازم أول.

ومن الدراسات المهمة التي أشارت إليها الدراسة أثر الأبوة والأمومة على الفرد؛ إذ لاحظت الدراسة -مثلًا- أن القدرة على الاستمتاع بالإجازات والقدرة على اللعب، ترتبط بالعلاقة الجيدة مع الأب، كما إن علاقة الابن بأبيه لها أثر أكبر ومهم في علاقته الزوجية، وأن الرجال الذين يتمتعون بعلاقات جيدة مع آبائهم يكونون أقل قلقًا في مراحل الدراسات الجامعية، ويتعرضون لضغوط نفسية أقل وبشكل ملحوظ. بينما لوحظ أن الرجال الذين كانت علاقاتهم سيئة بآبائهم كانوا أكثر ميلًا لوصف أنفسهم بأنهم متشائمون، ويجدون صعوبة في التقارب مع الآخرين، كما إن الرجال الذين لديهم علاقة جيدة مع آبائهم كانوا يشعرون برضا ذاتي ملحوظ بعد سن الخامسة والسبعين.

إنَّ هذه الإحصائيات تُشير إلى أمور مهمة، ربما علينا إعادة النظر في أولوياتنا، فذلك الأب الذي يقضي ليله ونهاره سعيًا وراء توفير حياة مادية مُرفَّهة لأولاده أو لتوفير أرقى المدارس التعليمية، وبالمقابل يغيب عن المنزل لفترات طويلة، ولا يوطِّد علاقته مع أبنائه، ظنًّا منه بأنه يبذل جهده في توفير تعليم راقٍ لأبنائه أو توفير حياة مرفهة لهم، فهو مُخطئ تمامًا في حساباته، فيكفي أن يوفر تعليمًا مناسبًا لهم، ويكفي أن يوفر حياة كريمة لهم ويقضي وقته في التفاعل واللعب معهم؛ فذلك أهم بكثير وأجدى في تنشئتهم وتربيتهم.

أمَّا الأُم فكان أثرها بالغًا، وبصورة واضحة كما تشير الدراسة إلى ذلك؛ فلقد لاحظت الدراسة أن القدرة على العمل والإنجاز مع تقدم العمر مرتبطة وبصورة واضحة بعلاقة الرجل بأمه، فكلما كانت علاقته مع أمه جيدة زادت قدرته على العمل والإنجاز. بل والغريب في الأمر أن ارتفاع دخل الرجل كان مرتبطًا وبشكل وثيق بالعلاقة الجيدة مع أمه؛ فالأم الحنون التي تُغدق حنانها على أطفالها تُؤثِّر وبصورة واضحة على دخل الرجال، إذ لوحظ أن تلك الفئة من الرجال يزيد دخلها بمعدل 87,000 دولار سنويًا، مقارنة مع الرجال الذين كانت أمهاتهم تهملهم ولا تُظهر اهتمامها بهم!

ومن الملاحظات المدهشة والتي لم يستطع الباحثون تفسيرها، أن الخرف أو التدهور العقلي في سن الثمانين وما بعده ارتبط ارتباطًا وثيقًا بعلاقة الرجل بأُمه في صغره؛ إذ لوحظ أن 33% ممن لم يحظوا بأُمهات تهتم بهم وتُغدق عليهم حنانها، أُصيبوا بالخرف في سن التسعين، بينما لم تتجاوز نسبة الإصابة بالخرف 5% لدى الرجال الذين حظوا بأُم مهتمة وتُغدق عليهم حنانها. فيما لم يعثر الباحثون على أن العلاقة مع الأب لها أثر مُشابه.

هذه الإحصائيات تؤكد أن وجود الأم الحنون في حياة الطفل له أثر بالغ في ثقته بنفسه وبمجتمعه، ولذا فإن الأُم العاملة عليها أن تُدرك أن وظيفتها الأولى هي تربية أبنائها، وإذا ما أدَّت هذا الدور على أكمل وجه، يُمكنها القيام بأعمالها الأخرى، أمَّا إذا لاحظت أن عملها يؤثر وبصورة ولو بسيطة نسبيًا على اهتمامها بأطفالها، فلا بُد من تقديم الأولويات؛ فالملاحَظ أن الدراسة لم تُشِر إلى إمكانية تعويض دور الأم بالأب مثلًا، بينما أشارت بصورة خاصة إلى أهمية حنان الأم، ولربما يُشير ذلك إلى حكمة المُشرِّع الإسلامي عندما قام بتوزيع أدوار المسؤوليات الأسرية، التي خصَّت الأب بالجانب الاقتصادي وركَّزت على الجانب التربوي للأم؛ فهذا التقسيم الذي طالما اتُّهم به الإسلام بأنه يقف في وجه طموح المرأة، باتت تُرجِّحه اليوم بعض الدراسات الأكاديمية.

من المهم التأكيد على أن الدراسة ركَّزت كثيرًا على أن علاقة الرجل بأسرته وبأبيه وأُمه، لا تتأثر بموقف أو موقفين، أو بظروف طارئة؛ بل بمجمل العلاقة الأُسرية والجو العام الذي يسود الأُسرة، ولهذا فلا يَظُن الأب أو الأُم أن الإجازة الصيفية أو التنزُّه على شاطئ البحر في فترات مُتباعدة سيُعوِّض الأبناء أو يُنسيهم إهمال الأبوين لهما.

ومن الأمور اللافتة التي لاحظتها الدراسة وأشار إليها الباحثون، أن الطفولة التعيسة التي قد يتعرَّض لها البعض، يُمكن في بعض الأحيان التخفيف من أثرها بشكل ملحوظ، إذا استطاع الرجل أن يُكوِّن علاقات صداقة حقيقية، أو علاقات زواج ناجحة.

(3)

يُشير الكاتبان رايان تي كراجون، وجيزي إم سميث (Ryan T. Cragun وJesse M. Smith) إلى أن الدين أدّى دورًا مُهمًا في حياة الشعب الأمريكي، وترسَّخت أهميته بصورة أكبر في الحرب الباردة بين الولايات المتحدة الأمريكية وبين الاتحاد السوفيتي؛ حيث ارتبط الإلحاد بالفكر الشيوعي، ولذا ركَّز السياسيون الأمريكيون على مسألة الدين؛ ففي تلك الفترة أُضيف شعار “نثق في الله” إلى العملة الأمريكية وعبارة “تحت راية الله” إلى قسم الولاء.

ولذا خضع أثر الدين والتدين لعدد كبير من الدراسات التي حاولت الكشف عن العلاقة بين الدين وبين صحة الإنسان وطول العمر، ومن هذه الدراسات “دراسة هارفارد الطويلة الأمد عن النمو البشري” والتي تحدثنا عنها سابقا في مقالين منفصلين. وسنتحدث في الجزء الثالث من سلسلة المقالات، عن ما أشار اليه الباحثون حول أثر الدين في صحة الإنسان وطول العمر.

فَصَلَ الباحث الرئيسي جورج إي فايلانت (George E. Vaillant) بين البُعد الروحي الذي ربطه بالعواطف الإيجابية كالحب والرحمة والتسامح والشكر والامتنان والاتصال الروحي بشيء أعظم، وبين مفهوم الدين؛ فالدين يحتوي على البُعد الروحي إلّا أنه في بعض الأحيان يكون مصدرا للاستبداد والتعصب، كما إنه يحتوي على ممارسات منظمة من الطقوس، ويوفر الدين هيكلا اجتماعيا وهوية في الحياة لا سيما في مراحلها الأولى، وقد لاحظ الباحث أن الناس يميلون أكثر في الشيخوخة إلى الروحانية وتجاوز العقائد المرتبطة بالدين، وأوضح الباحث أن الإيمان لا يزيد بالضرورة مع العمر، بل إن كثيرا من الأفراد المسنين خصوصًا ذوي الصحة القوية والدعم الاجتماعي، يبتعدون غالبًا عن الدين المنظم.

ومن الأمور التي سلط الباحثون عليها تركيزهم أثر الدين على الصحة وطول العمر، وقد تم الاعتماد على عينة من الرجال الذين درسوا في جامعة هارفارد، فهذه العينة متجانسة اجتماعيا واقتصاديا، ولكن هناك تباين واضح في توجهاتهم الدينية وعاداتهم الصحية، ولكن جميعهم لهم قدرة على الحصول على الرعاية الصحية اللازمة، وقد تم جمع البيانات الخاصة بالمشاركين وتبين أن 90 رجلًا منهم كانوا أقرب إلى الإلحاد، بينما تم وصف 48 رجلًا منهم بأنهم مؤمنين بشدة.

كما إن الباحثين في علاقة الدين وأثره على الصحة، حاولوا الفصل بين أمرين مهمين، الأول السلوك الشخصي والاجتماعي الناشئ عن الدين، كالابتعاد عن شرب الكحول وتناول المخدرات على سبيل المثال، وبين أثر العقيدة الدينية، مثل الإيمان بوجود الله تعالى على الصحة وطول العمر.

وقد كانت النتائج بالنسبة لطول العمر متطابقة، فلقد توفي ما نسبته 70% من الأشخاص الذين صُنِّفُوا بأنهم قريبين من الإلحاد، وتوفي ما نسبته 75% من الأشخاص الذين صُنِّفوا بأنهم مؤمنين بشدة، ومن هنا فلقد أشار الباحثون إلى أن العلاقة الطردية الملحوظة بين الدين والصحة، إنما هي نتيجة للممارسات الدينية؛ فالمجتمعات المتدينة عمومًا توفِّر حماية اجتماعية أكبر وتساعد أكثر عن الامتناع عن تعاطي الكحول، وليس الأثر هو للعقيدة الايمانية بحد ذاتها.

وهذه النتيجة التي توصَّل لها الباحثون تكاد تطابق ما توصل اليه باحثون آخرون في دراسة طويلة أخرى، وتعرف بدراسة “تيرمان لطول العمر”، وهي من أقدم الدراسات؛ حيث بدأت عام 1921، وتتبعت مجموعة من الأطفال الموهوبين لمعرفة كيف تطورت حياتهم على مدى عقود من الزمن. وأشارت هذه الدراسة إلى أن الأثر الصحي للدين يبدوا أكثر وضوحًا على النساء. وأبرزت الدراسة ظاهرة أخرى لها أهمية كبيرة في أيامنا هذه، وهي الاستماع إلى المحاضرات والخطب الدينية من خلال وسائل التواصل الاجتماعي؛ حيث أكدت الدراسة أن الأثر المُترتِّب لا يمكن مقارنته بالأثر المترتب من المشاركة والحضور في النشاط الديني؛ إذ يفتقد الأول إلى بُعد مُهم جدًا وهو التواصل الاجتماعي والذي له أثر بالغ على الصحة. ومن النتائج اللافتة التي توصلت له هذه الدراسة الأخيرة، أن أهمية العلاقات الاجتماعية في الوسط الديني لا بسبب الدعم الكبير الذي تقدمه المجتمعات الدينية لأفرادها؛ بل إن السبب يكمُن فيما يقدمه الفرد من خدمات للمجتمع ومساعدة لأفراده والنصح والرعاية لهم، فما يقدمه الفرد من عطاء للمجتمع يعود بالنفع عليه ويؤثر بشكل كبير على صحته؛ بل وعلى طول عمره.

وإذا كان البُعد الاجتماعي والسلوك الديني هما العاملان المؤثران على صحة الإنسان وطول عمره، فهل للإيمان -كالإيمان بوجود الله- أثر على صحة الإنسان وطول عمره؟

واتضح للباحثين في دراسة هارفارد أن أثر الايمان غدا واضحًا تمامًا عند الرجال الذين تعرضوا لحياة بائسة وظروف صعبة، فمن 10 من الذين تم تصنيفهم بأنهم “لا أدريين”، وعاشوا حياة صعبة، عاش واحد منهم فقط لسن الخامسة والثمانين، وبالمقابل فإن من المتدينين بشدة تعرَّض 15 لظروف حياتية بائسة، ظل 9 من هؤلاء أحياء حتى تجاوزوا الخامسة والثمانين، وهذا ما حدا للباحثين القول بأن الدين يبقى أحد أهم وأعظم مصادر الراحة والطمأنينة عند البشرية.

كما اتضح للباحثين ارتباط الاكتئاب والظروف الحياتية الصعبة والعسيرة بزيادة المشاركة بالنشاط الديني، كما لوحظ أن الاكتئاب والظروف الحياتية الصعبة والعسيرة ارتبطا أيضًا بزيادة عدد الزيارات إلى الطبيب النفسي، لكن لم يلاحظ وجود رابط بين عدد الزيارات للطبيب النفسي وبين زيادة المشاركة في النشاط الديني وكأن كليهما يعكس وسائل مختلفة تعامل بها الرجال مع صعوبات الضغوط النفسية.

(4)

من المواضيع التي وجد الباحثون أنفسهم أنهم مجبرين على التعامل معها لما لها من أثر بالغ في عينات الأفراد الذين خضعوا للدراسة، هو أثر إدمان الكحول على حياة الفرد، الاجتماعية وعلى الصحة والسعادة؛ بل يرى الباحثون أن من أهم إنجازات هذه الدراسة، أنها ألقت الضوء على الآثار الاجتماعية المدمرة لإدمان الكحول، وللأثر البالغ لهذه الظاهرة، فلقد خصَّص الباحث الرئيسي جورج إي. فايلانت (George E. Vaillant ) كتابًا مُنفصلًا عن ظاهرة إدمان الكحول وتاريخها.

ومن المعروف أن لظاهرة إدمان الكحول أثرًا سلبيًا بالغًا على صحة الفرد؛ ففي الولايات المتحدة الأمريكية، يُشكل إدمان الكحول رُبع حالات الدخول الى المستشفيات العامة، ويتسبب بدور رئيسي في الأسباب الأربعة الأكثر شيوعًا للوفاة بين الرجال الذين تتراوح أعمارهم بين 20 و40 عامًا، وهي: الانتحار والحوادث والقتل وتليُّف الكبد.

في هذه الدراسة، توسَّع الباحثون في مصطلح إدمان الكحول، فشمل: الإدمان على الكحول والاعتماد على الكحول، وقد تم تحديد هذه التشخيصات وفقًا لمعايير الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية، للجمعية الأمريكية للطب النفسي، فالمشاركون في الدراسة الذين تم تشخيصهم بأنهم معتمدون على الكحول عادةً ما يعانون من 8 على الأقل من 16 مشكلة مرتبطة بالكحول.

وكان الاعتقاد السابق، بأن إدمان الكحول هو أحد الطرق والتي يسعى فيها الفرد للتخلص من الاكتئاب الذي يصيبه نتيجة الظروف القاسية التي يمر بها الفرد، فلقد لاحظ العلماء بأن هناك ارتباط واضح وقوي بين الاكتئاب وادمان الكحول، إلّا أن هذه الدراسة أوضحت أن الاكتئاب انما هو نتيجة لإدمان الكحول وليس سببا له، كما أشارت الدراسة أن أسباب الإدمان قد ترجع الى عوامل وراثية وبيئية، فلقد لوحظ مثلا وجود علاقة بين إدمان الوالدين للكحول وبين إدمان الأبناء، مما قد يشير الى أن إدمان الكحول انما هو مرض وراثي، وبالمقابل فلا توجد علاقة واضحة بين الطفولة التعيسة التي ينشأ بها الطفل وبين إدمان الكحول.

ومن أهم آثار إدمان الكحول والتي توصل لها الباحثون أنه السبب الرئيسي والأول والأهم للطلاق، وهو أمر لم يكن واضحًا فيما سبق من دراسات؛ إذ كان الطلاق في السابق في الولايات المتحدة يعزى لأسباب أخرى الا أن هذه الدراسة أوضحت أمرًا مخالفًا تمامًا؛ حيث اتضح أن ما يقارب من 60% من حالات الطلاق كان فيها أحد الزوجين مدمنا للكحول -حسب تعريف الإدمان الذي ذكرناه-، كما أوضح الباحثون بأن إدمان الكحول كان سببًا رئيسيًا في فشل تكوين علاقات اجتماعية ناجحة، وعدم القدرة على التأقلم مع متغيرات الحياة وضعف الحالة النفسية للمدمن.

وأقر الباحثون، كذلك، أن إدمان الكحول يعد العامل الرئيسي الأكثر تجاهلا في العلوم الاجتماعية الحديثة، وهو أمر مثير للجدل، ويبدوا أن الكثير من الباحثين الغربيين في المجال الاجتماعي وقعوا في فخ الميول النفسية والعاطفية، وفقدوا القدرة على النقد المتوازن لهذه المشكلة الكبيرة.

إن هذه الدراسة المُهمة، تشير وبوضوح الى واحدة من أهم الظواهر السلبية والتي تأن منها المجتمعات الغربية، لذا من المُهم ألّا نسمح لمثل هذه الأمور في الانتشار في مجتمعاتنا ولا نتساهل للتصدي لها، فنقع فيما وقعت فيه تلك المجتمعات.

ولا شك أن الفضل الأول يعود للإسلام الذي أدّى دورًا محوريًا ومُهمًا جدًا في الحد من انتشار ظاهرة تناول الكحول والإدمان في مجتمعاتنا الإسلامية؛ فالإسلام هو الدين الوحيد بين الديانات الإبراهيمية التي يُحرِّم الخمر تمامًا (بعض المذاهب المسيحية لا سيما الشرقية منها تُحرِّم الخمر)، ويتشدَّد فيها، ولذا فلو لم يكن للإسلام أثر في حياة مجتمعاتنا الإسلامية غير تحجيمه لهذه المشكلة الكبيرة، لكان ذلك كافيًا في توضيح أثر الإسلام وتشريعاته في حياة المسلمين، كما إن تحريم الخمر في الإسلام يشير الى عظمة المُشرِّع وحكمته، فلقد تشدَّد في ظاهرة اجتماعية كانت أمرًا مألوفًا في ذلك الزمن ولم تكن آثاره السيئة النفسية والصحية واضحة وبينة كما هي الآن.

(5)

تُعد ظاهرة تنامي الطلاق من أكثر الظواهر الاجتماعية التي تثير القلق في مجتمعاتنا العربية والإسلامية؛ فعدد من الإحصائيات والتي تمت في مختلف دولنا العربية والإسلامية تشير لتنامي ظاهرة الطلاق بصورة واضحة، وقد سلَّطت دراسة “هارفارد الطويلة الأمد عن النمو البشري” والدراسة الأخرى التي أشرنا لها سابقًا وهي دراسة “تيرمان لطول العمر”، على أثر الطلاق على الأبناء، وما يُميِّز هاتان الدراستان أنهما تسلطان الضوء على أثر الطلاق على المدى البعيد على حياة الأبناء؛ فالأثر المباشر والقصير المدى يمكن متابعته، لكن ما لا يمكن الكشف عنه عادة هو الأثر البعيد المدى، وذلك لتداخل العوامل ولصعوبة الربط بينها.

تبدأ الدراسة التي أُجريت في جامعة هارفارد بتبيين التأثير السلبي للطلاق الأبوي على النتائج التعليمية للأطفال، يظهر أن هذه الآثار تتفاقم عندما يكون الطلاق غير متوقع؛ إذ يصعب على الأطفال التكيف مع هذا التغير المفاجئ في بنيتهم الأُسرية، ومن المثير للاهتمام أن الدراسة تشير إلى أن الأطفال الذين ينشؤون في أسر تعاني من صراعات أو عدم استقرار مُسبق قد يتأثرون بشكل أقل، ربما لأنهم قد طوروا مسبقًا آليات للتعامل مع التوتر، غير أن الطلاق لا يقتصر أثره على الجانب التعليمي فقط؛ فهو يرتبط أيضًا بصعوبات مالية تقلل من الموارد المتاحة للأطفال، إضافة إلى تقليص الوقت الذي يقضيه الوالدان مع أبنائهم، ما يزيد من التوتر العائلي ويؤثر سلبًا على التكيف الاجتماعي والعاطفي للأطفال.

من جانب آخر، تقدم دراسة “تيرمان” منظورًا مختلفًا لكنه مكمل؛ حيث تربط بين الطلاق وارتفاع معدلات الوفاة المبكرة لدى الأطفال عبر مراحل حياتهم، فقد بيّنت أن الأطفال من عائلات مُطلَّقة يموتون في المتوسط قبل نظرائهم من العائلات المتماسكة بخمس سنوات تقريبًا، وتكشف الدراسة أن هذا الخطر لا يأتي من فراغ؛ بل يرتبط بعوامل وسيطة مثل ارتفاع احتمالات الطلاق لديهم في المستقبل، وانخفاض مستويات التعليم، وقلة المشاركة في الأنشطة المجتمعية لدى النساء خاصةً.

وقد أوضحت دراسة “تيرمان” أن تحقيق الرضا الشخصي في منتصف العمر يمكن أن يخفف من وطأة بعض العواقب، لا سيما لدى الرجال؛ مما يفتح الباب أمام أهمية الدعم النفسي والاجتماعي في مراحل الحياة المختلفة.

وفي المقابل، أوضحت دراسة هارفارد أن الزواج الناجح للرجال الذين عانوا في صغرهم من التفكك الأسري، له أثر على تغلبهم على التحديات التي واجهوها في صغرهم نتيجة تفكك الأسرة؛ فهو كالدواء الذي يشفي من تلك الأمراض النفسية التي عانوا منها.

الربط بين الدراستين يُبرز أن الطلاق ليس مجرد حدث قانوني أو اجتماعي؛ بل هو تجربة عميقة تؤثر على البناء النفسي والاجتماعي للأطفال، تمتد لتشمل صحتهم وسلوكهم وحتى طول أعمارهم. كما يشير إلى ضرورة النظر إلى الطلاق ضمن سياق أوسع يشمل الاستقرار الأسري، الدعم الاجتماعي، والظروف الاقتصادية، والتي تلعب دورًا حاسمًا في تحديد مدى تأثيره.

هذه الدراسات الاجتماعية توضِّح لنا بجلاء أهمية هذا النوع من البحوث والتي قد لا يكون لها مردود مادي مباشر؛ فهي لن تساعد بصورة مباشرة في زيادة الدخل أو حل مشاكل اقتصادية آنية، ولكنها تبحث عن جذور المشاكل والتحديات التي تواجه المجتمعات، ومن هنا فإن لها أهمية بالغة ولا يجب الاستهانة بها، وعلى الجهات المختصة بشؤون البحث العلمي تولية اهتمام خاص بهذا النوع من الأبحاث، ورصد ميزانيات توازي أهمية البحث.

واهتمامنا بالبحوث التطبيقية والتي لها علاقة مباشرة بدعم الاقتصاد لا يجب أن يكون على حساب أصناف أخرى من البحوث العلمية، والتي قد لا يكون لها أثر اقتصادي مباشر؛ لأن التطور عملية متكاملة ولا يمكن أن تتم من خلال التركيز على بعض الجوانب من البحث العلمي وإهمال الجوانب الأخرى.

كما إن هذه الدراسات تُوضِّح لنا أن الظواهر الاجتماعية لا يمكن الاعتماد فيها على التجارب والخبرات الشخصية فقط، ودون الاستعانة بالبحوث العلمية؛ اذ إنها قد توصل الى نتائج وتوصيات خاطئة، مما يزيد من حجم التحديات والمشاكل بدل من حلها؛ فالمُلاحَظ أن الكثيرين من المُصلحين الاجتماعيين ورجال الدين يتعرَّضون ويتصدُّون لظاهرة الطلاق في مجتمعاتنا الإسلامية، وذلك من خلال ملاحظات شخصية، ومتابعات غير مدروسة وغير خاضعة لضوابط البحث العلمي، ويتوصَّلون الى نتائج واستنتاجات غير مدروسة وربما غير صحيحة، ولذا فإننا نرى أهمية التوقف عن مثل هذه الممارسات، ولا بُد من الرجوع الى الأبحاث العلمية في دراسة مختلف الظواهر الاجتماعية سواء أكانت ظاهرة طلاق أو غيرها من الظواهر الاجتماعية.

في المقالات المقبلة، سنتناول قصص حياة بعض المشاركين ونسلط الضوء عليها، لنستلهم منها بعض ما توصلت له هذه الدراسة المُهمة.

(6)

تجارب الآخرين فيها عِظة وعِبرة، ودراسة هارفارد التي ذكرنا بعضاً منها غنية بقصص حياة الأفراد الذين خضعوا للدراسة، فلقد تناولت حياتهم منذ أن كانوا صغارًا حتى بلغوا من العمر عتّيًا، في المقالات القادمة سنتناول بعض الأفراد الذين يمكن أن نخرج بدروس قيّمة من حياتهم وما مروا به من ظروف.

جون وليو شابان تخرجا من جامعة هارفارد عام 1946، أحدهما تخرج في القانون والآخر تخرج في قسم التاريخ، كلاهما خدما في الجيش في الحرب العالمية الثانية، بينما كانت عائلة جون ثرية، كانت عائلة ليو فوق الطبقة المتوسطة ودون الطبقة الثرية، كانت أمنية والد جون أن يلتحق جون بشركاته لإدارتها، لكن جون فضل دراسة القانون الذي كان يرغب في دراسته بشدة، ونجح في إقناع والده بذلك، وبالفعل بعد أن تخرج جون في القانون حقق نجاحا باهرا وعد واحدا من أنجح الأفراد على الصعيد المهني الذين خضعوا لدراسة جامعة هارفارد، أما ليو بالمقابل فلقد واجه ظروفاً أسرية صعبة للغاية، اذ توفي والده بعد أن تخرج وأصيبت والدته بمرض باركنسون وباعتباره الابن الأكبر لثلاثة من الأشقاء اضطر ليو أن يبقى مع أسرته لرعاية والدته وإخوته، وعمل بمهنة مدرس لمرحلة الثانوية، ولم يحقق ليو طموحه بأن يكون كاتباً أو صحفيًا بل ظل يعمل في مهنته كمدرس لمدة أربعين عامًا.

وفي عام 1975، كان جون محاميًا مشهورًا، ويبلغ دخله السنوي 52000 دولار بينما يبلغ دخل ليو 18000 دولار سنويًا، وكان مُدرِّسًا بسيطًا لا يعرفه أحد سوى محيطه الصغير وطلبته.

لكن بالمقابل كان هناك تشابه بينهما في أمور كثيرة؛ فكلاهما كان متزوجًا وكلاهما أب لولدين، وكانا حريصين على الحضور للكنيسة صباح الأحد؛ بل كانا متشابهين أيضًا في عاداتهما اليومية، وتوجهاتهما السياسية أيضًا.

لنستمع إلى إجابات جون وليو على الأسئلة التي أجابوا عليها عام 1975، وذلك بعد تخرجهما بتسعة وعشرين عامًا. وبعد كل تلك الخبرات التي اكتسبوها، أكد جون بأن الحياة بها من الآلام والمحن أكثر من الأمور التي تسعدنا وتشعرنا بالرضا، بينما أكد ليو أنَّ الحياة مليئة بأمور تغمرنا بالسعادة والرضا، كان جون يقر بأنه يتوق دومًا لدفء الحب والعاطفة، بينما ليو نفى هذا الشعور بشكل قاطع.

ترى ما هو السر الذي جعل جون يعيش كل هذه التعاسة على الرغم من أن حياته كانت تقترب إلى الحياة الحالمة؟! فلقد استطاع أن يحصل على تعليم راقٍ جدًا، ووظيفة تُدر عليه دخلًا رائعًا ومقامًا اجتماعيًا مرموقًا، وفوق هذا وذاك هو من أسرة غنية!

أرجع الباحثون ذلك إلى عبارة طُلب من جون أن يكملها وهي عبارة: “يشعر المرء بالرضا حينما…؟”. وكانت إجابة جون: يستجيب لدوافعه وأهدافه الداخلية.

هذه العبارة توضح أن جون سعى جاهدًا أن يجعل نفسه سعيدًا من خلال الاستجابة لدوافعه الداخلية، وكان منشغلًا في جميع مراحل حياته في تحقيق ذلك، مما جعله لا يهتم كثيرًا بأسرته ومحيطه ومجتمعه ولا يُعطيهم من وقته الكثير، فلقد كان مُنشغلًا بتحقيق أحلامه وتلبية دوافعه ورغباته الداخلية، أما ليو ذلك الإنسان البسيط الذي لم يظهر يومًا على شاشة التلفاز، ولم يحقق أمنيته وضحى بطموحه من أجل أسرته، فقد وصفه الباحثون بأنه واحدٌ من أسعد الرجال في هذه الدراسة، ترى ما سر سعادته على الرغم من فشله في تحقيق طموحه!

توصل الباحثون في هذه الدراسة إلى أن أحد أهم مصادر السعادة والشعور بالرضا، عندما يفكر في نفسه من خلال ما قدمه من عطاء للآخرين وما أنجز وحقق من احتياجات وطموح الآخرين، وكانت هذه هي ميزة ليو، فقد لاحظ الدراسون أن ليو كان يكثر الحديث عن عائلته وأصدقائه وطلبته في إجابته على الأسئلة التي تطرح عليه، وفي مقابلاته التي كانوا يعملونها.

وهذا يعني أن علينا أن نُربّي أبناءنا ونوضح لهم أن بإمكانهم العيش بسعادة ورضا بمختلف الطرق والأساليب، وأن عدم قدرتهم على تحقيق حلمهم، لا يعني أن السبل قد انقطعت بهم وأن حياتهم ستنقلب إلى جحيم؛ بل ذلك يعني أن عليهم أن يغيروا وجهتهم، ولكن عليهم في كل حال أن يخرجوا من دائرة الأنا ويفكروا في الآخرين، فتلك هي من أهم أسرار الشعور بالسعادة والرضا.

إنَّ سعادة ليو بحياته ورضاه، انعكس على صحته بصورة واضحة، فلقد عاش حياته وهو ينعم بالصحة؛ بل حتى زوجته كانت تنعم بالصحة والعافية طوال حياتها، بينما كان جون يعاني من أمراض وآلام كثيرة وكذلك زوجته، على الرغم من أنهما كانا يعيشان في قصر مقارنة بالبيت الذي كان يعيش فيه ليو مع زوجته.

علينا أن ندرك أن الانشغال في تحقيق الأحلام الشخصية على حساب أسرتنا ومجتمعنا لن يمنحنا السعادة؛ بل ربما سيكون طريقنا إلى الشقاء، مالم نضع في أذهاننا أننا نهدف من تحقيق أحلامنا أن نفيد الآخرين، فالطبيب الذي يسعى لمجد شخصي لن يحقق السعادة التي سيحققها الطبيب الذي يسعى لرسم البسمة فوق شفاه المرضى وذويهم، ومن يجمع المال لينال ما يبتغيه من حطام الدنيا ويحظى بالمنزلة الاجتماعية لن يحقق سعادة الآخر الذي يسعى للمال ليخفف به عن الفقير ويكسو العاري ويشبع الجائع.

ولهذا.. علينا أن نتذكر دائماً أن ما أنجزناه على المستوى الشخصي، لا يمنحنا الرضا والسعادة ما لم يصاحبه عطاء سخي من وقتنا وجهدنا ومالنا للأسرة والمجتمع؛ إذ إنَّ سِر سعادة المرء بعطائه لا بتحقيق أحلامه.

(7)

عندما سُئل سترلينج عن أهم شيء في حياته، أجاب بلا تردد: “أولادي، هم أثمن ما أملك.” كانت كلماته تفيض بالحب، وكان يعز شقيقته وأمه التي تبنته بحنان لا يُوصف، لكن خلف هذه الكلمات الدافئة، كانت هناك قصة مختلفة تماماً.

في عام ١٩٨٦، جاء جورج فايلانت، أحد الباحثين الرئيسين السابقين، لزيارة سترلينج في مدينته الصغيرة، وجد الرجل يعيش وحيداً في قاطرة متنقلة قديمة، بعيدة عن دفء العائلة التي يردد أنها أغلى ما في حياته، لم يتواصل مع زوجته منذ ١٥ عاماً، ليس بسبب الكراهية، بل لأنه لم يستطع تحمل فكرة الطلاق وتأثيره على أولاده، وكان الهاتف هو الوسيلة الوحيدة بينهما، لمجرد الاطمئنان من بعيد.

لاحظ جورج شيئاً غريباً: حزام الأمان في المقعد المجاور للسائق مغطى بالغبار، وكأنَّه لا يجلس أحد إلى جانبه منذ زمن بعيد، ما الذي حدث لرجل يحب أسرته بهذا الشكل ولا يملك رفيقاً في رحلاته؟

كان سترلينج قد تجاوز الستين، متقاعداً، يدرس الإيطالية لأنَّ ابنته تعيش هناك، ولربما حدث وأن احتاجت له، لذا أعد نفسه لهذه المهمة، لكن عندما سأله جورج عن ابنته، كانت الإجابة موجعة: “لم أرها منذ سنوات، رغم دعوتها لي، اعتذرت لأنني لا أريد أن أكون عبئاً عليها.” وعندما سأله عن أحفاده قال: “هم بخير، يعيشون حياتهم، ولا يحتاجونني” ثم تحدث عن روتينه الوحيد، زيارة جارته المسنة في العشاء، مشاهدة التلفاز معها حتى تغفو، ثم يعود وحيداً إلى قاطرته، وتنهد بمرارة: “أخشى أن تموت جارتي، لأنني لا أعرف كيف سأقضي وقتي بعدها.”

وقد يلاحظ القارئ الكريم أمرا عجيبا، فكيف لرجل يحب أولاده بهذا القدر أن يبتعد عنهم؟ لماذا يتجنب قضاء الوقت معهم رغم أنه يقول إنهم أهم ما في حياته؟

لنعود بالزمن إلى طفولته، ولد سترلينج عام ١٩١٦، وتربى على يد أخته روزلينا التي كانت بمثابة الأم له، لكن الحياة لم تكن رحيمة به، فقد أخته التي تزوجت وانتقلت بعيداً، وبعد مدة فقد الأم التي تبنته بعد ذلك.

هذا الفقد العميق ترك جرحاً لا يندمل في قلب سترلينج، كان يخشى أن يسبب فراقه نفس الألم لأولاده وأحفاده، فاختار البقاء بعيداً، محباً من بعيد، لكن مبتعداً، لم يكن بحاجة لهم مادياً أو صحياً، لكنه كان يعاني من وحدة قاتلة وصمت مؤلم، لم يهنأ بالسعادة قط.

قصة سترلينج ليست فقط قصة رجل وحيد، بل هي درس بليغ للأبناء، فالأب قد يكون مقتدرا ماديا ومعافا من الأمراض، ويمارس حياته بصورة طبيعية، لكنه يعاني من ألم فراق أولاده ويشعر بمحنة الوحدة بشدة ولكنه قد لا يتجرأ في التواصل مع الأبناء خشية أن يثقل عليهم أو أن يحرجهم أو ربما يخشى أن يسمع ردا منهم قد يؤثر في نفسه سلبا، ولذا فلابد للأبناء أن يكونوا واعين لذلك، لأن الأب يأبى أن يظهر ضعيفا محتاجا الى أبنائه ولذا يصعب عليه أن يسألهم، وعليهم أن ينتبهوا لذلك وأن يقوموا بدورهم برعايته وزيارته بصورة مستمرة، وأن يعرضوا خدماتهم عليه بين فينة وأخرى بل ويصروا على أبيهم بأن يخرج في نزهة أو يتناول العشاء معهم، لأن الدراسات العلمية تشير وبوضوح إلى أن الشعور بالوحدة يولد أمراضًا لا حصر لها، كما لاحظ الباحثون أنَّ الآباء تتحسن نفسيتهم ويقل الشعور لديهم بالآلام الجسدية في الأيام التي يقوم الأولاد بها في زيارتهم بشكل واضح وملحوظ.

ومن المهم التنبيه على أمر ذات أهمية بالغة، وهو التفريق بين الوقت وابداء الاهتمام، فالبعض قد يحرص على زيارة أبيه ولكنه عمليا لا يقضي وقته معه، لأنه لا يعيره أي انتباه أثناء زيارته، فذهنه مشغول بأمور أخرى، وإذا أحس الأب بذلك فان ذلك يزيد من شعوره بالوحدة والألم، فالانتباه اليه هو أول علامة لحبك إياه، واهتمامك بأمور أخرى بمحضره يشعره بأنه أمر ثانوي في حياتك، فيزيد ذلك من شعوره بالوحدة.

على الرغم من استرلينج، كان ناجحا في حياته العلمية، فلقد كان متخصصا في مجال علوم المادة، واستطاع أن يحافظ على صحته ونشاطه، كما أنه استطاع أن يوفر حياة كريمة ينعم بها، ولكنه لم يكن سعيدا، بل كانت الوحدة رفيقه والتعاسة لا تفارقه، والسبب في ذلك أبناؤه الذين أحبهم بكل جوارحه ولكنهم فارقوه ظناً منهم أنه ليس بحاجة إليهم!.

إذا كنت ممن تنعم بوجود والديك فاحرص على أن تجعل زيارتك لهما جزءًا من نظام حياتك، وليكن هدفك من الزيارة أن تزيح عنهم ألم الشعور بالوحدة وإدخال السرور على قلوبهم، فذلك عمل عظيم سيُسعدك في الدنيا والآخرة.

8

رأينا كيف أن سترلينج، لم يكن سعيدا في حياته وكيف كانت الوحدة قاتلة وسبب رئيسي في تعاسته، وذلك على الرغم من أنَّه لم يكن يُعاني ماديًا أو صحيًا، إلا أن إهمال أولاده له، جعله يشعر بهذه الوحدة القاتلة.

لكن العتب لا يقتصر على أبنائه فحسب؛ بل يتحمل سترلينج جزءًا من المسؤولية، فالعلاقات الاجتماعية لا يُمكن في العادة حصرها بسبب واحد؛ بل هي نتيجة لشبكة من العلاقات؛ فالأب لا بُد وأن يَمنح الأبناء في مختلف مراحل حياتهم اهتمامًا خاصًا، بحيث يشعرون بأنَّ هذا الإنسان يعطيهم إحساسًا خاصًا بالأمان والثقة، لا يجدوه في أي شخص آخر؛ فهو سندهم الذي يتكئون عليه، فإذا استطاع الأب القيام بذلك، فإنَّ الأبناء سيجدون من الصعوبة بمكان أن يبتعدوا عنه؛ لأنه سيخلُف فراغًا لا يمكن سده في حياتهم، لهذا على الآباء أن يُعطوا أهمية بالغة للوقت الذي يقضونه مع الأبناء، بحيث يجعل تجربة الأبناء معه تجربة فريدة من نوعها لا يُمكن أن تتكرر مع الآخرين.

بعض الآباء- لا شك- يشعرون بأنهم جزء من المشكلة وأن علاقتهم وعطاءهم لأبنائهم لم يكن بالمستوى المطلوب وأنهم يجنون ما زرعوه فيهم، لكن الغالبية قد تلوم الظروف الصعبة التي مر بها في حياته، فأسرته لم تكن مستقرة، أو كانت فقيرة ولم توفر له الحياة الكريمة، أو محيطه الاجتماعي وأصدقاء السوء كانوا هم السبب في ذلك.

لنستمع إلى قصة نيل ماكرثي، أحد أفراد دراسة هارفارد، وكانت أول مقابلة للباحثين معه في نوفمبر عام 1942، وكان عمره آنذاك 14 سنة، وقد عاش نيل في أسرة فقيرة، لكنها في صغره كانت أسرة مُحبة، ومُتعاونة بقدرٍ كبيرٍ، كان نيل يبيع الجرائد ليكسب بعض المال. وفي أيام الأحد ينتقل إلى حي قريب غني ليقوم بتنظيف الأحذية، وكان يقوم بجمع المال ويُسلِّم أغلبه لأمه حتى تصرفه في احتياجات الأسرة، لم تكن أسرة نيل صغيرة، فلقد كان عدد أفراد أسرته 6 إخوة وأخوات بالإضافة إلى الأب والأم.

في هذه الأسرة نشأ نيل وعاش طفولته، أسرة فقيرة، يعمل جميع أفراد الأسرة ليلبوا طلبات الحياة واحتياجاتها، لكنها كانت أسرة مُحبة ومتعاونة، وظلت الأسرة على هذا الحال حتى بلغ نيل مرحلة المراهقة؛ حيث انقلب حال الأسرة رأسًا على عقب وتشتت شملها، والسبب في ذلك هو الكحول الذي هيمن على حياة والدته، تلك الأم التي طالما كانت مُرشدته، وكان يكن لها كل الحب والاحترام، لكن الخمرة تمكَّنت منها وغدت لا تفرقها ليل نهار، وأدخلها ذلك في شجار مستمر مع زوجها. في هذه الظروف عاش نيل فترة المراهقة، أثرت عليه بشكل كبير، لم يستطع تحمل الخلافات الأسرية المستمرة بين أبيه وأمه، وما عاد قادرا على المكوث في المنزل، وعند عمر 19 غادر المنزل، والتحق بالجيش.

وبعدها بسنوات التقى بفتاة أحلامه جيل وتزوجها لينجب منها 4 أولاد، وفي عمر السادسة والخمسين كان نيل فخورًا بأولاده، فعلى الرغم من أنه عاش في البداية طفولة بائسة من الناحية المعيشية وكافح من أجل لقمة العيش إلّا أنها كانت دافئة ومليئة بالحب، وفي فترة المراهقة، عاش حياة صعبة إثر إدمان أمه للكحول، وكان لكلا التجربتين أثر عميق عليه، ومع ذلك استطاع نيل أن يستند إلى تجاربه الإيجابية ليضع تجاربه السلبية في منظورها الصحيح، بدلاً من العكس، ولهذا نجح في إيجاد علاقة رائعة وقوية مع أولاده، تحدث إلى باحثي هارفارد قائلًا “الخصومة، والشرب، والصراخ، لم أرغب في أن يمر أطفالي بتلك التجارب، ولم أرد أن أعايشها أنا شخصيًا، أبدًا مرة أخرى”.

تصف ليندا ابنته تأثير والدها في حياتها -وهي من الجيل الثاني من الدراسة وأبوها نيل من الجيل الأول- (عندما أفكر في والدي، أشعر بالعاطفة لأنَّه جاء من وضع مُختلف تمامًا، مرّ بأوقات صعبة عندما كان طفلاً وانفصلت عائلته، لم يكمل المدرسة الثانوية، وذهب إلى الحرب، وخرج من كل ذلك واستعاد توازنه وبطريقة ما لا يزال أبًا رائعًا، دائمًا موجودًا من أجلنا، ومحب لنا، كان بإمكان حياته أن تأخذ اتجاهًا مُختلفًا تمامًا، لدي احترام كبير له).

لقد قدَّم لنا نيل ماكرثي مثالًا حيًّا على قدرته الفائقة على التفريق بين تأثير التجارب الإيجابية والسلبية في حياته، فلم يسمح لصعوبات الطفولة والمُراهقة بأن تكسر روحه أو تشل مستقبله، بل استند إلى القيم والمحبة التي عاشها ليُعيد بناء علاقته مع أبنائه بطريقة مُختلفة تمامًا عن تلك التي عاشها هو.

إنَّ ماضينا، مهما كان مظلمًا أو مُؤلمًا، لا يُحدِّد مستقبلنا بشكل مطلق، فنحن أحرار في اختيار كيف نتعامل مع تجاربنا، وكيف نحولها إلى دروس تدفعنا نحو الأفضل.

هذه القدرة على الموازنة والتقييم الواقعي للتجارب هي ما يُمكن أن ينقذنا من تكرار أخطاء الماضي، ويمنحنا فرصة لنخلق روابط أقوى وأعمق مع من نحب، كما تعلمنا من قصة نيل، أن الحب والاهتمام والوعي بتأثيرنا على الآخرين، خاصة أبنائنا، لذلك علينا أن نسعى لفهم تجاربنا، وأن نمنح لأنفسنا فرصة لإعادة البناء، بغض النظر عن الظروف التي نشأنا فيها أو التحديات التي واجهناها.

الحياة رحلة مُعقدة ومليئة بالتقلبات، لكن بعيون واضحة وقلب متوازن، يمكننا أن نجد طريقنا نحو حياة أكثر استقرارًا وسعادة، ونترك أثرًا إيجابيًا يدوم في حياة أبنائنا.

كلية العلوم، جامعة السلطان قابوس

[thumb_vote align="right"]

أترك تعليقاتك هنا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *