الرسالة الخالدة

د. وجيهة بنت عبدالمجيد  اللواتية

✨لم يكن يوم عاشوراء يوما لانتصار الدم على السيف فحسب، بل كان يوما لانتصار الكلمة وصوت الحق مدى العصور والأزمان.

🔹لقد ظلت رسائل سيد الشهداء عليه السلام وخطبه الخالدة، وكلماته البليغة، ترانيمًا يترنم بها أهل الضمائر الحية والنفوس الأبية، حيث لامست قلوبهم فألهبتها حبا بالحسين (ع) وشوقا إليه، وذوبانا في مبادئه، ووهجا يضيء لهم الدرب مهما ادلهمت بهم الظلمات.

وانطوت البلاغة حائرة من عظيم كلمات سيدها، كيف لا وهو ابن من نهجت البلاغة باسمه.

🔸استوقفتني كثيرا آخر رسالة خطها الإمام الحسين (ع) من كربلاء إلى أخيه محمد بن الحنفية، وتعجبت من المعنى العميق الذي اختزلته في سطر واحد فقط  وكان نصها:

من الحسين بن علي إلى محمد بن علي ومن قبله من بني هاشم:

*” أما بعد، فكأن الدنيا لم تكن، وكأن الآخرة لم تزل، والسلام”*

🔹ما أروعه من اختصار وما أدقه من وصف. هذه الدنيا بكل زينتها وما بها من أموال ومكاسب ومناصب ووجاهات، هذه الدنيا التي تتنوع وتتعدد فيها الظلامات فيتقاتل فيها الناس من أجل المال، وتسلب الحقوق بالطمع وتخرب البيوت بالحسد، هذه الدنيا اختزلها الإمام وكأنها لم تكن، واضعا إياها في حجمها الحقيقي كأنها سراب لا وجود له، يحسبه الظمآن ماء.

وأما الوجود الأزلي الذي لا أمد ولا نهاية له فهو في الآخرة، فما قيمه دنيا فانية كأنها لم تكن مقابل الآخرة التي تبقى طول الأزل متجاوزة حدود الحس والزمان؟!

🔸وعلى الرغم من ذلك يبقى الإنسان مشغولا بهذه الدنيا الفانية، غافلا عما خلق من أجله وهو الخلود والبقاء.

⚡️ما أعمقه من معنى أراد سيد الشهداء (ع) أن يوصله إلينا في أي زمان ومكان كنا فيه، حتى لا ننشغل بما خلق من أجلنا عما خلقنا من أجله.

🔹لم تكن هذه الرسالة مجرد كلمات، بل خريطة هداية ودستورا وجوديا نلجأ إليه لندرك أنه لا قيمة لهذه الدنيا التي نعيشها إلا بما نستثمره منها للآخرة.

وكما قال الشاعر:

*فالعيش نوم والمنية يقظة.. والمرء بينهما خيال ساري*

🔸ويأتي السلام من سيد الشهداء ليس كأي سلام آخر، كمسك ختام تضمن في كلمته الوحيدة *”والسلام”* من المعاني والايحاءات ما يلامس القلوب، فهو ليس مجرد تحية وداعية، بل إشارة من الإمام (ع) إلى أنه لا مزيد من الإيضاحات، فالهدف جلي لمن كان له قلب. ومن هذا السلام التسليم الكامل واستكمال دائرة الانقياد لله عز وجل.

🔹هذا السلام موجه من سيد الشهداء (ع)  لكل ضمير حي ولكل قلب واع عبر الأزمان والأقطار.

✨فسلام على اليد التي خطت والروح التي فنيت في ذات الله وعلى الحروف التي بقيت لتوقظنا من غفلة الحياة.

*دمتم بود*

[thumb_vote align="right"]

أترك تعليقاتك هنا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *