أُمامة بنت مصطفى اللواتيةكُتاب المقالات

من روَّاد حركة التعليم والعمل التطوعي في مطرح

Hits: 216

أمامة مصطفى اللواتي –

في المرات التي كنت أرافق فيها والدي باتجاه سيارته المركونة بالقرب من الطريق البحري لمطرح وبموازاة سور اللواتية، كان مرورنا كثيرًا ما يُصادف مرور الأستاذ حسن علي هاشم، فيتوقف والدي لبعض الوقت لتبادل الأحاديث، وأجدها فرصة للتأمل في هذا الرجل الُمبتسمِ على الدوام، الذي تغلب عليه سمرةٌ تتناسب مع ملامحه الطيبة وقامته الأكثُر ميلاً للقصر. ورغم أني لا أتذكر من تلك الطفولة مضامين الأحاديث التي كان يتبادلها الوالد مع «الماستر حسن» ولا يذكرها الوالد أيضًا، لكني أذكرُ رؤية «الماستر حسن» مبتسمًا بشوشًا على الدوام ومبادرًا في السلام علي.. أنا الطفلة الصغيرة التي كنتُ أنظرُ إليه بشيءٍ من الاندهاش. كانت وقفته متماثلةً في كل مرة، حيث يقف مستقيما ويداه وراء ظهره، يبتسم لي فيبدو وكأنه يبتسم لجميع المارة من حولنا، وحينها يحدق في وجهي ويسألني بعض الأسئلة، محاولاً اكتشاف إذا ما كنت أُصدقه الجواب أم أختلق بعض الأحاديث على عادة الطلاب الذين يقفون أمام مدرس يخشون عقابه. كنتُ أشعر بالسرور وأنا أجيب عن أسئلته، فهذا هو الرجل الذي أسمع صوته الجهوري ذو النبرات المميزة وهو يلقي قصائده على منبر المسجد في سور اللواتية، تلك القصائد التي كان يشدو بها في محبة أهل البيت، كانت تصل إلينا في مجلس النساء عبر مكبِر صوتٍ قديم، إلا أنها كانت كافية لتجعلني أُدرك أن صوته المهيب يثير حماس الرجال في المسجد ويجعلهم يرددون قصائده على خلفية صوته الفتي النابض بالقوة والحماس.

ارتبطت شخصية «ماستر حسن» البشوشة بذكريات طفولتي فأحببتها دون أن أعرف الكثير عنها قبل أن أبدأ في التساؤل عن سر اهتمام الجميع بسيرته، وأذكر جيدا كيف كان رحمه الله يخصني باسم التصغير أميمة بدلاً من أُمامة، ولسبب ما لم أكن أصحح له اسمي كما كنت أفعل مع الجميع، بل كنت أشعر بنوعٍ من التميز لأني أحظى باسمٍ خاص منه. وفي كل مرة كان الأستاذ حسن يسألني: بأي صف دراسي أصبحت؟ وحين استرجع اليوم أسئلته أشعر ببعض الحيرة، فالأستاذ كان يتمتع بذاكرةٍ قوية فكيف كان ينسى دائمًا صفي الدراسي ؟ ولا تبرير سوى أنها عادة تلازم المدرسين وأن «الماستر حسن» كان ولابد يوجه السؤال ذاته للعديد من الأطفال في عمري، وربما كان يسترجع مع أجوبتهم ذكريات مدرسته الخاصة التي قام بتأسيسها يوم لم تكن في البلاد مدارس حكومية مؤهلة.

وُلد الأستاذ حسن علي هاشم الذي عُرف بماستر حسن عام ١٩١٨ تقريبا كما كان يذكر هو بنفسه، وكانت وفاته في عام ١٩٩٩، أي أن عمره حين وفاته كان يقارب ٨١ سنة. عُرف الأستاذ حسن بلقب ماستر وهي الكلمة التي تعني الأستاذ باللغة الانجليزية Master، وقد رافقه هذا اللقب طوال عمره و عَرفهُ به الجميع صغارا وكبارا، مما يدل على شهرته كمدرسٍ للكثير من الأجيال، فحتى أفراد عائلته وأقاربه أصبحوا يُنسبون إلى هذا اللقب ويُعرّفون به بين أفراد المجتمع. امتاز الماستر حسن بذاكرته القوية وسرعة الحفظ، كما كان محبا للكتب و دائم الاطلاع، وحافظًا للشعر ومستشهدًا به في أحاديثه، وكانت له اهتماماته الأدبية والتاريخية المنوعة فقد كان يقرأ القصص والروايات الرائجة في ذلك الوقت مثل روايات جرجي زيدان، ومن القصص التي كان يحكيها قصة زبيدة وهارون الرشيد، كما اطلّع على مؤلفات العقاد، وكان يناقشها وله رأيٌ في كتابات العقاد. وقد ترك الأستاذ حسن مكتبة ضخمة من الكتب تكشف عن اهتماماته السابقة، فقد كانت مكتبته غنية بكتبٍ ومصادر في اللغة والأدب والتاريخ والتفسير والحديث وتراجم الرجال لمختلف المذاهب الإسلامية.

يُعد «الماستر حسن» من الشخصيات المؤثرة في تاريخ سور اللواتية ومن جيل الرواد الذين ساهموا بكل ما لديهم من طاقة وعلم ومعرفة في تأسيس مدرسة أهلية لتعليم أبناء المجتمع، فقد كان معلماً في وقتٍ كان التعليم فيه نعمةٌ يتمنى الجميع التمتع بها، فلم يبخل على المجتمع بالتعليم والتربية معا، وهكذا فقط استحق لقبه (ماستر) بكل اقتدار رغم وجود معلمين آخرين لحقوه ولُقبوا أيضًا بنفس اللقب إلا أن هذا اللقب لم يرتبط بشخصية أخرى قدر ما ارتبط باسم الأستاذ حسن علي هاشم. شكّلت مهنة التدريس مورد الرزق الأساسي لماستر حسن، إلا أن شهرته كمدرس لجميع أطياف المجتمع في مطرح، نافستها شهرته ومبادراته في العمل التطوعي إلى حد الإخلاص والتفاني فيه دون مقابل بل خدمةً للناس وحباً لمساعدتهم بكل الوسائل الممكنة. والحقيقة لم أجد شخصية يتفق الجميع على شغفها بالعمل التطوعي وتمتعها بهذا القدر من المحبة والعطاء كشخصية الماستر حسن. فلم يخلو بيتٌ في سور اللواتية من مساعدة وخدمة الماستر حسن له كبارًا وصغارًا. ومن الأمور المثيرة أيضًا في مسيرة حياته عمله في وزارة الإعلام منذ ١٩٧٠ في دائرة المطبوعات والنشر بقسم الرقابة بدرجة رئيس قسم، كما عمل أيضًا في جريدة عمان في مجال التحرير اللغوي. تقاعد الماستر في فترة الثمانينات وللأسف لم يتم تقدير خدماته بل تم تهميشها حيث تم تحويله إلى دائرة الخدمات.

سافر «الماستر حسن» إلى عدة دول منها العراق وإيران للسياحة الدينية، مما ساهم في انفتاحه واطّلاعه وتواصله مع الفئات المتعلمة خاصة في الجانب الديني، ويبدو أنه تلقى جزءًا من تعليمه على يد السيد حسن المسقطي1 خلال إقامته القصيرة في عمان، وهو شقيق السيد حسين العالم تلك الشخصية المعروفة والمؤثرة في المجتمع. ويبدو أن الماستر حسن كان أيضا من تلاميذ المفكر جواد بن جعفر الخابوري2، الذي عاش في الفترة من ١٩١١-١٩٨٤ وقام بافتتاح مدرسته الأهلية عام ١٩٤٠. أما اللغة الانجليزية فيبدو أنها كانت بتعليم ذاتي بشكل أساسي، ومن المرجح أيضا أنه قد تعلمها من بعض الُمدرسين من الجنسية الهندية، والذين كانوا يقيمون في مطرح في تلك الفترة. ومعظم رواد المجتمع الذين قاموا بتأسيس وتطوير المدارس الأهلية في مطرح قد تتلمذوا على يدي الماستر حسن.

تزوج ماستر حسن في باكستان من الفاضلة ملوك غلام حسين رحمها الله، حيث سافر والد زوجته من عُمان للعمل في جوادر حيث كان مسؤولاً من قبل الدولة، وهناك توفيت والدة زوجته وهي في الثالثة من عمرها، فعاشت ونشأت في جوادر حتى عمر الثانية عشر أو الثالثة عشر، وبذلك فقد أتقنت زوجته اللغة البلوشية كما أتقنها الماستر حسن لاحقا، الى جانب تحدثه باللغة العربية،و اللغة الانجليزية و الأوردو والبلوشية وقليل من اللغة الفارسية. عادت زوجة الماستر حسن الى عمان في حين بقى والدها في جوادر لاستقرار أموره المعيشية فيها1 حتى بعد انفصال جوادر عن عُمان في عام 3١٩٥٧. رُزق ماستر حسن وملوك غلام بثلاث بنات (رباب وخديجة وبتول) وابن واحد (محمد علي).

«تميزت ولاية مطرح بنشاط مكثف للتعليم الأهلي منذ العام ١٩٥٢ حيث كان يوجد بها عدد من المدارس النظامية الخاصة ومنها مدرسة الأستاذ محمد بن جواد درويش ومدرسة الأستاذ جواد بن جعفر الخابوري ومدرسة الأستاذ باقر بن رمضان بن مراد» 4، وهذه المدارس سبقت تأسيس مدرسة الأستاذ حسن بن علي هاشم. وهناك بعض المدارس التي تأسست لاحقا أو تزامن وجودها مع مدرسة الماستر حسن مثل مدرسة كل من الأستاذ محمد علي بن تقي اللواتي، و الأستاذ عبدالله بن علي عبدالله آل محمد، والاستاذ قاسم بن عبدالله بن محمد اللواتي، والاستاذ عبدالرضا بن علي بن عبدالله. «وكانت هذه المدارس حاصلة على تصاريح من والي مطرح مع وجود اشراف حكومي عليها من قبل دائرة المعارف»5. «وتكونت مباني هذه المدارس من بيوت كان عدد الطلاب فيها يقارب ١٥٠ إلى ٣٠٠ طالب وطالبة في كل مدرسة، وكانت الدراسة على فترتين: الصباحية من الساعة الثامنة وحتى الثانية عشرة والنصف، ومسائية من الساعة الثالثة والنصف إلى الخامسة مساءً. وبعضها كانت تستغل فترة الليل لإعطاء دروس للموظفين والعاملين وبعض رجال الأعمال. واُستخدمت المناهج الدراسية من الهند للغة الانجليزية، والمناهج من لبنان ومصر للغة العربية إضافة إلى دروس القرآن الكريم والحساب والجغرافيا. واتبعت هذه المدارس نظام التقرير الأسبوعي بالدرجات، والذي يعتمده مدير المدرسة ويوضح مدى تقدم الطالب في المواد الدراسية. وكانت هذه الخدمة تقدم مقابل رسوم يدفعها الطلبة أما الطلبة من الفئات الفقيرة فكانوا يدفعون رسوما مخفضة»6.

تأسست مدرسة الماستر حسن – والتي كانت تقع في سوق مطرح القديم – عام 1945 واستمرت حتى عام 1975، أي حتى ما بعد التحاقه بالوظيفة الحكومية في وزارة الإعلام. قام الماستر حسن بتأسيس مدرسته في تلك الفترة التي غادر فيها المفكر والأستاذ جواد الخابوري، والأستاذ محمد جواد درويش سلطنة عُمان، وأصبحت مدرسة الماستر حسن المدرسة الوحيدة في الساحة، وقد ضمت مدرسته طلابا من مختلف الأطياف والقبائل العمانية مقارنةً بالمدارس الأخرى المحدودة من حيث العدد والتنوع. اهتم الماستر حسن بتدريس الطلاب اللغة العربية والانجليزية واللواتية أيضا كما يروي بعض طلابه. وبالنسبة لمنهج اللغة العربية فقد كان يعتمد سلسلة القراءة الرشيدة وسلسلة النحو الواضح من مصر، وأجزاء من المحفوظات من لبنان، وبالنسبة للغة الانجليزية فقد كانت مناهج الهند المعروفة بـ (Primar 1, Primar 2, Reader 1-3)، وهي المناهج نفسها التي كانت تُدرس في مدرسة جواد الخابوري ولكن قام الماستر حسن بإضافة الدروس الدينية إلى ما سبق.

أما عن جدوله المدرسي فقد كان الماستر حسن يقوم بتدريس الطلاب الأكبر سناً في فترة العصر، في حين خصص الفترة الصباحية لقضاء حوائج الناس، وبعض الطلاب كانوا يلجئون إليه لتلقي الدروس المسائية. وكان من عادته إذا غاب عن صفه في الفترة الصباحية لقضاء حوائج الناس أن يعين عريفا أو طالبا يكبر بقية الطلاب سناً ليقوم بتدريس الطلاب الأصغر. وحتى نهاية الخمسينيات كان عدد الطلاب في مدرسته كبيرًا، ولكنه بدأ بالتناقص مع وجود مدارس أخرى لينخفض العدد إلى ثلاثين طالب تقريبًا.

وعن أسلوبه في التدريس فإن طلابه يذكرون جيدًا كم ألهبتهم سياط الماستر حسن. فرغم طيبة قلبه وحنّوه على تلاميذه إلى الحدّ الذي كان يطعمهم من الغذاء في منزله وربما ترك أطفاله بذلك بلا طعام، إلا أنه كان شديد القسوة والعقاب في المدرسة، وهو بذلك لم يشذ عن أغلب جيله من المدرسين، والمنهج التربوي القديم الذي كان يرى في العقاب وسيلة للتربية والتأديب. فالآباء أنفسهم مثلاً كانوا يأتون اليه ويطلبون منه أن يؤدب أبناءهم خاصة المشاغبين منهم وكانوا يقولون له ما معناه (ابقي لي من الولد العينين فقط) بمعنى عاقبه كما تريد واضربه بكل قوة حتى لا يبقى منه الا العينين فقط ! ومن الحوادث الطريفة التي يذكرها أحد طلابه مصطفى محمد الحاج علي: كان الماستر حسن يأخذني إلى بيته أنا واخي حسن في فترة الظهر بعد المدرسة، فلا يتركنا نخرج من بيته وكنا من شدة خشيتنا منه نبكي للذهاب إلى المنزل وننتظر حتى تأتي والدتنا لتأخذنا ولكنه كان كريما جدًا فلا يتركنا دون أن يُطعمنا وجبة الغذاء.

تميز الماستر حسن في مدرسته بعدة ميزات لم تكن موجودة في المدارس السابقة، وأول هذه المميزات أنه أضاف إلى المناهج المعتادة التي كان يُدّرسها الأستاذ جواد خابوري منهج الدروس الدينية، فدّرس أحكام الصلاة والصوم وبعض أحكام الفقه والشريعة، إلى جانب إضافته للبعد الأدبي لهذا المنهج فقد أدخل» القصص الإسلامية التي غدت أسلوبا في المدارس الأهلية اللاحقة في مطرح، حيث أن هذه القصص أخذت حيزًا في مناهج التدريس وكانت تشكل أساسًا تعليميًا مستحدثًا 7“.

والميزة الثانية لمدرسته أنه أول من فتح أبوابها للفتيات فكانت مدرسته مشتركةٌ بين الذكور واﻹناث، ورغم أن بعض المدرسين حذو حذوه إلا أن عدد الملتحقات من الفتيات كان محدودًا مقارنة بالطالبات في مدرسة الماستر حسن. وتُعد هذه الخطوة في فتح باب التعليم للفتيات شيئًا خارجاً عن العادات في تلك الفترة التي سبقت تأسيس المدارس الحكومية، لكنها تدل على مدى انفتاح الماستر حسن وحبه لنشر العلم، ولعل ذلك يمكن تفسيره أيضا بشخصية ماستر حسن الأبوية والأسرية والوطيدة الصلة بأفراد عائلته من النساء. ويضيف علي محمد سلطان إنه مع تباشير النهضة كان «العدد الأكبر من الملتحقات بالمدارس الحكومية من طالبات مدرسة الماستر حسن وكنّ في سنٍ يسمح لهن أن يتقدمن في الصفوف وهذا دليل أنهن كنّ قد قطعن شوطا مناسبا من التعليم في أروقة مدرسته “8. أما الميزة الثالثة التي تميزت بها مدرسة ماستر حسن هي أن مدرسته كانت الوحيدة التي اهتمت بما تطور لاحقًا إلى المقصف المدرسي، حيث كان الطالب في مدرسته يجد أنواع الفواكه كالأمبا (المانجو) والبيذام و الحلويات والشكولاته بل والقصص والكتب والدفاتر معروضة للبيع9.

اشتهر الماستر حسن باهتمامه وشغفه بالأدب الحسيني بشكل عام، وعُرف بأدائه المنبري المتميز لعدد من القصائد الرثائية ( النوحيات)10 إلى جانب فنون خطابية أخرى، يُعد بعضها من ميزات الأدب الحسيني في منطقة مطرح فقط كـ(المرشا) 11 في حين أن بعضها كـ(الفخري)12 له ما يماثله في الأدب الحسيني في بعض البلدان العربية الأخرى. وكان يؤدي أدواره هذه في البداية في حسينية (البحارنة) في مسقط، وكان لا يتوانى عن سد الفراغ اذا ما غاب الخطيب أو القارئ الأساسي عن الحضور. امتلك الماستر حسن صوتاً جهورياً مؤثراً وملهباً للحماس خاصة وأن لغته العربية كانت صحيحة النطق ومخارج الحروف لديه واضحة. ومن القصائد التي ارتبطت باسمه وأدائه، قصيدةً للشريف الرضي (كربلاء لا زلت كربا وبلاء.. ما لقي عندك آل المصطفى) 13، و قصيدةً أخرى للدمستاني14 هي (زينبٌ تبكي تنادي.. الوداع الوداع) وهي القصيدة الأساسية التي كانت تُؤدى في ذكرى وفاة الإمام الحسين بن علي، وفي آخر سنتين من حياته لم يتمكن من أدائها بسبب ظروفه الصحية وكان تأثره بذلك كبيرًا حيث ارتبط أداء هذه القصيدة به طوال حياته.

أيضًا كان الماستر حسن بإشرافه على أمور خطباء الدين الذين كانوا يأتون في زيارات متفرقة إلى عُمان في شهور رمضان ومحرم وصفر، واهتمامه المستمر بالتحاور معهم أحد أهم الأشخاص المؤثرين في أنشطة الشعائر الدينية، كما كان مبادرا في التواصل والكرم الاجتماعي معهم فكانت زوجته المضيافة تتكفل باعداد الطعام للخطباء حيث كانت العادة أن يجلسوا لتناوله في مجلس المرحوم عبدالله سليمان صالح.

لم يقتصر اسهام الماستر حسن في أداء النوحيات والمناسبات الحزينة فقط بل كان مبدعًا أيضًا في الجلوات والمناسبات السعيدة خاصة في الغزليات بل ربما الأول في تأسيسها حسب ما يذكر علي محمد سلطان 15. والجلوات عبارة عن قصائد ملحنة تتفاوت مواضيعها بين الغزل العفيف وإظهار السعادة أو بعض الفكاهة أو التأكيد على حب أهل البيت وحلاوة التعلق بهم وتؤدى في المناسبات السعيدة مثل الاحتفالات الدينية كمولد النبي والأئمة الأطهار أو في حفلات الأعراس في محافل الرجال والنساء. وقد يصاحبها الدف أو التصفيق حسب عادات المجتمع. ويروي علي محمد سلطان كيف أن ماستر حسن كان يلهب الساحات المقامة للأعراس في وسط السور وفي مواقع الاحتفالات على وقع قصائد جميلة مثل:
«ليلة ليلى بوصل العود
ذاك نديمي وهذا عودي
سكر بالبدر لما تم
وجه حبيبي صفات جما
من ثم يضيف أبياتًا من عنده وبالفارسية حتى يعطي الاحتفالات نكهة ومذاقًا
إني مطيع بما قد أمروا
(بلاهي جشمون أكر فرمودي) جملة فارسية
فيصيح الوسط ويلتهب على أنغام سحر الغزليات ويعلو الصوت بـمليح
ويأتيه الرد
سكر
من شباب يرددون على صداه»16

كانت المهام الإدارية للحكومة العمانية قبل النهضة في زمن السلطان سعيد بن تيمور بسيطة، حيث كان يؤدي المهام الرسمية في مطرح الوالي إسماعيل الرصاصي. وفي العادة كان المواطنين يلجئون إلى من يجيد القراءة والكتاب ليكتب لهم رسائل أو التماسات بطلباتهم للحكومة. سُميت هذه الرسائل بالعريضة وعُرفت بـ(آرجي) باللغة اللواتية. كان الماستر حسن يساعد الناس في إعداد وكتابة مثل هذه الرسائل التي كانت ترجو من المسئول أو تطلب منه الأذن ببناء منزل أو طلب السفر للعلاج إلى الهند مثلا أو طلبات أخرى. ومن الأعمال التطوعية التي كان يؤديها الماستر حسن بكل شغف معاونة المرضى حيث كان يقوم بتوصيلهم إلى للمستشفيات، خاصة المقعدين والنساء العجائز والحوامل ومن ليس له معيل. ولم يكن يثنيه عن ذلك ليلٌ أو نهار، فيقوم بهذه المساعدات بكل حماس وطيب خاطر، بل أحيانا كان يأتي بالطبيب إلى منازل المرضى. وكان حلقة الوصل بين المريض والطبيب فيشرح حالة المريض للطبيب توماس ومساعديه والتي في ضوئها يتم التشخيص من ثم العلاج.17
«وكان يأخذ الصبيان في مجموعات لعمليات الختان، فيجرى الختان للطفل وهو في سن السابعة أو العاشرة ويبقى بجانبه حتى يتم ترخيص الطفل فيوصله لأهله سالمًا مختنًا ومعه الحلوى في (الظرف) وهو وعاء من الخوص يوضع فيه الحلوى العمانية ويهديه للطفل والابتسامة تعلو محياه بأنه أدى عملا مرضيا للرب”18. ومن هنا تتضح لنا معالم هذه الشخصية التي وظفت علمها وسعة قلبها وتواضعها في خدمة الجميع داخل السور، معطيا بذلك صورة نادرة من صور التكافل الاجتماعي والاهتمام بالآخرين.
ومن الأمثلة على تفانيه وسهره من أجل متابعة أمور الآخرين كما يذكر علي محمد سلطان في مذكراته أنه ذكر له يوما أن والد صهره محمد رضا محمد سعيد قد توفي في غلاء عام ١٩٤٨وقد جاءت أخباره بعد ساعتين من الوفاة وكان الوقت ليلا. يروي الماستر حسن أنه فور وصول الخبر لأهله في مطرح حاول أن يستقل سيارةً إلى غلاء لتحضير الجثمان وإجراء مراسيم الدفن وحيث أن الوقت كان ليلا و السيارات غير متوفرة في تلك الفترة لدى الجميع إلى جانب بعد المسافة من حيث وعورة الطريق فإنه ذهب فورا لبيت الفاضل (جل محمد) الذي كان يعد واحدًا من أربعة أشخاص لديهم السيارة في كل مدينة مطرح واستقل السيارة وجاء بالجثمان وقد اصطحب معه في رحلته شخصًا واحدًا هو الحاج موسى حسن الحاج حسن الجمالاني ومع ساعات الصباح تم مواراة الجثمان بعد إجراء مراسيم الدفن والتشييع.

كان الماستر حسن يحب الأطفال، يتواضع ويتصابى معهم وهذا يفسر لماذا كان يصطحب الأطفال إلى منزله بعد المدرسة، فالقسوة والعقاب في المدرسة كانت من أجل التعليم، ولكن الجانب العطوف الحنون كان يتجلى في اصطحابه لأطفال مدرسته إلى المنزل مع عائلته فلا يتركهم إلا وقد تناولوا طعام الغذاء. ورغم انشغال الماستر حسن بالتعليم وأعمال التطوع والتواصل مع الناس الا أنه كانت له شخصية أسرية محبة للتواصل والالتقاء بأفراد أسرته، وبعد تقاعده أصبح الماستر حسن أكثر تعلقا بعائلته، فكان يتصل ببناته مثلا ويطلب منهن أن يحضرن لتناول العشاء معه، وحتى في سفره إلى خارج البلاد لأداء العمرة مثلا فقد كان يفضل أن يكون برفقة أبنائه. اتصف الماستر حسن بروحه الشابة والبشوشة، وكما تقول ابنته «كان يسأل عن أحوال صديقاتي ويتبادل معهن الأحاديث، وكثير التواصل مع الناس من خارج وداخل المجتمع. ودائما يتفقد أحوالهم ويسأل عنهم». كانت لديه أيضا رفقة من الأصدقاء الذين يتجمعون بشكل دوري وأحيانا في أحد المزارع فيتبادلون الأحاديث ويلعبون ما كان شائعًا في تلك الفترة من ألعاب التسلية والترفيه، ولم يبقى من هذه المجموعة التي كانت تتكون من ٢٨ شخصا إلا ٤ أشخاص تقريبًا على قيد الحياة.

من النوادر التي يحكيها محمد علي سلطان في مذكراته المنشورة على الفيسبوك 19 أن أحد الخياطين المهمين في تلك الفترة وهو علي ابراهيم الميمني المعروف بـ(علي برم) كان قد تخصص في خياطة السترات (الكوت) وقد قام بخياطة سترة للأستاذ حسن و كان من المفروض أن يسلمها جاهزة في وقت المساء بمناسبة ١٥ شعبان 20، وصادف أن ذراع السترة (الكوت) احترق بالمكوى فقام الخياط بقطع الذراع الثانية للسترة وساوى بين الذراعين بعد تعديلهما وغلف السترة وسلمها لماستر حسن وأغلق المحل على عجل، أخذ ماستر حسن السترة وفي الطريق اراد أن يقيسها فوجد أن السترة مفقودة الذراعين فاسرع للمحل ليجده مغلقا فيما علي برم يسرع الخطى نحو مجلس الشباب حيث يقيم، والتقيا في الطريق وقبل أن يقوم الماستر حسن بتوبيخه قال له علي برم ان السترة التي في يدك قد تعبت في خياطتها ولم اعمل لغيرك مثلها فهي new design، ومبروك عليك السترة لاني اهديك اياها مجانا فتركه ماستر وشأنه.

المصادر:

١- لقاء مع بتول حسن ماستر ومشتاق موسى اللواتي، عام ٢٠١٣
٢- لقاء مع مصطفى محمد الحاج علي، عام ٢٠١٣
٣- مذكرات علي محمد سلطان الزعابي التوثيقية لسور اللواتيا واحداثها في الفيسبوك بعنوان (من ذاكرة الأيام) المدارس الأهلية (٥) يوليو ٢٠١٥
https:/‏‏/‏‏www.facebook.com/‏‏zairali.alzaabi?fref=ts
٤- وزارة التربية والتعليم، نهضة التعليم في سلطنة عمان: وعد يتحقق، ٢٠٠٢
٧- لقاء مع حسن سعيد اللواتي. ديسمبر ٢٠١٥
الشكر الجزيل للأخ الفاضل مشتاق موسى اللواتي على مراجعته وتعليقاته على مسودة المقال.

الهوامش:

1-السيد حسن المسقطي هو عالم الدين العراقي السيد حسن ابن السيد اسد الله الموسوي والذي عُرف بالمسقطي بعد مجيئه إلى مسقط من العراق في أوائل الثلاثينات من القرن العشرين، وذلك بناءً على طلب قبيلة اللواتية في مطرح، وذلك ليرشد الناس في أمور الدين. لكن إقامته لم تستمر طويلا في عُمان، حيث قام بدعوة أخاه الأصغر العلاّمة السيد حسين العالم للقدوم إلى مسقط حتى يحل محله وقد استمرت إقامة السيد العالم لسنوات طويلة في عمان حيث توفي ودفن في مطرح، وكان له التأثير الكبير على الوعي والثقافة الدينية داخل المجتمع. من كتاب (قدوة الفقهاء والعارفين: السيد حسين العالم ابن أسد الله الموسوي، تأليف: تقي حسين الموسوي، دار المحجة البيضاء، ٢٠٠٧، بيروت).
2- هو المفكر العماني جواد بن جعفر اللواتي الخابوري الذي عاش في الفترة من 1911 إلى 1984 وهو أديب ومفكر كان له دورٌ كبير في التعليم والفكر والأدب، افتتح مدرسة خاصة عام 1940 يعلم فيها الشباب والنشء، ثم عمل معلماً في المدرسة السعيدية ثم معلماً في الهند ثم معلماً في باكستان. ألف عدداً من الكتب كان أبرزها كتاب (الأدوار العمانية في شبه القارة الهندية) من مقال (قراءة في أعمال جواد الخابوري.. نشأةً وفكرًا، جريدة عمان، يونيو 16, 2015 ).
3- سياسيًا كان لسلطنة عمان في العصر الحديث مركزان أولهم في شرق افريقيا ومركزه زنجبار، وثانيهما في بلوشستان ومركزه جوادر». من كتاب (التعددية الثقافية في عُمان: مرتكزاتها وإشكالاتها. خالد البلوشي. الاصدار ٢٨، أكتوبر ٢٠١٥، عُمان، ص ٩).
4- (وزارة التربية والتعليم، نهضة التعليم في سلطنة عمان: وعد يتحقق، ٢٠٠٢ ص ٣٤).
5- المصدر السابق، ص٣٥
6- المصدر السابق، ص٣٥
7- مذكرات علي محمد سلطان الزعابي التوثيقية لسور اللواتيا واحداثها في الفيسبوك بعنوان (من ذاكرة الأيام) المدارس الأهلية (٥) يوليو ٢٠١٥
8- المصدر السابق
9- المصدر السابق
10- أدب النوحيات أو اللطميات أدبٌ رفيع، عُرف في أوساط الشيعة، الذين يحرصون على إقامة المناسبات الرثائية والتأبينية وإحياء ذكرى النبي (صلى الله عليه وسلم) وأهل بيته عليهم السلام. وأدب النوحيات أو اللطميات عبارة عن قصائد شعرية شجية، مشحونة بالعاطفة القوية، إلى جانب رقة وبلاغة وجمال كلماتها ومعانيها ومضامينها. والنوحيات جمع مفردها نوحية. أمامة، اللواتي، أدب النوحيات، ٢٠٠٩، http:/‏‏/‏‏noqoosh.blogspot.com/‏‏search/‏‏label/‏‏أدب%20النوحيات..%20الأدب%20المغمور
11- أغلب الظن أن كلمة المرشا حُورت من كلمة مرثية. فهي مرثية مرثا مرشا، والمرثية كما في معجم المعاني «المرثية: المرثاة، ما يُرثى به الميت من شعرٍ وغيره وتتضمن ذكر الميت وصفاته الحميدة والبكاء له».
12- يبدو أن تسمية (فخري) تعود في أصلها الى كتاب (المُنتخب في جمع المراثي والخُطب المُشتهر بـ(مُنتخب الطريحي) أو (الفخري) من تأليف المُصنف الشيخ فخر الدين الطريحي النجفي المتوفى سنة ١٠٨٥.

المصدر: جريدة عُمان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى