الأفق الإجتماعي

«سوق مطرح» ذاكرة الماضي تصافح الحداثة

Hits: 18

زهرة الخليج -إشراقة النور – اليوم

يقف «سوق مطرح» في مسقط عاصمة سلطنة عمان محتضناً تاريخ المدينة، وشاهداً على كل ذكريات البحارة والميناء الشامخ من عقود مضت، حاملاً بين كفيه 200 عام من إيقاع المقاهي ومرتاديها، ومتزيناً بثوبه الشعبي التراثي الأنيق، محتضناً حركة الباعة المليئة بالحياة المحلية الصاخبة، وها هو يقدم اليوم أفضل مثال للتعايش بين الحداثة والتقاليد، إذ يطل على الحياة المعاصرة معتقاً بسحر العصور القديمة وجاذبيتها وألقها الذي لا يخبأ.

أقدم الأسواق

تعود نشأة «سوق مطرح» إلى قرنين من الزمان، ويعتبر من أقدم الأسواق في العالم العربي والمطلة على أكبر الموانئ البحرية في المنطقة، وهذا ما دعم أهمية السوق الجغرافية عبر القرون حتى يومنا هذا، كمحطة محورية هامة للتجارة والتبادل والترفيه والتفاعل الاجتماعي، ويقع بين بوابتين، الأولى تواجه بحر عُمان وطريق مطرح البحري، وينتهي ببوابة أخرى على المدينة القديمة من الجانب الذي تستقبل منه زوارها القادمين من غالبية القرى والمدن العمانية، ولا يمكن رؤية السوق من الخارج. إذ يمتد عميقا داخل المدينة وظل منذ عقود طويلة خاصة في فترة الستينيات، مصدراً للتموين لأهل البلد حيث يمكنهم شراء احتياجات متطلبات حياتهم البسيطة.

سوق الظلام

على نمط الأسواق التقليدية الشرقية العتيقة يتميز «سوق مطرح» بأزقته المتعرجة، وكثرة سككه المزدحمة بالأكشاك، وممراته المسقوفة بالخشب والمتاجر المصطفة التي لا تسمح لأشعة الشمس بالتسلل خلال النهار، ما يضطر بعض المتسوقين إلى استخدام مصابيح لإلقاء الضوء على وجهتهم. وقد أطلق عليه العمانيون مسمى (سوق الظلام)، وتحديداً تطلق هذه التسمية على الجزء الذي يمتد من مسجد الرسول الأعظم إلى خور بمبة، وهناك تسمية أخرى لهذا السوق بشقيه الغربي والشرقي التي تفصل بينهما فتحة خور بمبة، وهي السوق الصغير والسوق الكبير، وسوق الظلام هو السوق الصغير، أما السوق الكبير فهو سوق الجملة.

عمارة وموازيك

صمد «سوق مطرح» على مدار عقود كثيرة أمام التغيرات الطبيعية وعاديات الزمن وبعض الحرائق ولكن لا يزال محتفظا برونقه العريق ولم تفقده الترميمات الحديثة بُعده الجمالي الذي طالما تميز به، وكان السوق في السابق مبنياً من الطين وسعف النخيل، أما أسقفه فهي مزينة بزخارف مستوحاة من التراث العُماني العريق، وقد دخلته أيدي الحداثة بالأعمال التجملية المختلفة مثل تبليط طرقاته وسككه وأزقته، وقد تم بناء السلالم أمام المحال بأشكال هندسية وأقواس عمانية تستلهم الشكل القديم، وتوحد المنظر العام. لكن أكثر ما يلفت في «سوق مطرح» تلك النقوش الجميلة التي زينت بها أسقف السوق، والأحجار الصغيرة المصفوفة بعناية، ليبدو السقف كلوحة باهرة من الموزاييك التي استلهمت من التراث العماني ملامحها، فيما أعطت السوق بعدا فنيا، وعنصرا جاذبا للسياح الأجانب الذين يجدون فيها أصالة وجمال العمارة الشرقية.

أقسام وبضائع

يحوي «سوق مطرح» مجموعة نابضة بالحياة وصاخبة من الأكشاك الملونة، ومئات المحلات التي تبيع مختلف السلع؛ كالتحف والهدايا وغيرها من البضائع، إضافة للمنتجات المحلية مثل الفواكه والخضروات والمنسوجات والتمور، كانت هناك سلع مستوردة أيضاً. يبيع السوق المنسوجات والملابس الجاهزة والحلي والأنابيب والفخار ومنتجات الحرف اليدوية. والهدايا التذكارية مثل الخنجر وأواني القهوة والمجوهرات البدوية والملابس (الدشداش والكوماس) (القبعات) والمسار (العمامة) والخنجر للرجال، الدشداش والسروال (البنطال) واللحاف (الشال) للنساء.

بخور وعطور

رائحة بخور اللبان هي أول ما يرحب بأنفاس زائري «سوق مطرح» ومنذ اللحظات الأولى لوصولهم حيث يطلق على عُمان (أرض اللبان) بسبب إنتاجها الغزير منه، والذي يستخدم في صناعة العطور والروائح وقد تم تداوله في شبه الجزيرة العربية لأكثر من 6000 سنة. ويقصده السياح خصيصا للتزود بأجود الأنواع من البخور واللبان والعطور الشرقية وغيرها، ويمكن تمييز بضائع «سوق مطرح» بالتفرد عن الأسواق الأخرى حيث لا يمكن أن نجدها في الأسواق الحديثة.

سوق النساء.. والعطارين

يحوي «سوق مطرح» أقساما متعددة كسوق الشجيعية وهو مبنى مخصص لمحلات الخياطة وبيع المنتجات، وسوق الصاغة الذي يختص ببيع الذهب والفضيات ومختلف الحلي، إلى جانب «سوق النساء» وهو السوق المخصص لبيع الملابس والأقمشة والمقتنيات النسائية، فضلاً عن سوق «خور بمبة» وهو السوق العام الممتد من بوابة خور بمبة إلى بوابة مطرح (الدروازة). وكذلك «سوق العطارين» الذي يباع فيه البخور والعطور واللبان والفخاريات العمانية.

تحف وملابس

ويمتلئ «سوق مطرح» بالتحف التي يعود تاريخها إلى سنوات عديدة. حيث تتدلى من سقوف المحلات مئات القطع الفريدة من الحلي والقطع التراثية بشكل مذهل وهو يتميز بتنوع معروضاته سواءً من المشغولات اليدوية كالفضيات والخناجر والأقمشة التقليدية وما بين الحديث من الملابس والأحذية وغيرها، هذا بالإضافة إلى الحلوى العُمانية الشهيرة، والبهارات المتنوعة، والمجامر (الوعاء الذي يحرق فيه البخور أو اللبان)، وكثيراً من الفضيات والحلي النسائية التراثية، بالفضيات وأصناف الأسلحة التقليدية العمانية، لكنها لاتزال موجودة في السوق تحكي عن تاريخ وتراث وحضارة لم تطفئ وهجها السنين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى