الأفق الإجتماعي

من يمشي في مطرح؟

Hits: 11

أميرة الشحية – الوطن

عندما ينفرط إيقاع الحياة، أقصد مطرح لأمشي دون وجهة، أمارس ترف انتشال ذاتي بين أزقتها الضيقة، إلى أن أصطدم بسور اللواتيا، والذي تطوقه واجهات بيضاء، حفظتها عن ظهر قلبٍ وأنا أمسح مواضع الضرر المحدقة بها كأحد مشروعاتي الدراسية. يعود نظام السور إلى فتراتٍ قديمةٍ من استيطان البشر، وفي بعض المحافظات الشمالية بالسلطنة لا تسمى أسواراً بل أسراراً. لقد خلّف تقييد الحركة في مطرح ـ مطلع إبريل من هذا العام – مساحةً هائلةً من الحنين؛ كانت كفيلةً لأدرك تهكمية أمي حين تقول، لابد وأن حبلك السري قد قطع في مطرح.

وجد السوق طريقه إلى حياة البشر منذ العصور القديمة بأشكالٍ مختلفةٍ بدءًا من الأغوار القديمة في اليونان، وانتهاء بمراكز التسوق المعولمة الحديثة. إلا أن الأسواق التقليدية في شبه الجزيرة العربية ما تزال تحتفظ بدورها كنقاطٍ محوريةٍ رئيسية ٍللتجارة. ويعد سوق مطرح واحداً من هذه الأسواق الإقليمية الدائمة، متموضعاً في قلب المدينة القديمة، ويغطي مساحة حوالي 51.200 متر مربع ممتداً بعمق ضمن النسيج العمراني للمكان.

بعد تولي المغفور له بإذن الله تعالى السلطان قابوس بن سعيد ـ طيب الله ثراه ـ مقاليد الحكم، شهدت العاصمة مسقط تطويراً سريعاً للبنية التحتية ما أدى بدوره إلى نمو اقتصادٍ نشطٍ. ونظراً للتركيز على تطوير البلاد، فقد كانت أجزاء المدينة القديمة بما في ذلك سوق مطرح تتعرض لخطر الاندثار. على الرغم من ذلك، واجه هذا ردوداً من السلطات المحلية لتحسين الظروف المتدهورة، فأولت الحكومة مزيداً الاهتمام بالقيم المعمارية والجمالية والعمرانية للسوق. حيث استبدلت الأسقف بمواد متينةٍ وغير قابلةٍ للاشتعال، أعيد تشكيل أجزاء من السوق، وحددت ثلاثة مداخل رئيسيةٍ، لتخلق بذلك فضاءاتٍ حضرية. بعضها كان ساحاتٍ مفتوحةً على السماء عند المداخل الرئيسية وأخرى محاطةٌ بالنسيج العمراني للسوق(1).

تضيء عهود الميمنية ثلاثة فضاءاتٍ في سوق مطرح، لتجيب في دراستها عن سؤال… من يمشي في السوق؟ ترصد بذلك الجوانب المكانية والاجتماعية والثقافية للسوق. تعمق دراستها نظرتنا للتجربة المكانية لمن يمشون في تلك الفضاءات برسم خرائط سلوكيةٍ للعابرين، أين يجتمعون؟ كيف ينسابون عبر ممرات السوق؟ متى يتوقفون؟ يمثل كل فضاء جزءًا من الثقافة والتاريخ وله روحه الخاصة؛ حيث نبدأ بواجهةٍ بحريةٍ بيضاء، تستقبل السائح القادم من البحر. بينما لا يسائل السوق نفسه، تضفي الصين لمستها على محلات بيع التذكارات التراثية المستنسخة.

في زمن مضى خبأ هذا السور عيونا تحرس المدينة ضد البرتغاليين. فيما تحول البرج الدفاعي اليوم إلى مقهى تصدح فيه فيروز. يجمع الفضاء الثاني كل من يمشون تحت كوةٍ زجاجيةٍ تسمح بولوج كميةٍ بسيطةٍ من الضوء الطبيعي من السقف، مع ضوءٍ صناعي من المحلات التجارية المحيطة، ليكتمل المشهد بإضاءةٍ دراميةٍ ترسم حالةً من الحميمية في السوق، ومن ثم يبعثهم نحو تفرعات السوق المظلمة. ليستريحوا أخيراً في الفضاء الثالث عند المدخل الجنوبي الذي يوفر أماكن للجلوس، مشكلاً بذلك صلة بالأحياء المحيطة والتجمعات اليومية.

على الرغم من شمولية هذه المساحات اجتماعيًا، تطغى أعدادٌ ملحوظةٌ من السكان ذوي الدخل المنخفض والمتوسط. تخبرنا الخرائط السلوكية للفضاءات الثلاثة أن السوق ينتعش مساء بزواره، ويفضل السياح استخدام الواجهة البحرية للدخول إلى السوق نظراً لتوفر المواصلات، ولك أن ـ تعرف الغريب دائماً من مشيته البطيئة، قادماً من جهة البحر. ذات صدفةٍ كونيةٍ التقيت بمعلمة اللغة الفرنسية في أحد أزقة الحارة الخلفية وسألتها ما الذي ساقها الى هذا الزقاق، فقالت لي إن السياح هم من يستخدمون بوابة البحر، أما انا منكم وأعرف المكان.

سَألَت فخرية اليحيائية ذات السؤال في عملها المعنون بــ” انعكاس”. حيث وثقت فيه حركة أرجل المارة في سوق مطرح. ثبتت كاميرات فيديو في أرصفة السوق ومداخله ورصدت الأرجل التي تعبر. يمثل هذا العمل الحداثي نظرةً جديدةً للبعدين الزماني والمكاني لفضاء السوق، هل انعكست قصة من يمشي؟ في “انعكاس” تصور الفنانة عدداً هائلاً من الخطوات السارية على أرضية السوق المبللة، لكل خطوةٍ فضاءٌ، وهويةٌ، ومدى. فيما تستعمر النساء السوق، تنعكس أرجل السائحين الشاردة، أرجل من يستظهرون المكان كقصيدة، أرجلٌ سمراء وصنادلٌ جلديةٌ أنهكها السعي. إن ثيمة طبعات الأقدام تأتي في الفنون القديمة كمعادلٍ لاسم الشخص وتفسر كنوعٍ من بسط السيادة وحيازة المكان. وضع رجله في المكان فطوقه وامتلكه.

____________

Bibliography
Ahood Abdullah Al-Maimani &Ashraf M. Salama& Fodil Fadli. (2014). Exploring Socio-spatial Aspects of Traditional Souqs: The Case of Souq Mutrah, Oman. International Journal of Architectural Research, 8(1):50-65.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى