د. علي بن محمد بن سلطانكُتاب المقالات

حتى لا ننساه: حسين أسد الله الموسوي ( السيد العالم)

Hits: 17

د علي محمد سلطان

عالم رباني جليل عاش في مطرح مع الثلاثينيات من القرن الماضي حتى وافته المنية عام 1983.

تصدى للفتيا والإصلاح وبذل النصح والإرشاد وعلم الأجيال اللغة العربية وتخرج على يديه النشئ الصاعد.

كان إنسانا بمعنى الإنسانية وقدم المال والخير للفقراء والمعوزين وفتح بابه لكل محتاج وجال في الأسواق يبحث عن محتاج هنا وآخر هنالك حتى يسد جوعتهم ويروي ظمأهم.

السيد حسين أسد الله الموسوي تربى على أيدي أهل العلم والتقوى في النجف الأشرف وقم المقدسة فكان نتاج أعظم حوزات إنتهل منها معين أهل البيت عليهم السلام.

كنا نشاهده وهو على حالة ضعفه وكبر سنه يتقدم ليؤم المصلين وقد سندت له وسادة الفتيا في المسجد الكبير الذي هو اليوم تحت مسمى مسجد الرسول الأعظم ص فلم يشطح ولم يفتي بغير علم ولم تغره الكثرة من حوله أو قوة مال طرف ووجاهة آخر فالتزم العدل بين الناس متى ما حكموه عند النزاع أو إستئنسوه في الرأي والمشورة لاسيما في المواريث والأنصبة ( قصته عن التاجر البخيل ومع ورثته مشهورة وقد كتب إبنه حسن عنها بصورة رمزية وهي قصة حقيقية)
فقد وقف منها السيد العالم موقفا مشرفا عارضا الضغوطات جانبا مقابل رضا الله سبحانه.

شخصية جامعة تدور حوله الشخصيات المطرحية تنتهل من علمه و تستقي من ينابيع فيوضه فكان أستاذا ومعلما وموجها وأبا رحيما وحصنا حصينا.

مهامه الدينية والإجتماعية لم تشغله عن ذكر الله فيسرج الفانوس في جنح الليل البهيم ويقف خاشعا بين يدي الله في محراب صلاته يسبح في ملكوته متنفلا ومرتلا للذكر الحكيم على خطى جده الإمام علي عليه السلام والذي كان يتململ تململ السليم ويبكي ( آه من قلة الزاد وبعد السفر ووحشة الطريق)

ومتى ما ينبلج النور ويتنفس وجه الصبح فإن مجلسه كان يغدو مسرحا للغادين من محتاج ومستفسر ومستخير ومستنصح وزائر قطع مسافات مستفتيا.

كان يتابع شؤون الضعفة من الخلق كما وأنه كان يتابع ما يحصل في دنيا الناس من أحداث ويوجه من حَوله بما ينفعهم وذكر لي إبنه حسن أنه كان حريصا أشد الحرص على عدم السرف لاسيما في الظروف الصعبة فيوجه أبناءه بالإقتداء بحالات الضعفاء ومتى ما وجد حبة من بر أو فُتات من خبز على سفرة طعام ويُراد للسماط بأن يُرفع فإنه كان يأمر بأن تُؤكل هذه الحبة وتلك الكسرة من الخبز على أن تُرمى وهناك من لاطعم له بالقرص ولا عهد له بالشبع.

يقول إبنه أنه سمع من والده نصيحة بمثابة تأنيب بأن في ليينغراد ( مدينة عملاقة في روسيا) التي كانت مضروبة بحصار فهناك حالات من الجوع وعلينا أن لانهدر الثروة حتى على مستوى حبة من خردل فإن المحافظة على النعمة مانعة لزوالها.

وقد جالست إبنته السيدة معصومة قبل سنة ونيف شهور وقد اغرورقت عيناها من الدمع وهي تتذكر أيام والدها فقالت:

لم يكن يُفرق بين أبنائه وكان يلازم العدل بينهم في العطاء ويقرب البنات على الصبية في لحظات التي يحتاج فيها إلى دفئ العاطفة عند قسوة الحياة.

واستطردت بأن السيد العالم كان حنونا ويلاطف أبناءه وكثيرا ما كان يجمعهم مع ساعات المساء ويحكي لهم القصص والطرائف فأريحته كان معهودة حتى في أحلك الظروف وكان يخصص لهم الوقت ويعلمهم يوم أن كان التعليم شحيحا.

أما إبنه تقي الذي تجمعني وإياه علاقة تلميذ باستاذه فقد ذكر لي قصصا عن والده قلما سمعته من إبن عن والده فكان يقول أنه كان يتابع أدق أخبار الدنيا وكان أشد الحرص على تتبع شؤون الضعفة من الخلق وينصح بالتواصل والبر وأهم ما ذكر أنه والده كان عرفانيا ويمارس الرياضات الروحية منحته هذه الرياضة فراسة وقد ارتقت به هذه الرياضة بأن لايكترث بالدنيا وبهارجها ومن قصصه بأن السلطان سعيد إبن تيمور حينما منح له الأرض لدار سكناه عند بيت البرندة وهو البيت الذي عرفه الناس بتواجده فيه وهو مجمع العلماء والناس والأهل والأقارب ردحا من الزمن فإن قصة منحه له هذه الأرض لاتخلو من دروس.

فالسيد العالم عندما جاء إلى عمان قادما من النجف الأشرف في الثلاثيتيات من القرن الماضي فإنه قد إستقر في عمان على أثر أخيه حسن بعد ارتحاله إلى الهند.

وأول ما سكن في الخط البحري في بيت صغير فضاق به المقام مع تكاثر الوُلد وصعوبة وضع المرحاض ( السنداس) فجاءته المنحة من السلطان سعيد إبن تيمور بالأرض وترخيص البناء بأن يبني كيفما أراد مع حفر البئر في داخل الليوان من البيت ومثل هذه المنح لم تكن لتُمنح إلا في حالات قليلة ولعلها الحالة الأولى تحصل في وقتها في مطرح.
السيد تقبل هذه المنحة وقدر في السلطان سعيد بن تيمور هذه اللفتة المباركة لكنه أقام صرح البناء بمقتضى حاله واحتياجه وكان بمقدوه أن يبني بأكثر مما قد بناه لكنه آثر أن يكون في مستوى عوام الناس ومحيطه مكتفيا بحفر البئر التي كانت تغذي بيوت الجيران بالماء وبالسماح من السلطة.

عاش السيد العالم حتى بدايات الثمانينيات من القرن المنصرم وأنهكته ظروف الحياة وأخذت منه السنون مأخذها ولم تفت عضده وإرادته فكان حليس مصلاه ينبس بالنصح والإرشاد متى ما سنحت له الفرصة تاركا المسجد الكبير ( الرسول الأعظم ) لمن قد جاء بعده يكمل مشواره فخلت من بعده الديار وارتحل بجوار ربه فدفن في مقبرة اللواتية واليوم فإن لقبره قبة وفي قلوب من أحبوه محبة وعبرة.

نسأل الله له المغفرة والرحمة وحشره مع ساداته محمد وآله الأطهار.

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق