د. طاهرة بنت عبدالخالق اللواتيةكُتاب المقالات

نهضة الامام الحسين

د.طاهرة اللواتية
tahiraallawati@gmail.com

الحلقة الاولى

قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “حسين مني وأنا منه ، أحب الله من أحب الحسن والحسين ، سبطان من الأسباط.”
البخاري / باب معانقة الصبي

غلب على الفكر الغربي القيام بأسطرة الدين ، ويعود ذلك الى سببين رئيسيين ، أولهما تاريخ الغرب ، فالغرب يعتبر ان امتداده التاريخي هم الاغريق واليونان ، ويمتلئ هذا التاريخ بالآلهة العديدين ، كآلهة القوة والجمال والحكمة …الخ ونشهد التراث الكبير من تماثيل الالهة كأساس جمالي من جمالياتهم الفنية . لم يستطع الفكر الغربي الانفكاك من تاريخه الاسطوري هذا ، فأسقطه على الدين المسيحي عندما دخل المسيحية ، فظهر لنا ثالوث الرب والابن وروح القدس ، وحسبما ورد في الويكيبديا عن الثالوث :”إن الأقانيم الثلاثة الإلهية: الأب والابن والروح القدس، لا يمكن فصلها عن بعضها البعض، كما لا يمكن فهمها عن بعضها البعض، كذلك لا يمكن استيعابها كحقائق بشرية، بل هي الطريقة التي عبّر فيها الله عن طبيعته التي لا يمكن تسميتها ولا التحدث عنها، ويتكيف مفهومنا عنها وفقًا لمحدودية عقولنا البشرية . ”

كلام مبهم وغامض ، ويقود الى تأصل الفكر الاسطوري عن تعدد الآلهة في الغرب.
من جانب آخر يقرر القرآن الكريم بان المستكبرين يميلون الى أسطرة الدين ، فتقول الاية الكريمة في سورة الانفال : “وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَٰذَا ۙ إِنْ هَٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ.” وتتعدد الآيات القرانية في تقرير هذه الحقيقة.

اما السبب الآخر الذي دعا الفكر الغربي لأسطرة الأديان عامة ، ووضعها في خانة الاسطورة والميثولوجيا – حيث تعرف القواميس الميثولوجيا بأنها :” علم الأساطير المُتّصلة بالآلهة وأنصاف الآلهة والأبطال الجُغْرافيّين عند شعب من الشُّعوب – فالسبب هو التاريخ الطويل من معاناة الغربيين من ممارسات الكنيسة ، التي اعتبرت نفسها الناطق الوحيد والحصري عن الله تعالى ووكيله ، فأصدرت صكوك الغفران لمن تريد ادخاله الجنة أو النار ، واحتكرت التوبة، واستخدمت محاكم التفتيش لمحاربة الانفتاح الفكري،والعلم والتطور العلمي والتنوير في الغرب ، فقد عاش الغرب قرونا وسطى مغمورة في الجهل والتجهيل والتخلف الشديد ، وعندما احتك بالحضارة الإسلامية وعلومها عبر الاندلس، وأراد الاخذ منها ، واجهته مؤسسة الكنيسة بقسوة شديدة وعنف كبيرين كي تحتفظ بالسلطات والصلاحيات والسيادة على العقل الغربي . وهذا العنف فجر الحركات الفكرية المختلفة في الغرب، كردة فعل شديدة لعنف وارهاب الكنيسة ، الى ان تم فصل الدين عن الدولة ، وتسيدت العلمانية الواقع الغربي، ثم الحداثة ، وحوصرت الكنيسة في ركن العلاقة الفردية الخاصة بين الانسان وربه أيام الآحاد.
صار علم الميثولوجيا يدرس كل دين الهي على انه أساطير شعبية متغلغلة في الوجدان الانساني ، وقد سبق ذلك ماورد في العهد القديم – كتاب اليهود – فقد كان اليهود قد توجهوا منذ فترة طويلة لأسطرة الإله والانبياء الذين بعثوا في الأمة اليهودية. وكانت اول محاولة لهم عجل السامري الذي صنع من الذهب وعبده قوم النبي موسى عندما ذهب لميقات ربه كما ورد في القرآن الكريم . ونقرأ في العهد القديم الكثير من هذه الاساطير والميثولوجيا، ولايخفى قوة سيطرة الاسطرة على الفكر اليهودي ، فلا تكاد تنتهي أسطورة نبي الا وتبعتها اخرى لنبي آخر . وبفعل الاسطرة فقد فعل النبي شعيب الحرام ببناته ، ولطم النبي موسى ربه…الخ

نتيجة لهذا أتت معظم كتابات المستشرقين سواء القديمين اوالجدد للعقائد الاسلامية كالايمان بالله والنبي المصطفى ، والملائكة والجنة والنار والحساب والثواب والعقاب بانها أساطير وميثولوجيا ، وماتزال الكثير من الدراسات الفكرية الغربية تصب في هذا المنحى . وقد برز العديد من العرب والمسلمين الذين نحوا هذا النحو ، واعتبروا ان القضاء على التخلف في العالم الاسلامي مرتبط بجعل القرآن الكريم كتاب أساطير وميثولوجيا ، وضرورة فصل الدين عن الدولة ، والسير في طريق العلمانية والحداثة كما فعل الغرب قبلا .

وقد أغرم علماء اليهود المحدثين بالأسطرة في فلسفة العلوم الانسانية ، فقال فرويد ان الاسطورة نتاج العمليات النفسية اللاشعورية للفرد ، واللاشعور هو الذي يتحكم في سلوك الانسان اليومي . وقال كارل يونج ان اللاشعور الذي تنتج عنه الاسطورة هو اللاشعور الجمعي للبشر . وقال دور كايم ان النموذج الحقيقي للاسطورة هو المجتمع، فجميع الموتيفات الاساسية للاسطورة هي انعكاسات للحياة الاجتماعية للانسان. وهكذا تم احكام اقفال الباب- عبر علم النفس وعلم الاجتماع – على الأديان الالهية والوحي الرباني، فقد أصبحت الأديان الالهية أساطير وميثولوجيا أنتجها اللاشعور الفردي والجمعي للبشر ، وهي انعكاسات للحياة الاجتماعية للناس.

الحلقة الثانية

قال رسول الله صلى الله عليه وآله:”حسين مني وأنا منه ، أحب الله من أحب الحسن والحسين ، سبطان من الأسباط.”
البخاري / باب معانقة الصبي

ان تقدم العلوم الطبيعية في الغرب وماحققه منهج الاستقراء العلمي والبحث التجريبي من كشوفات علمية في مجال العلوم الطبيعية ، أغرى الانسان الغربي بان الحقيقة هي كل مايدرك بالبحث التجريبي وبالحواس الخمس ، وماسواه ميتافيزيقيا لاقيمة لها ولاحقيقة، وهو ماتعاضد مع ماذكرناه في الحلقة الاولى من النزوع العميق لدى العقل الغربي الى أسطرة الاديان الالهية ، والغرام الفني بتماثيل الالهة.

ان كل ماسبق كان شديد الاغواء للعوالم الاسلامية التي غطت في سبات وتخلف عميق بعد القرون الوسطى ، وصاحب ذلك تراجع دورها الحضاري الى الصفر امام صعود الحضارة الغربية .

وظهرت عندنا اجيال من المفكرين بداية من القرن التاسع عشر، رأوا في الوصفة الغربية التي اخرجتها من قروسطيتها المتخلفة، وصفة صالحة للعالم العربي والاسلامي للخروج من التخلف الحضاري الذي يعيشه. كان التحدي قويا ، فمال مفكرون كثر الى وضع وصفات تشبه الوصفة الغربية الأصلية في فصل الدين عن الدولة ، مشخصين ان الدين هو سبب التخلف عندنا، كما كانت الكنيسة في الغرب، فتم القيام بمحاولات أسطرة رموز الدين الاسلامي ، بدءا من الوحي الأمين، ومرورا بالقرآن الكريم ، وشخص الرسول الكريم (ص) ، وحياته الشريفة . وهدفت هذه الاسطرة الى تأكيد ان الأديان الالهية صناعة بشرية امام المخاوف التي كانوا يواجهونها قديما ، وانها كانت مرحلة من مراحل التطور البشري ، وعفا عليها الزمن بعد تقدم العلوم والتخلص من المخاوف. وكان من الرموز التي نالتها الاقلام بالأسطرة ، ثورة ونهضة الامام الحسين ، فقد كانت النهضة الحسينية بأبعادها المتأصلة في نفوس اتباع مدرسة اهل البيت ، وثباتهم على ذكراها كل عام مجالا للعديد من التأويلات والتحليلات والثرثرة النفسية والسسيولوجية ، وزادت الوتيرة لدى انتصار الثورة الاسلامية في ايران ، واتخاذ نهضة الامام الحسين شعارا لها ، ثم نشوء حزب الله الذي اتخذ نهضة الحسين شعارا لمقاومته ضد العدو الصهيوني لاسترجاع الارض اللبنانية والعربية المحتلة .

وقد أسقط رالف رزق في كتابه “يوم الدم” أسطورة أوديب على النهضة الحسينية ، وذكر ان استرجاع الذكرى سنويا من قبل اتباع مدرسة اهل البيت ، هو من قبيل الشعور بالذنب والتكفير عنه ، كما قتل اوديب اباه ثم انتابه شعور الذنب ، ويؤكد رالف على الشعور بالاثم المتولد عن مقتل الحسين، والمنقول عبر المؤسسات الاجتماعية الثقافية‏ الشيعية الى مختلف الاجيال. وواضح اعجاب رالف بالاساطير النفسية التي أوردها فرويد ، واسقاطها على النهضة الحسينية. والسؤال: ان الملايين من كافة المجتمعات الشيعية حول العالم تحتفل بذكرى استشهاد الامام الحسين بحماس كبير، فهل جميعهم أجدادهم شاركوا في مقتله؟ المعروف تاريخيا ان الكوفة أسست لتكون حامية ومركزا للجند الاسلامي الذين كانوا ينطلقون للفتوحات الاسلامية ،وبذا جمعت شتى القبائل العربية من جزيرة العرب ،وحواضرها ونجدها وصحرائها . كان قائد الجيش الذي حارب الامام الحسين هو عمر بن سعد بن أبي وقاص ، المكي القرشي ، وتكون الجيش الذي قاتل الامام الحسين من رجال القبائل الذين تواجدوا في الكوفة ، وامتلأوا بغضا للامام علي ، ويتبين ذلك من سؤال الامام الحسين لهم صبيحة عاشوراء قائلا : لما تقاتلوني ؟ فاجابوا بغضا لأبيك علي ابن طالب ، وان تنزل على حكم يزيد . فالجيش بمجموعه يبغض الامام علي عليه السلام ، فكيف يكونون من شيعة علي وآل البيت وهم يبغضون عليا ، فالأمر لايستقيم ! لم تكن الكوفة مدينة عراقية بحته ، ولامركزا للشيعة في ذلك الزمان ، ولم تكن المدارس والمذاهب الاسلامية قد تبلورت بعد .فقد تبلور مذهب اتباع آل البيت – الشيعة- في زمان حفيد الامام الحسين ، وهو الامام جعفر بن محمد بن علي بن الحسين الملقب بالصادق. فالقول بأن الشيعة او العراقيين قتلوا الامام الحسين كذبة سياسية أطلقها من قتله ، مثل الآف الاكذوبات السياسية التي اطلقها كالقول ان الحسين قتل بسيف جده رسول الله !

ان الدكتور علي الوردي ، حاول قراءة نهضة الامام الحسين عبر العديد من كتبه عن المجتمع العراقي، وحاول تقديم قراءة سوسيولوجية لإحياء ذكرى النهضة الحسينية كل عام ، واستخدم مفردة الطقوس ، معبرا بها عن شعائر احياء ذكرى استشهاد الامام الحسين.

ولأجل تحرير مفردة الطقوس – ومفردها طقس – فتاريخيا تم اطلاقها بدءا على ماكانت تقوم به الكنيسة من طقوس . اما المعنى الاصطلاحي لمفردة الطقوس : ” فهي طريقة العبادة العامة المألوفة التي تقوم بها مجموعة دينية طبقًا لعاداتهم وتقاليدهم المعينة.” وعلى أساس أنها من وضع المجموعة الدينية وابتداعها.

استخدم الوردي مفردة الطقوس في تحليله السوسيوجي لاحياء ذكرى نهضة الامام الحسين في المدن العراقية وأريافها ؛ معليا من شأن المجتمع البدوي ، مقللا من شأن المجتمع المدني والريفي الذي برأيه يتلقف الاساطير ويستجيب للطقوس، بل يعمل على ابتكار العديد منها بسبب منظومة قيمه المعقدة التي تختلف عن منظومة قيم البداوة النقية !؟ فيقول في كتابه “دراسة في طبيعة المجتمع العراقي” صفحة ٢٣٤ و٢٣٥ :”ومن أشهر من انتقد التصوف ابن تيمية ، فهذا الرجل قد قاوم التشيع والتصوف معا ، ودعا المسلمين الى العودة الى التعاليم الفطرية الاولى التي جاء بها الاسلام، لكن رأيه لم يلق رواجا الا في صحراء العرب بعد بضعة قرون من وفاته ، وذلك عندما ظهر محمد بن عبدالوهاب في منتصف القرن الثامن عشر يدعو الى مادعا به ابن تيمية.” ويؤكد الوردي في ص٣٣٣ ان مذاهب السنة والشيعة والمتصوفة ، وايضا بقية الاديان تلجأ الى ابتداع عقائدها وطقوسها في الارياف والمدن لمجابهة الحياة وظروفها ، عكس الذين يعيشون في الصحراء ، فهم يعيشون عقيدة نقية، فيقول في ص ٣٥٥ : ” ان الوهابيين يريدون ان يرجعوا بالمسلمين الى التعاليم البسيطة التي أتى بها الاسلام في بداية دعوته ، من غير زيادة ولانقصان .” ويعود ليعلي من شأن البداوة والصحراء على حساب الارياف والمدن وسكانها .

لقد توفى الوردي عام ١٩٩٥ ، وكان هذا الكتاب من كتبه المتأخرة ، والذي تزامن مع فترة تعبئة العراق بالفكر التكفيري والمكفرين من أتباع فكر ابن تيمية . لكن لم يعش الوردي طويلا ليرى كيف تم تفريخ الارهاب والتكفير من قيم الصحراء والبداوة النقية الآتية من صحراء نجد !! ، وكيف أدار الغرب هذا التكفير ووجهه لتدمير العراق وسوريا وليبيا والصومال وباكستان وغيره من بلاد العرب والمسلمين.

لانستغرب هذه التناقضات في كتب الوردي ، فهو يقول في مقدمة كتابه بأنه لم يتبع الطريقة العلمية الاحصائية المنظمة ، والتي تتبع في الدراسات السيسيولوجية على المجتمعات ، وكان جل كتاباته -كما أوضح – ملاحظات شخصية جمعها من السوقة والرعاع والغوغاء في المجتمع العراقي ، وأسقطها عليه، ثم على المجتمع العربي الكبير ، على اعتبار ان المجتمعات العربية متشابهة تشابها متماثلا كما يقول ! ويلاحظ من كلامه في مقدمة كتابه ضعف وتشوش المنهجية العلمية التي اتبعها في دراسته السيولوجية ، فكتابه عبارة عن انطباعات شخصية ، وحكاوى سمعها ،ورسائل وردت إليه اكثر مما هو دراسة علمية . فهو يؤكد في سلسلة كتابه” لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث :” ان الصراع الاساسي هو بين قيم البداوة وقيم الاسلام، وكل الانحرافات الحاصلة في صدر الاسلام وبعده بسبب قيم البداوة التي تعلي من القيم الفردية والانانية . لكنه يعود ويقرر ان البدو هم الاكثر تمثلا بالاسلام النقي بدون زيادة او نقصان في كتابه” دراسة في طبيعة المجتمع العراقي” !! وهذا تناقض غريب في كلامه، وتناقض في التنظير والتأسيس والبناء الذي أعاب منهجيته.

وقد استند البعض على كتب الوردي ورالف رزق الله وسيف الخياط في كتابه “العقدة والعقيدة” والذي لقى نقدا كبيرا لدى صدوره في العام ٢٠٠٦ ، بسبب ضعف بنية كتابه ونقص المعلومات الصحيحة من مصادرها . فالكتاب الثلاثة نموذج ممن أسطروا نهضة كربلاء . واستخدموا مفردة الطقوس ، وكرروا بأن الطقوس الشيعية تمثلت في زيارة المراقد المقدسة ، والمواكب الحسينية ، ومجالس التعزية. وذكر الوردي ان هذه الطقوس كانت من اهم وسائل الدعاية الشيعية تاثيرا في النفوس في ص ٢٣٦.

لم يقم الوردي بتحرير منهجيته ، فلم يرجع لأي مصدر من كتب علماء السنة او الشيعة للتفرقة بين الطقوس وبين السنة النبوية الشريفة ، فقد وضع تحت خانة الطقوس كل مايصدر عن أتباع اهل البيت عليهم السلام لإحياء ذكرى نهضة الامام الحسين . لكن لماذا ؟ وكيف ؟

الحلقة الثالثة والأخيرة

قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم “حسين مني وأنا منه ، أحب الله من أحب الحسن والحسين ، سبطان من الأسباط.”
البخاري / باب معانقة الصبي

إن أول من أقام مجلس التعزية على الامام الحسين ، هو النبي محمد صلوات الله وسلامه عليه وآله مع الأمين جبريل سلام الله عليه، ليس لمرة واحدة بل لعدد من المرات ، وفي كل مرة كان يبكي، بل كان ينتحب بعد ان ياخذ الطفل( الحسين) في حضنه ، بينما الوحي يخبره بما يجري عليه من كرب وبلاء ، ويحكي له بعض وقائع استشهاده ،ومايجري على آله وبناته من سبي وأسر وقتل ، وإبادة متعمدة لنسله . كان رسول الله أول من احتفى بتربته ، وبالمكان الذي يقتل فيه، وذلك حسب مصادر السنة ، فقد أكّد أصحاب السنن وأرباب السير السنة في كتبهم أنّ رسول الله(ص) بكى عدّة مرّات على سبطه وريحانته الإمام الحسين (ع) كالطبراني، والهيثمي والخوارزمي، وأحمد، والنيسابوري، وأبي نعيم، والمحب الطبري، وابن عساكر، وابن حجر، وعبد الرزاق، وأبي يعلى، وابن كثير، وابن الصباغ المالكي، والمتقي الهندي، والقندوزي الحنفي وآخرين، وحث على البكاء عليه. وروى المحب الطبري بسنده عن أسماء بنت عميس أنّها قالت: ” عقّ رسول الله عن الحسن يوم سابعه بكبشين أملحين… فلمّا كان بعد حول ولد الحسين فجاء النبيّ(ص) ففعل مثل الأوّل، قالت: وجعله في حجره فبكى(ص) ، قلت: فداك أبي وأمي ممّ بكاؤك؟! فقال: ” إبني هذا يا أسماء، إنّه تقتله الفئة الباغية من أمتي، لا أنالهم الله شفاعتي …”

وقد ورد عن ابن عباس: ” رأيت رسول الله(ص) فيما يرى النائم بنصف النهار، أغبر أشعث وبيده قارورة فيها دم ! فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما هذا؟! قال: ” هذا دم الحسين وأصحابه، لم أزل منذ اليوم التقطه “، فأحصي ذلك اليوم، فوجده قتل يومئذ .
وقال ابن سيرين: ” لم تبك السماء على أحد بعد يحيى بن زكريا، إلاّ على الحسين بن عليّ. ”

وقال خليفة: ” لمّا قتل الحسين اسودّت السماء، وظهرت الكواكب نهاراً، حتى رأيت الجوزاء عند العصر، وسقط التراب الأحمر.”
وقال معمر: ” أوّل ما عرف الزهري أنّه تكلّم في مجلس الوليد بن عبد الملك فقال الوليد: أيّكم يعلم ما فعلت أحجار بيت المقدس يوم قتل الحسين بن عليّ؟ فقال الزهري: بلغني أنّه لم يقلب حجر إلاّ وجد تحته دم عبيط. ”

ومنها ما رواه الطبراني في معجمه بالباب نفسه ، وفي مقتله ، و مارواه الهيثمي في مجمعه في باب مناقب الإمام الحسين بن علي عليهما السلام . وفي معجم الطبراني الكبير، للإمام الطبراني، باب الحاء،”الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه يكنى أبا عبد الله ” ذكر مولده وصفته وهيأته رضي الله تعالى عنه وكرم الله وجهه وعن أبيه وأمه،

حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني عباد بن زياد الأسدي ثنا عمرو بن ثابت عن الأعمش عن أبي وائل شقيق بن سلمة عن أم سلمة ،قالت : كان الحسن والحسين يلعبان بين يدي النبي (ص) في بيتي فنزل جبريل عليه السلام فقال يا محمد إن أمتك تقتل ابنك هذا من بعدك، فأومأ بيده إلى الحسين ، فبكى رسول الله( ص) وضمه إلى صدره . ثم قال رسول الله (ص) وديعة عندك هذه التربة، فشمها رسول الله ، وقال ويح كرب وبلاء. قالت وقال رسول الله يا أم سلمة إذا تحولت هذه التربة دما فاعلمي أن ابني قد قتل. قال فجعلتها أم سلمة في قارورة، ثم جعلت تنظر إليها كل يوم ،وتقول إن يوما تحولين دما ليوم عظيم.

إن إحياء ذكرى استشهاد الامام الحسين والبكاء عليه ؛ هو من السنة النبوية الشريفة ، فما ينطق النبي عن الهوى ان هو الا وحي يوحى كما يصرح القرآن الكريم . وان الاحتفاء بمكان مصرعه واستشهاده وتعاهد تربته هو من السنة النبوية الشريفة ، وقد زار الصحابي الجليل جابر الانصاري قبر الحسين بعد أربعين يوما من استشهاده، متأسيا بقول الرسول وبكائه . ان هذا القدر المتيقن من احياء ذكرى نهضة الامام من مصادر أهل السنة، كان حريا بالوردي ان يفرق به بين السنة النبوية والطقوس ، بين فعل الرسول الكريم ،وبين الزيادات التي طرأت في تاريخ متأخر مثل ضرب السلاسل والقامات والتطبير ، وهي أفعال شجبها علماء مدرسة آل البيت ، فلم تكن موجودة ، ولا قيمة لها البتة ، فعظمة نهضة الامام الحسين لاتحتاج الى أي زيادات من هنا وهناك كي تبقى حية في نفوس المسلمين ، فهي أنتجت عظمتها من سيل دماء الامام الحسين وشبابه الذين قتلتهم السيوف المتعطشة لإبادة نسل رسول الله ، ونسائه واطفاله الذين سحقتهم خيول الحقد والبغي ، ومن رحلة أسر وسبي بنات رسول الله لأربعين يوما وليلة حارقة تمتد من حواضر العراق الى حواضر الشام الى قصر يزيد في دمشق ، بينما الحبال والسلاسل في أعناقهن ، والقيود حول معاصمهن وأقدامهن ، وسياط شذاذ الآفاق تنهال عليهن مع الاهانة والشتم والسب ، يتقدمهن رأس الامام ، ورؤوس آل البيت المرفوعة فوق الرماح . وقد سحقت اجسادهم الطاهرة على ارض كربلاء، وحولت الى أشلاء عندما أركض ابن سعد عليها الخيول الاعوجية ، وهو ينادي على جيشه: “ياخيل الله اركبي وبالجنة أبشري.” ثم تركها على الصعيد آمرا بعدم دفنهم البتة. ثم ينادي مرة ثانية: ” احرقوا بيوت الظالمين” فاذا بالنار تستعر في خيام بنات رسول الله ، فتحرق نساء عزل واطفال لاحول لهم ولاقوة ولاحامي ولانصير، ويفر البقية في البيداء بينما يلحقهم جيش العار فيسلبهم ، وتدوسهم خيول الحقد الأموي .

عندما أطل يزيد من قصره على ربى جيرون على بنات رسول الله الأسيرات يدخلن باب دمشق مقيدات والرؤوس تتقدمهن؛ بينما الناس يرقصون ويهللون ويضربون بالدفوف والطبول ؛ أنشد منتشيا حسبما ذكر الطبري في تاريخه 8/187 :
ليت أشياخي ببدر شهدوا *** جزع الخزرج من وقع الأسل .
قد قتلنا القرم من ساداتكم *** وعدلنا ميل بدر فاعتدل .
فأهلوا واستهلوا فرحا ***ثم قالوا يا يزيد لا تشل.
لست من خندف إن لم أنتقم *** من بنى أحمد ما كان فعل .
لعبت هاشم بالملك فلا *** خبر جاء ولا وحى نزل.

لن أعلق على الابيات ، فهي واضحة المعاني ، لكننا نفهم منها كيف كان الاسلام وقيمه الالهية في خطر شديد في تلك الفترة الزمنية ، فاذا كانت نبوة النبي محمد (ص) موضع شك وإنكار من رأس السلطة نفسها . لذا ليس بمستغرب ان يرفض الامام الحسين سلام الله عليه مبايعة هذه السلطة لخطورة سلوكها على دين وقيم الاسلام الحديث العهد بالنفوس ، فصرح بقوة :”إنا أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة، بنا فتح اللَّه وبنا يختم ويزيد فاسق، شارب الخمر، قاتل النفس المحترمة، معلن بالفسق والفجور، ومثلي لا يبايع مثله.” فمكانته من رسول الله تفرض عليه ان يرفض كل من يشكك في رسول الله ودين وقيم الاسلام ويستخف بها . وقال مؤكدا : “على الإسلام السلام إذ قد بُليَتْ الأمة براعٍ مثل يزيد.” رفض البيعة قائلا :”إني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا ظالماً ولا مفسداً انما خرجت لطلب الاصلاح في أمة جدي.” لكن الاوامر كانت صارمة جدا في التخلص منه تحت اي ظرف من الظروف اذا لم يبايع . وهكذا طورد من مسكنه في المدينة المنورة الى مكة المكرمة ، فلم يرغب ان يسال دمه في أرض الحرمين ، الى ان حوصر مع عائلته واطفاله وأصحابه في ارض كربلاء في العراق ، وحرموا من شرب الماء لأيام طويلة. وكانت المعركة غير المتكافئة بين عشرات ، وجيش بلغ ثلاثين ألفا حسب أغلب الرواة . كانت معركة غير متكافئة على كل الاصعدة ، لكن سبط رسول الله كان يدرك ان هذه الابادة الهمجية له ولأهل بيت رسول الله وأطفاله ؛ بحيث لاتبقى لهم باقية كما صرح عمر بن سعد ؛ هي الصدمة التي يحتاجها المسلمون كي يدركوا حقيقة الخطر على دين الله ودين رسوله ، وان دمه ودماء اهل البيت المراقة بتلك الهمجية الداعشية ستوقظ النفوس لتهب للحفاظ على قيم ودين جده رسول الله من بعده . فقال للناس وهو يحل الاحرام ، ويغادر مكة يوم التروية بينما الناس تأتي للحج :” من لحقني استشهد ومن لم يلحقني لم يدرك الفتح. ”

فقد كان دمه الشريف فتحا ؛ فنهضة الامام الحسين بكل تضحياتها العظيمة كانت رائدة وفاتحة كل النهضات والثورات التي أتت بعد ذلك كلما حاول أحدهم العبث برسالة جده وقيم الاسلام باسم انه خليفة الله ورسوله . وقد أدرك المسلمون انها ليست خلافة عن الله تعالى ، وانما ملك عضوض حاقد لمحمد ورسالته السماوية وذريته الطاهرة . ومن جانب آخر فان رفض الامام الحسين اعطاء الشرعية لهذا النوع من الخلفاء برفض البيعة الى آخر نقطه من دمه ؛ فتح الباب واسعا لاسقاط البيعة الجبرية .وكان ذلك فتحا ثانيا ؛ فليس كل من يتحكم برقاب الناس، ويفعل مايحلو له باسم الاسلام، هو خليفة شرعي لله على المسلمين ، وتجب مبايعته . وهكذا فصل الامام الحسين بدمه الشريف بين إمامة الدين وبين الحكم ، ونزع شرعية إمامة الدين عن طلاب السلطة والحكم ، فحافظ على الدين بعيدا عن استغلال طلاب السلطة والكرسي ، فقد اصبح الخليفة حاكما زمنيا فقط دون أدنى حق له في الإمامة الدينية او النطق عن الله تعالى. فلم يصبح مصير الإسلام كمصير المسيحية عندما اصبحت الكنيسة الناطقة باسم الله . فلم يعد الخليفة الاموي او العباسي هو الناطق عن الله تعالى، او ظل الله في الأرض ، أو امام الدين ، يوزع صكوك الغفران ، وصكوك دخول الجنة والنار على الناس . لذا ليس بمستغرب ان يقول رسول الله : ” حسين مني وأنا من حسين…” قطعا حسين من رسول الله، فهو سبطه وحفيده ، لكن رسول الله من حسين لأن دمه الشريف كان حافظا لدين وقيم رسول الله صلى الله عليه وآله ، فلم يصبح الدين لعبة يعبث بها كل من يأخذ كرسي الخلافة او الحكم . أفلا تستحق هذه الدماء بكاء رسول الله عليها ، وان نقتدي به في هذه السنة التي استنها صلوات الله وسلامه عليه وآله ، عرفانا لمن حافظ على الاسلام بدمه ودم عياله وأطفاله ونسائه وكل مايملك؟

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق