الأفق الثقافيالتراث الحضاري

“بيت البرندة” في مطرح شاهد على العصر

مطرح – العمانية

يعد “بيت البرندة” بولاية مطرح بمحافظة مسقط أحد المواقع التاريخية والأثرية التي خلدها الآباء والأجداد على مدى الحقب التاريخية القديمة، والذي تشرف عليه بلدية مسقط.

ويبعد “بيت البرندة” عن ميناء السلطان قابوس السياحي بمطرح حوالي 300 متر، وعن طريق مطرح الساحلي (الكورنيش) 150 مترًا.

وأصل كلمة “البرندة” يعود إلى اللاتينية وتعني “الشرفة”، وتعود تسمية “بيت البرندة” إلى التاجر نصيب بن محمد الذي بناه في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي ليكون مقراً لسكنه الثاني وكان يعرف ذلك الوقت باسم “بيت النصيب أو “بيت النسيب”، وعلى مر السنين استخدم المبنى في أكثر من شكل من قبل أكثر عن جهة ليستقر اليوم كواحد من أهم المعالم التاريخية والسياحية في ولاية مطرح، بعد أن قامت بلدية مسقط بترميمه وتطويره، وحظي بافتتاح رسمي في شهر ديسمبر من عام 2006م.

وفي عام 1909م قامت البعثة الأمريكية باستئجار “بيت البرندة” واتخذته مقراً لها حتى العام 1933م، كما قام أيضا المجلس البريطاني باستئجاره وترميمه، وشملت أعمال الترميم هذه تخصيص قاعات للدراسة وقاعة للمكتبة ومكاتب للإدارة وملحقات أخرى، وفي العام 1979م تم ترشيح “بيت البرندة” للحصول على جائزة “الآغا خان” المعمارية.

أما في الفترة الممتدة من عام 1984م إلى 1989م فقد استؤجر المبنى من قبل أحد المكاتب الاستشارية الهندسية، ثم بعد ذلك ظل خاليا إلى أن قامت وزارة التراث والثقافة بصيانته وترميمه، وفي العام 2004م تم تسليمه إلى بلدية مسقط التي حولته إلى مركز سياحي بعد ما تم تزويده بالعديد من المقومات السياحية والتاريخية وفتحت أبوابه للزوار من داخل السلطنة وخارجها.

والزائر لــ”بيت البرندة” يستطيع التعرف على جميع الحقب التاريخية التي مرت بها السلطنة، إذ يوفر هذا المعمار التاريخي والثقافي وسائل تكنولوجيا حديثة تساعد في تقديم المعلومات التفصيلية عن تاريخ المنطقة، كما يتوفر فيه العديد من المراجع التي يحتاجها الباحثون والمؤرخون وطلبة الجامعات والمعاهد والمدارس والتي تسرد لنا التاريخ الحضاري لسكان السلطنة الأوائل وكيف عاشوا مراحل متعددة سخروا في سبيلها الظروف المناسبة والأدوات اللازمة للعيش.

يقول مالك بن فهمي الهنائي مشرف “بيت البرنده” ببلدية مسقط لوكالة الأنباء العمانية: إن “بيت البرنده” يتكون من عدد من القاعات منها “قاعة الحياة الفطرية القديمة” وتضم عددًا من الرسوم للحياة الفطرية القديمة التي كانت موجودة في مدينة مسقط، حيث توضح التغير الذي حصل للنباتات والحيوانات التي كانت تعيش في المنطقة، وتروي أحافير عظام الديناصورات التي كانت ترتع على ضفاف الأنهار المنحدرة آنذاك من أعالي جبال عمان.

و”قاعة التنوع الجيولوجي” التي توضح الجبال المختلفة الأشكال والألوان والتنوع المذهل للتكوينات الطبيعية الموجودة في العاصمة مسقط، وكذلك المخروطات الرملية التي نتجت بفعل تأثير العواصف المطرية التي تكونت في الأزمنة القديمة، بالإضافة إل الكثبان الرملية وغيرها من أشكال التنوع الجيولوجي. أضافة الى “قاعة تكتونية الصفائح” التي توفر مشهدًا لحركة القارات وتكتونية الصفائح، وكيف كان التصور لهيئة الأرض قبل 750 مليون سنة وهيئتها اليوم وتصورها بعد 250 مليون سنة، فجيولوجيا عمان على قدر كبير من الندرة والتفرد لأن القشرة المحيطة القادمة من محيط (تيطس) القديم لم تختفِ تحت القارة بل اندفعت فوق أرض عمان فشكلت جبال عمان، وهذا ما جعل علماء الجيولوجيا يأتون من مختلف دول العالم إلى السلطنة لدراسة الصخور وأنواع الحياة التي تكونت تحت قاع المحيط وفي الأعماق.

وأضاف مشرف “بيت البرنده” ان البيت يحتوي أيضا على “قاعة أقدم المستوطنات البشرية” التي يوجد فيها نموذج يحاكي الطريقة التقليدية للإنسان الأول في إنشاء المنازل قديمًا، وهناك مجموعة من الصور التي تبين الأدوات التي كان يستخدمها الإنسان القديم، مثل الحلي النسائية المصنوعة من الصدف، والفؤوس الحجرية، والمطارق، وأدوات الصيد، مشيرًا إلى انه يعرض في هذه القاعة مقطع لقبر من مستوطنة بوشر ونسخ من المكتشفات الأثرية في الموقع، وتحتوي على كذلك على مختبر للبحوث الآثرية، يستطيع الزائر من خلاله التعرف على أدوات التنقيب وأساليب عمل عالم الآثار لدراسة المستكشفات الأثرية وتحديد أعمارها.

و”قاعة لمحات من تاريخ عمان” يتعرف الزائر فيها كيف استوطن الإنسان الأول في محافظة الوسطى وظفار منذ ما يزيد عن مليون سنة، وكذلك تبين تاريخ عمان البحري وتجارتها مع حضارة اور وسومر في بلاد ما بين النهرين، ووادي الهندوس في الهند وغيرها.

إضافة إلى “قاعة الرحالة” التي تعرض بالصوت والصورة ما قاله بعض المستشرقين الأجانب عن مدينة مسقط، وتظهر صورهم الافتراضية وهم يتحركون في أرجاء الغرفة متحدثين بلغاتهم الأم، ومرتدين ملابسهم الأصلية، ويكون العرض مصحوبًا بترجمة فورية مكتوبة على شاشة العرض. و”قاعة مسقط من القرن الأول الميلادي إلى عام 1744م ” تحكي عن سيرة مسقط خلال هذه الفترة الزمنية، وتوضح أهم الأحداث التي وقعت في محافظة مسقط من خلال خرائط ووثائق مطبوعة على قماش القنب ومجسمات تمثل تلك الأحداث.

وكذلك “قاعة دولة البوسعيد” التي تبين تاريخ الدولة في حكم أسرة البوسعيد التي تأسست عام 1744م، حيث يطلع الزائر عند دخوله إليها إلى تاريخ دولة البوسعيد وأهمية ميناء مسقط منذ القرن السادس عشر الميلادي ومسقط في عهد النهضة المباركة، وتُــعرض هذه الفترة الهامة من تاريخ مسقط من خلال جداريات عرض لبعض الوثائق وصور أهم الشخصيات إضافة إلى مجسم لمدينتي مسقط ومطرح مستوحى من رسم يعود إلى القرن الثامن عشر الميلادي.

و”قاعة مسقط الميناء” التي تضم عددًا من الرسوم التي توضح الطرق التجارية قديمًا، والتنافس الدولي على ميناء مسقط، كما تبين تاريخ ميناء مسقط.

وأضاف الهنائي انه من القاعات التي توجد في “بيت البرندة” أيضا “قاعة مسقط اليوم” والتي تبين الإنجاز الكبير الذي تحقّق للعاصمة العمانية مسقط، والتي تعتبر من المدن الراقية بمقوماتها من البنية الأساسية بحيث أصبحت من أجمل العواصم العربية، كما تعرض في القاعة أهم معالم نهضة المدينة الحديثة من خلال مجسم لطوبوغرافية مسقط ومطرح.

وكذلك “قاعة الفنون التقليدية” التي تعرض نماذج من الفنون العمانية التقليدية المختلفة في شاشة كبيرة مصحوبة بصوت يكشف المكان بأكمله بطريقة تبين بأن المشهد حقيقي، كما تعرض بالقاعة مجموعة من الآلات الموسيقية التقليدية بطريقة مميزة.

وإضافة إلى المضامين السياحية والثقافية فإن بلدية مسقط ممثلة في بيت “البرندة” تنظم في كل عام خلال فترة الصيف حلقات عمل صيفية بالتعاون مع طلبة الكليات والمدارس، بهدف إيصال رسالة البلدية في الحفاظ على المرافق البيئية، إلى جانب استغلال أوقات فراغ المشاركين، وصقل مهاراتهم، ومن هذه الحلقات (إعادة التدوير، وعالم الطين، وصناعة الدمى، وعالم الورق) وغيرها.

كما يُقام في بيت “البرندة” عدد من معارض الفنون التشكيلية، حيث إقيم فيه أكثر من 100 معرض فني للفنانين العمانيين بالإضافة إلى أكثر من 50 معرضًا دوليًا من مختلف دول العالم.

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق