د‭. ‬حيدر‭ ‬بن‭ ‬أحمد‭ ‬اللواتيكُتاب المقالات

الجدول الدوري من زوايا مختلفة

Hits: 2

أ.د. حيدر بن أحمد اللواتي ** – الرؤية

يُعد الجدول الدوري من أعظم الاكتشافات في الكيمياء الحديثة؛ ففي القرن التاسع عشر قام العالم الروسي ديميتري مندلييف بجمع العناصر الكيميائية المكونة لهذا الكون المادي الذي نعيش فيه، في جدولٍ تحمله في محفظتك؛ وهو اكتشاف لم تكن البشرية تحلم به، وعلى الرغم من عظم اكتشافه، إلّا أنه لم ينل جائزة نوبل في الكيمياء!

ومن المهم الالتفات الى أن هذا الجدول لا يضم أسماء العناصر الكيمائية فحسب؛ بل يمكن من خلاله التعرف على صفات تلك العناصر بغاية الدقة من موقع العنصر في الجدول الدوري، وهو من الأمور التي أبدع فيها العالم الروسي مندلييف أثناء ترتيبه لهذا الجدول الدوري.

لكن هناك زوايا أخرى غفل عنها الكثيرون، يمكن النظر من خلالها لهذا الجدول الدوري، فلقد انعكست بعض الحوادث التاريخية على هذا الجدول انعكاسًا مباشرًا، ولعل من أهمها الحرب الباردة بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي سابقًا وحلفاء كل منهما. والحرب الباردة عبارة عن مواجهات سياسية وأيديولوجية وعسكرية في بعض الأحيان- وإن كانت غير مباشرة- بين الطرفين، واستمرت لقرابة 5 عقود من الزمن، لكن ما لا يشار إليه عادة أن الحرب الباردة لم تقتصر على هذه الأمور فحسب، بل امتدت لتشمل الجدول الدوري أيضًا.

ففي مطلع الأربعينات وقبل بداية الحرب الباردة، كان الجدول الدوري للعناصر الكيميائية يضم 92 عنصرًا أثقلها وآخرها كان عنصر اليورانيوم، ومنذ ذلك الحين إلى اليوم، تم إضافة 25 عنصرًا جديدًا لهذا الجدول، أغلبها تمت إضافته في فترة الحرب الباردة الذي شهد صراعا محموما حول هذه العناصر الكيميائية.

إن السبب وراء السباق المحموم بين أقوى قوتين في العالم آنذاك كان هو الخشية من أن يمتلك أحدهما عنصرًا مشعًا يمكّنه من إنتاج قنابل نووية أشد فتكًا من قنبلة اليورانيوم والبلوتونيوم اللتين تم تدمير مدينتي هيروشيما ونجازاكي بهما.

ولعبت مختبرات جامعة بيركلي دورًا مهمًا فيها، كما لعب المختبر الروسي التابع للمعهد المشترك للأبحاث النووية في “دوبنا” الدور نفسه من طرف روسيا (الاتحاد السوفيتي سابقًا).

وحاولت كل دولة إبراز هيمنتها في هذا المجال العلمي، فقامت الولايات المتحدة -مثلا- بتسمية عدد من العناصر التي تم اكتشافها في مختبرات جامعة بيركلي بأسماء تشير إلى هيمنتها العلمية، فأطلقت عليها أسماء مثل “أمريكيوم” و”بركيليوم” و”كاليفورنيوم”.

ووصل الخلاف أشده بين مختبرات الأبحاث الروسية والأمريكية في عام 1970، فكان للجدول الدوري نسختين؛ أحدهما أمريكية والأخرى روسية، وعرفت تلك الفترة بحرب ما بعد عنصر الفيرميوم؛ فالعنصر رقم 105 مثلًا كان الروس يطلقون عليه “نيلشبوريوم”، بينما كان الأمريكيون يطلقون عليه “هاهنيوم”، ولم تنته هذه الحرب إلّا في تسعينات القرن الماضي؛ حيث تم الاتفاق على تسميته بـ”دوبنيوم”.

وتعد العناصر التي تم الكشف عنها بدء من العنصر أمريكيوم، عناصر مُصنّعة بامتياز، فلم يتم العثور عليها في الطبيعة؛ بل تم تصنيعها في المختبرات العلمية فقط، ولذا فالظن الغالب أن كرتنا الأرضية تضم من العناصر الكيميائية ما لا يتواجد في أي بقعة من بقاع الكون المادية!

كما إن البعض ينظر إلى الجدول الدوري على أنه سجل للأمجاد أيضًا؛ فبعض العناصر تحمل أسماء لعدد من أبرز علماء علوم الطبيعة؛ فالعنصر مندليفيوم، سمي نسبة الى العالم الروسي مبتكر الجدول الدوري الحديث عرفناه بفضله، كما أطلق على عنصر آخر اسم “آينشتاينيوم”، نسبة الى العالم الفيزيائي الشهير ألبرت آينشتاين، وكان للنساء نصيب في إطلاق أسمائهن على عناصر في الجدول الدوري، فأطلق اسم العالمة الشهيرة كوري على أحد العناصر ويدعى “كوريوم”، وهناك عالمة أخرى أيضا تدعى ليز مايتنر، تم تكريمها بعد وفاتها بعشرين سنة، فأُطلق اسمها على عنصر آخر يعرف باسم “مايتنريوم”.

ويعد العنصر أوغانيسون آخر عناصر الجدول الدوري المصنعة إلى اليوم ويحمل رقم 118، وقد تم تصنيعه في هذه الألفية، وذلك عام 2002، ويحمل اسم عالم روسي، وهو العالم الوحيد الذي ما زال حيًا، وسُمي عنصر في الجدول الدوري باسمه.

وهناك عددٌ من مكتشفي هذه العناصر ومصنعيها أطلقوا على تلك العناصر أسماء بعض المدن والدول عليها؛ لكي تبقى أسماء تلك المدن منحوتة في الجدول الدوري ومشيرة إلى مساهمة أبناء تلك المدن في تنمية المعرفة العلمية؛ فالعنصر 115 -مثلًا- ينسب إلى موسكو ويسمى “موسكوفيوم”، لكن الجدول الدوري خلا تمامًا من اسم لأي عالم عربي، كما خلا تمامًا من اسم لأي مدينة عربية أو إسلامية.

تُرى.. هل سنشهد في المستقبل اسمًا عربيًا لعنصر جديد يتم اكتشافه؟!

ولو قُدِّر لنا نحن العرب أن نُطلق اسم مدينة من مدننا على العنصر الجديد الذي سيتم اكتشافه على أن تكون مدينة ساهمت في تطور العلوم وكانت مركزًا علميًا مرموقًا في يوم من الأيام، فأي مدينة من مدننا تستحق هذا التكريم؟!

** كلية العلوم، جامعة السلطان قابوس

إعلانات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى